الاتحاد

دنيا

الثقة بالله صفة من تحلى بها كفاه ربه كيد الشياطين

السعي بين الصفا والمروة دليل السيدة هاجر على الثقة بالله (أرشيفية)

السعي بين الصفا والمروة دليل السيدة هاجر على الثقة بالله (أرشيفية)

الثقة بالله تعالى من العبادات القلبية الجليلة، وهي صفة من صفات الأنبياء والأولياء الصادقين والعباد الصالحين، ومن تحلى بها كفاه الله كيد شياطين الإنس والجن، ورزقه وحفظه من كل سوء ومكروه، وفاز في الدنيا والآخرة. وعندما أُلقى خليل الرحمن إبراهيم، عليه السلام، في النار قال بعزة الواثق بالله «حسبنا الله ونعم الوكيل» فجاء الأمر الإلهي «يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم» الأنبياء 69.

عمرو أبوالفضل (القاهرة) - تتجلي الثقة بالله في السيدة هاجر حينما تركها زوجها في صحراء قاحلة وشمس حارقة ووحشة، ورضيت بأمر الخالق ورددت بقلب مطمئن بالله قائلة «إذن لن يضيعنا» ففجر لها برحمته بئر زمزم وخلد سعيها، كما نجد الثقة بالله في أولئك القوم الذين قيل لهم «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم»، ولكن ثقتهم بالله أكبر من قوة أعدائهم وعدتهم، فقالوا بعزة الواثق بالله «حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء».
إلى ذلك قال الدكتور عادل عبدالشكور من علماء الأزهر إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، علمنا الثقة المطلقة بالله والكفاية به، وصدق الاعتماد عليه وحده، وحسن التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه، والاعتصام به في كل شيء، وأن لا ملجأ للإنسان سوى الله سبحانه، وعليه أن يتطلع إليه وحده.
وأضاف: جاء ذلك في قصة رجلين من الأمم السابقة جاءت في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: فأتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفي بالله شهيداً،قال فأتني بالكفيل. قال: كفي بالله كفيلا. قال:صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفي بالله وكيلا، فرضي بك، وسألني شهيداً، فقلت: كفي بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أجد، وإني أستودعكها. فرمى بها إلى البحر، حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركباً قد جاء بما له، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتي بالألف دينار، وقال: والله، ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلى شيئاً؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال الله قد أدي عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف دينار راشداً.
وأوضح أن الحديث الشريف تحدث عن رجلين صالحين من بني إسرائيل، كانا يسكنان بلدا واحدا على ساحل البحر، فأراد أحدهما أن يسافر للتجارة، واحتاج إلى مبلغ من المال، فسأل الآخر أن يقرضه ألف دينار، على أن يسددها له في موعد محدد، فطلب منه الرجل إحضار شهود على هذا الدين، فقال له المقترض كفي بالله شهيدا، فرضي المقرض بشهادة الله، ثم طلب منه إحضار كفيل يضمن له ماله في حال عجزه عن السداد، فاخبره أن الله الذي لا ريب في وفائه كفيله، فرضي بكفالة الله، مما يدل على إيمان صاحب الدين، وثقته بالله عز وجل.
الوفاء بالعهد
وأشار الدكتور عادل عبدالشكور إلى أن الرجل المقرض كما اخبرنا الحديث الشريف اعطي المال لصاحبه المقترض بلا شهيد أو كفيل أو عقد، وسافر صاحب الدين لحاجته، ومضت الأيام واقترب موعد السداد، وكان همه الأكبر العودة إلى بلده ليقضي الدين في الموعد المحدد، ويفي بالعهد الذي قطعه على نفسه، ولما خرج يبحث عن مركب لكي يصل في موعد الدين، لم يجد أي وسيلة تحمله إلى بلده، فاستبد به القلق والخوف من عدم الوفاء بعهده، وظل حائرا يفكر حتى اهتدى إلى الحل.
وقال الدكتور عبدالجواد المحص الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر إن الحديث الشريف بين أن الرجل لم يركن أو يستسلم وتذكر شهادة الله وكفالته لهذا الدين، وأراد أن يودع المال بأعين الشهيد والكفيل، وكان الحل أن أخذ خشبة ثم حفرها، ووضع فيها الألف الدينار وأحكم إغلاقها وأرفق معها رسالة يبين فيها ما حصل له، ورمى بها في عرض البحر، وتوجه إلى الخالق الذي لا تأخذه سنة ولا نوم بالدعاء وهو واثق ومتوكل عليه مطمئن إلى أنه استودعها من لا تضيع عنده الودائع، وانصرف يبحث عن سفينة يرجع بها الى بلده.
وأوضح أن القدرة الإلهية تجسدت عندما خرج صاحب الدين إلى شاطئ البحر في الموعد المحدد، ينتظر سفينة يأتي فيها الرجل أو رسول عنه يوصل إليه ماله، ولكنه لم يجد أحدا ووجد خشبة قذفت بها الأمواج إلى الشاطئ، فأخذها لينتفع بها أهله في الحطب، مضيفا أنه لما قطعها بالمنشار وجد المال الذي أرسله المدين له والرسالة المرفقة.
دروس وعبر
وأكد أن القصة النبوية مليئة بالدروس والعبر النافعة التي يجب أن نعيها جيدا ونتمثلها في سلوكياتنا وتصرفاتنا، مشيراً إلى أنها بينت فضل التوكل على الله وأن من صح توكله تكفل الله بنصره وعونه، وكفايته لعبده إذا توكل عليه وفوض الأمر إليه.
وأضاف أن كثيرا من الناس تشغلهم الماديات ويركنون الى ظواهر الأسباب فقط، ويجحدون عظيم لطف الله وحفظه لعباده، وينسون مسبب الأسباب الذي بيده مقاليد الأمور، وخزائن السماوات والأرض، ويجب على الإنسان أن يحسن الظن بربه على الدوام، وفي جميع الأحوال ويتوكل عليه في كل أمور حياته وقضاء حاجاته والله عز وجل عند ظن العبد به، فإن ظن به الخير كان الله له بكل خير أسرع.
وأكد أن القرآن الكريم حرص على تأكيد هذه المعاني في أكثر من آية، منها قوله عز وجل: «وكفى بالله شهيدا»، 28 الفتح، وأيضا وقوله: «وكفى بالله وكيلا» 3 الأحزاب، وقوله: «أليس الله بكاف عبده» 36 الزمر.
وقال إن القصة حرصت على بيان أهمية التعاون بين الناس على الخير والبر ومساعدة المحتاج، ومد يد العون للمعسر الفقير وإقراضه، مضيفا أنها أكدت ضرورة طلب الشهود في الدين وطلب الكفيل به خاصة إذا ظهر في الناس التهاون في أداء الحقوق، والمماطلة فيها، ووجوب الوفاء بالدين، وعدم المماطلة في السداد.

اقرأ أيضا