الاتحاد

دنيا

الصحابة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن طاعة الله

«اجلس بنا نؤمن ساعة»، كلمة أطلقها الصحابي الجليل معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري، رضي الله عنه، فقد أسلم معاذ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وهو أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية في شهر ذي الحجة، قبل هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، بثلاثة أشهر، ومن أعظم فضائل معاذ، رضي الله عنه، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أقسم له: «والله إني لأحبك»، لما روي عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده يوماً، ثم قال: يا معاذ والله إني لأحبك، فقال معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك،أخرجه أبو داود.
وقد توفى، رضي الله عنه، في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة للهجرة، وقبره ببيسان بفلسطين، فكانت هذه العبارة لسان حال أفضل جيل عرفته البشرية.
ومن المعلوم أن الصحابة الكرام، رضي الله عنهم أجمعين، هم خير البرية بشهادة رسول الله، صلى الله عليه وسلم لهم، حيث يقول صلى الله عليه وسلم :«لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً، ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه»أخرجه مسلم، كما وورد عنه، صلى الله عليه وسلم أنه قال: الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»أخرجه أحمد والترمذي.
سيرة الصحابة
وعند دراستنا لسيرة الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين نلاحظ أن حياتهم حياة إيمان وأعمال صالحة كما بيَّنَّا«اجلس بنا نؤمن ساعة»، فهم دائماً في طاعة الله عز وجل، كما قال القرآن الكريم: «رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ» سورة النور آية 37، فهم مواظبون على حضور مجالس العلم والذكر وتلاوة القرآن الكريم، كما أنهم يذكرون الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، لأنها المجالس التي تؤمها الملائكة الكرام، كما وأنهم حريصون على الابتعاد عن مجالس الغيبة والنميمة وغير ذلك من المجالس التي نهى الشارع الحكيم عن حضورها.
ونسوق هنا حديثاً شريفاً يبين فضل مجالس الذكر، فقد روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال:إنَّ لله تبارك وتعالى ملائكةً سيارةً، فُضُلاً يتَّبعونَ مجالس الذَّكرِ، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكرٌ قعدُوا معهم، وحَفَّ بعضُهُم بعضاً بأجنحتهم، حتى يَمْلأُوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا عَرَجُوا وصعدُوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله عز وجل، وهو أعلم بهم: من أين جئتُم ؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض، يُسبِّحُونك، ويُكبِّرونك، ويُهلِّلُونك، وَيَحْمَدُونك، وَيَسألُونك، قال: وماذا يسألُوني؟ قالوا: يسألُونك جَنَّتك، قال: وهل رأَوْا جنَّتي ؟ قالوا: لا، أيْ ربِّ، قال: فكيف لو رأَوْا جنَّتي ؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: وممَّ يَستَجيرُونني؟ قالوا: منْ نارك، يا ربِّ، قال: وهل رأَوْا ناري ؟ قالوا: لا، قال: فيكف لو رأَوْا ناري ؟ قالوا: وَيَستَغفرُونكَ، قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، فَأَعطيتُهُم ما سألوا، وأجرتُهُم ممِّا استجارُوا، قال: فيقولون: رَبِّ، فيهم فُلاَنٌ، عبدٌ خَطَّاءٌ، إنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ معهم، قال:فيقول: ولهُ غَفَرتُ، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسُهُم.أخرجه مسلم.
مجالس الذكر
في هذا الحديث الشريف يبين الرسول، صلى الله عليه وسلم أهمية مجالس الذكر وفضلها، وأنها خير المجالس لما فيها من ذكر لله سبحانه وتعالى وتسبيحه وتوبة صادقة إليه.
والذكر في الإسلام يشمل قراءة القرآن الكريم لقوله تعالى:«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» سورة الحجر الآية 9، ويشمل الصلاة لقوله تعالى:«وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي»سورة طه الآية 14، كما يشمل الذكر«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ» سورة آل عمران الآية 191، ويشمل السنة النبوية الشريفة بدراستها وسماعها والعمل بها، لما ورد عن بعض المفسرين بأن الذكر في قوله تعالى:«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، يشمل الكتاب والسنة، وعندما يعود الملائكة الكرام لربهم ، يذكرون تلك المجالس الطيبة المشتملة على ذكر الله وتسبيحه.
ويسألهم رب العباد الذي لا تخفى عليه خافية عن هذا النفر الطيب من الذاكرين الطائعين، فيقولون: بأنهم (يسألونك الجنة)،الجنة هي دار القرار، وأمنية كل مؤمن يرجو رحمة ربه:«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا» سورة الكهف الآية107، الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فهي جزاء لمن أطاع ربه، وأخلص في العبادة له سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث « من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»أخرجه البخاري.
وقديماً قالوا: ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر، فعلينا أن نعمل من أجل مرضاة الله سبحانه وتعالى، ومن ثمَّ نيل نعيمه وجنته «وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا» سورة الإنسان الآية 12، ويتواصل الحوار بين الله وملائكته الكرام، حيث يقولون يا رب: «إنهم يستجيرونك من النار»، النار التي خلقها الله ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء كالليل المظلم، النار مثوى المتكبرين والكافرين والمنافقين البعيدين عن منهج الله، وعن طريق الحق والصواب، فالله أعدل العادلين جعل الجنة للطائعين جزاء وفاقاً، وجعل النار للعصاة والمجرمين، لأنهم لا يصلون ولا يصومون ولا يزكون، ولا يلتزمون بشرع الله ولا بمنهج نبيه? صلى الله عليه وسلم، تراهم مقصرين في أداء الأركان، مستهزئين بالمؤمنين الطائعين كما في قوله تعالى: ?{?وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ،يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ?}?سورة التوبة الآيتان34-35، وقوله أيضا:«إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ»سورة المطففين الآيتان29-30،فعلينا أن نبتعد عن طرق الغواية والضلال، وأن نقلع عن المعاصي والذنوب، وأن نتوب إلى الله توبة صادقة، لعل الله يشملنا برحمته، فهو التواب الرحيم.
ثم يقولون يا رب:(ويستغفرونك)،فما أجمل الاستغفار وأفضله لذلك قال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة.أخرجه مسلم.
الجواب الإلهي
فيأتي الجواب الإلهي شافياً، والفضل عظيماً،«قد غفرتُ لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا»، ثم يظهر كرم الله العظيم وفضله الكبير الذي لا ينقطع كما ورد في آخر الحديث «وله –أي العبد الخطّاء- غفرت»، ففضل الله كبير كما جاء في الحديث القدسي: عبدي لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة»أخرجه مسلم.
وَيُخْتتم الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم:«هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»،فهذه مجالس الذكر، ما أفضلها، وما أعظمها، فعلينا أن نحرص على حضور هذه المجالس الطيبة، المجالس التي تحفها الملائكة، وتغشاها الرحمة، وتتنزل على أهلها السكينة.
ونحن هنا نتساءل: كم من إخوتنا وأحبائنا يقضون أوقاتهم في اللهو والغيبة والنميمة، ومشاهدة الأفلام الهابطة والمسلسلات الهدَّامة، أما آن لهم أن يعودوا إلى رشدهم، ويتوبوا إلى ربهم.
لذلك يجب علينا طاعة الله وتنفيذ أوامره والبعد عن المعاصي والآثام، من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، فأعمار الأمة الإسلامية ما بين الستين والسبعين والقليل من يتجاوز.

الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yo sefsalama.com

اقرأ أيضا