الاتحاد

دنيا

علماء الدين: الرشوة مسلك شيطاني نهايته تدمير الأمة

التدبر في آيات القرآن يحمي من السلوكيات الخاطئة (أرشيفية)

التدبر في آيات القرآن يحمي من السلوكيات الخاطئة (أرشيفية)

حذر علماء الدين من مخاطر تفشي الرشوة والإكراميات والهدايا والعمولات في بعض مؤسسات الدول الإسلامية، مؤكدين أنها مسلك شيطاني وضرب من ضروب الفساد التي تدمر الأمة الإسلامية، وأنها تلك الظاهرة المحرمة تعد هدراً للكفاءات وتضييعا للعدالة وتكافؤ الفرص، وتهدد سلامة واستقرار المجتمع بما تتركه من آثار سلبية. وطالب العلماء بالضرب بيد من حديد على كل من يتربح من وظيفته أو يمارس الابتزاز على ذوي الحاجات.

(القاهرة) - نبه علماء الدين إلى ضرورة تطبيق مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب قبل إسناد المهام والوظائف العامة في الدولة إلى أصحاب النفوس الضعيفة وأنصاف الكفاءات، وإحياء منظومة القيم في المجتمع الإسلامي لمواجهة تلك الظاهرة التي تزين الحرام وكأنه حلال يثاب فاعله. وقال الدكتور على جمعة مفتي مصر إن الله سبحانه وتعالى حرم في محكم كتابه الرشوة وعرفها بأنها ما يدفع للحاكم أو من لهم ولاية ليأكلوا به أموال الناس بالباطل ظلما وعدوانا فقال تعالى:«ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون» البقرة 188، وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على هذا المعنى فقال:«لعن الله الراشي والمرتشي والرائش قالوا ومن الرائش يا رسول الله؟ قال الساعي بينهما بالرشوة».
كثرة الاستدلال
وأضاف الدكتور على جمعة أن الرشوة لا تحتاج إلى كثرة الاستدلال أو بينة بل إنها محرمة في كل دين والذي يقبل الرشوة إنما يقبل الحرام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رب رجل يمد يديه إلى السماء يقول يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب« فاستجابة الدعاء شرط لطيب الطعام فقال صلى الله عليه وسلم» لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، «أطب مطعم تكن مستجاب الدعوة».
وأكد أن الرشوة مسلك شيطاني وضرب من ضروب الفساد في الأرض ومن ثم فإن أي مواطن بداية من الموظف العمومي أو من في حكمه تجب مساءلته كما حذر النبي صلى الله عليه وسلم فقال «إنما هلك الذين من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» وبهذه النظرية النبوية يتحقق العدل والحق بين الناس.
وأضاف الدكتور علي جمعة: توسع الفقهاء في معنى الرشوة ولم يقصروها على حالة أكل أموال الناس بالباطل بل جعلوها أيضا تشتمل على من دفع شيئا ليستخلص به حقه أو يدافع عن عرضه أو عن نفسه أو عن ملكه أو عن الآخرين أيضا وحينئذ يجب على المعطي أن يستنجد بكل قوة يمكن أن يستنجد بها وأن يستغيث بكل من يستطيع أن يوصل إليه حقه. وطالب مفتي مصر بتوعية الموظف وغيره ممن أقامهم الله تعالى لقضاء مصالح الخلق ليكون رفض الرشوة ثقافة سائد في مجتمعنا الاسلامي.
ويرى الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ أصول الفقه وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر أن الهدايا تأخذ أحيانا حكم الرشوة إذا كانت لموظف أو قاضٍ ولم يكن الذي أهدى قد اعتاد الهدية لهذا الشخص قبل أن يتولى المنصب، وقد جاءت النصوص الشرعية مبينة أن الهدايا للموظف العام تعد من المحرمات، فقد ثبت في الحديث الصحيح:«هدايا العمال سحت»، والمراد بالعمال كل موظف عام، وأما قبول النبي صلى الله عليه وسلم الهدايا فقد كان لأنه عليه الصلاة والسلام معصوم من الوقوع في الحكم بالميل إلى أحد الخصوم.
وأشار إلى أنه إذا كانت الهدية ممن عادته انه كان يهدي إلى هذا الشخص قبل أن يتولى المنصب لأن بينهما صلة قرابة أو صداقة مثلا ولا توجد مصلحة للمهدي حاضرة أمام المهدي إليه، فتجوز الهدية بقدر ما تعود المهدي سواء كان ذلك من ناحية الكم أو الكيف، لان الريبة تنتفي حينئذ وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الهدايا لموظف عام مع كونها حراما، فإنها تصادر للمصلحة العامة، فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل رجلا ليجمع الزكاة فلما جاء جعل بعض ما جمع في ناحية، وقال للرسول: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فخطب الرسول في الناس وقال:ما بال رجل نرسله فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا اهدي إليَّ، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه أم لا؟.
عدم القناعة
ويفسر الدكتور محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية السابق وأستاذ الشريعة والقانون بكلية الحقوق أسباب تفشي ظاهرة الرشوة في المجتمع الإسلامي وخطورتها قائلا: الأزمة أخلاقية في الأساس نتيجة لعوامل مادية، فالفقر والبطالة وضعف الراتب وعدم القناعة والرضا وتفاوت الدخول وارتفاع أسعار السلع وقلة الخدمات والاستغلال الاجتماعي وعجز الأفراد عن تدبير أمور حياتهم المعيشية كل ذلك وغيره يؤدي إلى تشكيل أنماط سلوكية لا معيارية ويخلق نوعا من الخلل يتفاقم عبر الزمن بل قد يصل إلى خلق أشكال من الانحراف ويحاول كل فرد البحث عن وسائل غير مشروعة للتغلب على تلك المشكلات المادية والضغوط الناتجة عنها بأخذ الرشوة، والعدالة هي أساس الدولة والحكم، وتطبيق القانون بصورة متساوية وعادلة يؤتي ثماره في إيجاد الطمأنينة وسرعة إنجاز العدالة واحترام الجميع للقانون من حيث التماثل والخضوع والتقنين فاختلال ميزان العدالة يعني الفوضى والمحسوبية والعنف والظلم والنفاق والرشوة وغيرها من السلوكيات السلبية.
وأضاف : الرشوة حرام لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما». واللعن ينبئ بأن متعاطي هذا الأمر قد ارتكب أمرا محرما حرمة قطعية باستغلال منصبه، وشيوع الرشوة في المجتمع يجعل بعض الأشخاص يتربحون من وراء الاستغلال مقابل خدمة مجانية، وهذا يكون على حساب صاحب الحاجة. وأوضح الدكتور الجندي أن هناك أبوابا أخرى للحصول على المال تكون مقدمة لارتكاب الحرام وذلك مثل طلب البعض دفع إكرامية له مقابل أداء عمل من الأعمال وان يكون هذا الطلب مشفوعًا برضا من يؤدي الخدمة فتصير رشوة والحرمة فيها قطعية، ويقول بعض الفقهاء إذا ما قيضت الرشوة بالحصول على هذه الخدمة أو العمل وأغلقت كل السبل أمام صاحب الحاجة إلا عن طريق الرشوة فانه يعد غير آثم وليست حرامًا عليه ولكنها تقع على صاحبها.

اقرأ أيضا