الاتحاد

الملحق الثقافي

سِقْط اللِّوَى···الإنسان والعلوم

عبد الملك مرتاض

عبد الملك مرتاض

ما مكانة العلوم الإنسانيّة من بين العلوم الأخرى؟ وهل لها تأثير في تقدّم المجتمعات اقتصاديّاً وحضاريّاً؟ وهل للغة والأدب خصوصاً دورٌ في ذلك؟ لقد ساد الاعتقاد حيناً من الدهر كان النّاس يرون فيه أن لا تقدُّمَ للمجتمعات البشريّة إلا باصطناع العلوم الدّقيقة وحدَها، غير أنّ هذا الاعتقاد سرعان ما تبيّن أنّه غير مُجْدٍ، لأنّ النّاس بشر يحتاجون إلى كلّ مكوّنات الحياة في مجتمعاتهم، فالعامل الذي يكدح طوال النهار محتاج إلى أن يرفّه عن نفسه بمشاهدة مسرحيّة أو شريط سينمائي أو قراءة قصّة جميلة أو قصيدة ممتعة، وإلاّ صار كالآلة التي يتعامل معها نهاره كلّه· وكنت أعرف طبيباً جراحاً للقلب وقد التقينا يوماً في سفر قصير بالطائرة فرأيته يقرأ مجلّة ذات اهتمام أدبيّ، فاستغربت منه ذلك··· فقال لي: كيف أستريح من عناء العلوم الطّبية إذا لم أروّح نفسي ببعض القراءات الأدبيّة··· ولذلك تجد كثيراً من الأطبّاء روائيّين، والمهندسين شعراء···
إذن، فللعلوم الإنسانيّة، ومنها الأدب وعلمه، مكانة في المجتمع مسلّية ممتعة إن شئت، ومرقّية مهذّبة للنفوس إن شئت أيضاً· ويكفي العلوم الإنسانيّة فخراً أنّ أمّ العلوم، وهي الفلسفة، منها· كما يكفيها فخراً أنّ أداة التعبير والتواصل الأولى هي اللّغة وهي مفتاح المعرفة· وأنّ العلوم الإنسانيّة بعامّة لا تزال تسعى إلى معرفة الإنسان، والكشف عن الأسرار الغامضة التي تحيط به، والنزعات التي تحمله على أن يسلك سلوكاً معيّناً دون سواه: إزاء نفسه، وإزاء غيره: فكان علم الاجتماع، وعلم النفس، والعلوم السياسيّة، وأخيراً علم الأدب···
وكلّ هذه العلوم تسعى إلى خدمة الإنسان وتطوير حياته، وتحديد علاقاته بحيث يكون التفاهم بين البشر هو السائد درءاً للحروب·
إذن، فلا ينبغي ازدراء العلوم الإنسانيّة باعتقاد أنّها غير ذات طبيعة تكنولوجيّة، فالعالم الغربيّ لم يتطوّر بالتكنولوجيا وحدها؛ بل إنّا نجد أن هذا العالم الغربيّ تطوّر، في الحقيقة، بفضل العناية الشديدة بكلّ العلوم على اختلاف طبائعها، فترى الأمم الكبيرة تحصد جوائز الأدب كما تحصد جوائز الفيزياء والكيمياء··· لأنّ الإنسان يظلّ هو العنصر الأوّل في المجتمع، والعناية بالعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة هي عناية بالإنسان نفسِه الذي هو وحده القادر على تطوير نفسه، وترقية تفكيره·
ويبدو أنّ العناية في الزمن الأخير ازدادت في الغرب بالعلوم الإنسانيّة فعاد الاهتمام بعلوم البلاغة، واللغة واللسانيّات والتاريخ واللاهوت بالإضافة إلى العلوم ذات الطبيعة العلميّة الخالصة··· وإذا كان عيب العلوم الإنسانيّة أنّها ليست ممّا ينتمي إلى العلم الخالص بحيث يمكن البرهنة عليها بالصّحّة أو الفساد بالمنطق الرياضيّ، أو التجارب المخبريّة، فإنّ ذلك لا يمنع من عدّها علوماً حقيقيّة تتمتّع بالنسبيّة··· وعلى الرغم من أنّ هذا موضوع كبير لم يزل مجالاً للمناقشة والحوار، وموضوع اختلاف واتّفاق، بين المنظّرين في الغرب والشّرق·

اقرأ أيضا