الاتحاد

تقارير

أفغان أميركا ··· مترجمون عسكريون

فارهامج ··· مهمة مفعمة بالمخاطر

فارهامج ··· مهمة مفعمة بالمخاطر

منذ ثلاث سنوات، تعيش ''توربيكاي فارهامج''، الموظفة السابقة في فندق ''إيمبريال بالس'' (لاس فيجاس)، وراء الأسلاك الشائكة مع القوات الأميركية في أفغانستان، شأنها في ذلك شأن عبدالله باراك، الذي كان حتى عهد قريب بائعاً للسيارات المستعملة في متجر ابن عمه بحي كوينز (نيويورك)، والذي يحلم بقطعة من البيتزا النيويوركية·
الاثنان هما من بين نحو 250 مواطناً أميركياً من أصل أفغاني، قاموا بتغيير غير متوقع في حياتهم المهنية ليصبحوا مترجمين عسكريين للباشتو والداري هنا في أفغانستان -حيث يعملون كوسطاء بين الجنود الأجانب والسكان المحليين الذين يلتقونهم، ويتعاونون معهم، ويحاربونهم- فمعظمهم يعترفون بأن الرواتب السخية التي عُرضت عليهم - ما قد يصل إلى 225000 دولار في السنة بالنسبة لبعضهم - هي التي أقنعتهم بالتنازل عن حياة مريحة والانضمام إلى جهد حربي في الأراضي المغبرة التي تركوها وراءهم منذ زمن بعيد· ولكن الأمر لا يخلو من بعض المثالية أيضاً حيث يقول باراك: ''لو لم يعرضوا رواتب جيدة، لما جاءهم أحد··· ولكنني كنت متحمساً أيضاً، وقلت في نفسي إن الأميركيين يمكن أن يقوموا بأشياء جيدة هنا''·
ويتقاضى المترجمون الأميركيون رواتب أكبر بكثير من الـ800 دولار في الشهر التي يتقاضاها نحو 3000 مترجم الذين تم إبرام عقود محلية معهم، ولكنهم ملزمون بالمقابل بالتقيد بسلسلة من القواعد الصارمة· فعلى سبيل المثال، لا يمكنهم مغادرة القاعدة إلا إذا كانوا سيشاركون في دورية أو مهمة أخرى، ويمكن أن يحاكموا بتهمة الخيانة في حال ثبت أنهم يعملون ضد مصالح الولايات المتحدة، كما لا يسمح لهم بالاتصال بأقاربهم أو أصدقائهم القدامى· فعلى سبيل المثال، حين جاءت بنات أخيها الثلاث، اللاتي لم ترهن منذ أن غادرت أفغانستان كعروس في الرابعة عشرة من عمرها قبل ثلاثين عاما، لبوابة القاعدة لزيارتها، أمرن بالمغادرة· وتقول ''فارهامج'' التي لديها اليوم إخوان وأبناء وحفدة ومنزل في كاليفورنيا، متحسرة: ''يعتقد أبنائي أنني فقدت عقلي''، مضيفة ''إنني قوية وصلبة ··· ولكنني حين جئت إلى هنا، كنت أبكي دائماً لأنني أفتقد الجميع وأشعر أنني مسجونة''·
جاءت ''فارهامج''، التي تنحدر من أسرة مرموقة وغنية من قندهار، إلى الولايات المتحدة مع وزجها الأول، وهو أحد أبناء عمومتها كان قد حصل على ''البطاقة الخضراء'' (الإقامة الدائمة)· عاشوا في حي كوينز النيويوركي حيث كان يعمل كمساعد طبيب بينما تسجلت في مدرسة لتعلم فنون التجميل· وكانا قد رزقا بأربعة أبناء قبل أن يفتحا محلاً لبيع البيتزا· وشيئاً فشيئا تمكنت من جلب معظم أفراد عائلتها للانضمام إليها في الولايات المتحدة·
وحين وافت المنية زوجها، انتقلت مع عائلتها للعيش في لاس فيجاس لعقد من الزمن، قبل أن تشد الرحال إلى كاليفورنيا رفقة زوجها الثاني، وهو أرمل كانت قد التقته لأول مرة بالفندق حيث كانت تعمل وتزوجته في حفل زفاف ارتدت خلاله الفستان الأفغاني الأخضر التقليدي· وبعد فشل زواجها الثاني، ونظراً لحاجتها للمال، أقنعتها إحدى وكالات التوظيف بالعودة إلى أفغانستان للعمل كمترجمة في الجيش إذ تقول: ''كان علي أن أدفع أقساط قرض منزلي، لهذا أتيت إلى هنا··· ولكنني بت أجد الأمر مثيراً للاهتمام، وقد أفعل ذلك من جديد لو طُلب مني''·
أيام المترجمين العسكريين قد تكون متنوعة على نحو يبعث على الذهول في أفغانستان· ففي أحد الأيام، يمكن أن يكون المترجم في اجتماع مع المجلس المحلي أو ·· وفي اليوم التالي في ساحة للتدرب على الرماية مع الجيش الوطني الأفغاني، أو مشاركاً في دورية مع إحدى وحدات القوات الخاصة في الجبال، أو أمام الكمبيوتر يترجم مواقع ''طالبان'' على الإنترنت· الشهر الماضي مثلاً أمضت ''فارهامج'' يوماً في مستشفى المخيم، ويوما آخر تلعب دور ضحية اغتصاب خلال مناورات تدريبية لفائدة الشرطة الأفغانية، ويوما آخر طارت عبر طائرة الهيلوكبتر إلى بلدة نائية لتوزيع ملابس شتوية على المعوزين هناك·
في الكثير من القواعد العسكرية، يخلق المترجمون العسكريون عالماً صغيراً خاصاً بهم، يتمحور حول الطبخ والأكل معا· فهم يستطيعون تناول الوجبات اليومية التي تقدم في القاعدة إلى جانب الجنود، ولكنهم يفضلون عادة طبخ أكلات أفغانية بواسطة مواد طرية وطازجة يجلبها إلى القاعدة المترجمون المحليون أو العمال اليوميون· غير أنه تحت هذه المظاهر التي توحي بأن الحياة عادية في القواعد، هناك أيضا شعور قوي بالإحباط وخيبة الأمل بالنسبة للمترجمين العسكريين، حيث يقول باراك، الذي نشأ في كابول قبل أن يأتي إلى أريزونا في سن الخامسة والعشرين كلاجئ سياسي: ''لقد كان والداي متحمسين وفرحين جدا عندما علما بأنني سآتي إلى هنا، ولكن كل شيء كان مخيبا للآمال ولا أريد أن أخبرهم أن الأمور محزنة· ذلك أننا تخلصنا من مجموعة من الأشرار لتحل محلهم مجموعة أشرار أخرى''، مضيفا ''أميركا تحاول، ولكن الفساد مستشر على نحو أسوأ من أي وقت مضى··· فمليارات الدولارات تتدفق على البلاد، ولكن زعماء الحرب في كابول يعيشون في منازل كبيرة وفخمة بينما الناس هناك مازالوا لا يتوفرون على التيار الكهربائي إلا في ساعات محدودة - والطرق تنهار في كل مكان لأن المقاولين المتعاقد معهم يسرقون المال· إنه تحد أكبر بكثير مما كانت تتوقعه أميركا!''
ويقـــول باراك أيضــا: ''إننــــا ننجز مشاريـــع صغيرة: نبني طريقــا هنا ومدرســـة هنـــاك، ولكــــن الناس العاديين يرون الفساد على أعلى المستويات ولا يحبوننا· وهذا يساعد طالبان على أن تتقوى من جديـــد''·

دانا هرمان - أفغانستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا