الاتحاد

تقارير

كيف ضاعفت سياسات واشنطن معاناة الفلسطينيين؟

كيف ضاعفت سياسات واشنطن معاناة الفلسطينيين؟

كيف ضاعفت سياسات واشنطن معاناة الفلسطينيين؟

يدفع حوالي مليون ونصف المليون فلسطيني من مواطني قطاع غزة غالياً ثمن انتخابهم للمرشح الخطأ، ويشعرون بمرارة وقسوة ذلك الدرس في كل يوم يمر على حياتهم· ففي عام 2006 انتخب الناخبون مرشحي حركة ''حماس''، بينما أرادت لهم واشنطن وإسرائيل التصويت لصالح مرشحي ''فتح'' الأكثر اعتدالاً·
ثم جاءت المقاطعة الاقتصادية على امتداد ثلاث سنوات، ليعاني خلالها المواطنون الأمرين من نقص حاد في السلع والمواد الغذائية وغيرها من الضروريات، إلى جانب تداعيات الانهيار الاقتصادي التام· وكنا قد تحدثنا إلى أصدقائنا القدامى في غزة يوم السبت الماضي، فعلمنا منهم -وجميعهم من مؤيدي منظمة ''فتح'' وليس حركة ''حماس- أن اليوم الحادي عشر على التوالي قد مر عليهم دون خدمات كهرباء ولا ماء ولا تدفئة منزلية· كما أفادونا أيضاً أنهم يلجأون إلى قبو المنزل ويتكدسون هناك على أمل حماية أطفالهم من عاصفة القنابل والتفجيرات التي ضربت المدينة وامتلأ بضحاياها مستشفى الشفا من القتلى والمصابين على حد سواء·
والحقيقة أن ضحايا العملية العسكرية الجارية في القطاع، الذين تجاوز عددهم حتى الآن 850 قتيلاً، مضافاً إليهم نحو 3 آلاف مصاب وجريح، لا يشكلون سوى جزء فحسب من ذلك الواقع المروع الذي وصفته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس ذات مرة بأنه ''آلام مخاض لميلاد شرق أوسطي جديد''· ولكن ما كان لهذه الآلام أن تبلغ كل هذا الحد من الفظاعة· وكان ممكناً لأطراف النزاع أن يتحاوروا بدلاً من أن يخوضوا في دماء القتال والعنف·
فمنذ انتخاب ''حماس''، لم تجر في فلسطين انتخابات عامة شبيهة، وربما ذلك بسبب خيبة سياسات كوندوليزا رايس ومستشاريها في وزارة الخارجية ممن كانوا يعتقدون أن في وسعهم دفع الناخبين الفلسطينيين إلى تأييد محمود عباس ومنظمته ''فتح''، بدلاً من تأييدهم لمتطرفي ''حماس''، الذين كانت تتنامى شعبيتهم، وفي الوقت نفسه كان هدف تلك السياسات غض الطرف عن توسيع إسرائيل لمستوطناتها ومصادرتها لأراضي الفلسطينيين، إضافة إلى الاستمرار في تجزئة أراضي الضفة الغربية وتحويلها إلى جيوب وكانتونات صغيرة معزولة عن بعضها البعض·
وفي إطار سعي الولايات المتحدة لتقوية نفوذ ''فتح'' أنشأت وكالة التنمية العالمية الأميركية عدداً من المشروعات التي هدفت منها إلى أن تعود بالمكاسب الاقتصادية والسياسية لـ''فتح'' قبيل الانتخابات، وما أن تسيطر الأخيرة على مقاليد الحكم، حتى توكل مهمة قيادة المليشيات التي كانت تتولى واشنطن تمويلها وبناءها إلى ''فتح''، بهدف الحد من نفوذ ''حماس''· وكانت ثقة كافة الأطراف المعنية بهذه الخطط كبيرة إلى حد لا يوصف· ولذلك فقد نقل عن كوندوليزا رايس أنها صدمت لدى سماعها نبأ فوز ''حماس'' بالانتخابات في تمام الساعة الخامسة من صباح ذلك اليوم· غير أنها لم تضع الوقت فتحركت بأسرع ما يمكن لإقناع ''الرباعية الدولية'' بضرورة مساندة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه واشنطن علي غزة· وقد جاءت نتائج تلك المساعي مختلطة مشوشة· غير أن المؤكد أن معاناة الفلسطينيين قد تضاعفت جراء الحصار والمقاطعة الاقتصادية المفروضة على القطاع· وكانت الفكرة هي أن من شأن تلك العقوبات التي قصد منها التضييق على حياة الفلسطينيين أن تثير غضبهم فيثوروا بدورهم على ''حماس''·
وفي الوقت نفسه وسع الفريق التابع للجيش الأميركي جهوده في بناء مليشيات فلسطينية، ولكن سرعـــان ما تحرك رجال تلك المليشيات نحو غنائمهم ومكاسبهم الخاصة، فشرعوا يمشطون شوارع مدينة غزة ويطالبون أصحاب الشركات والاستثمارات وحتى الأفراد العاديين بدفع رسوم الحماية الأمنية، بل أنشأ هؤلاء نقاط تفتيش خصصت لجمع وحصد الغنائم الشخصية، مما أدى إلى صدام مسلح أدى إلى سيطرة ''حماس'' على القطاع، وكان في ذلك ما أثار غضب واشنطن وحنقها على الحركة·
فعلى رغم أن هدنة الستة أشهر التي انقضت بين إسرائيل والحركة، أسفرت عن شبه توقف تام لإطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية المجاورة، فإن واشنطن أصرت على تشديد مقاطعتها الاقتصادية المفروضة على القطاع· وبذلك واصلت عقوبتها الجماعية المفروضة على 1,5 مليون فلسطيني· والغريب أن تعرب واشنطن عن صدمتها للجوء سكان القطاع لاستخدام الأنفاق السرية لتهريب الأغذية وغيرها من السلع الضرورية إلى داخل القطاع، بدلاً من الاستسلام للعقوبات التي فرضتها عليهم· فكيف كان سيتصرف الأميركيون فيما لو وضعوا في ذات الموقف الذي فرضته بلادهم على سكان القطاع؟ لكن ما الذي يتعين على واشنطن، أو بالأحرى إدارة أوباما فعله لتغيير موقفها؟ يمكن تعيين مبعوث خاص رفيع المستوى لمنطقة الشرق الأوسط، على أن يكون مقره في المنطقة نفسها وليس في واشنطن كما جرت العادة· كما يتعين أن يخول بما يلزمه من سلطات على بعثاتنا الدبلوماسية في كل من تل أبيب والقدس· وسواء كان هذا المبعوث امرأة أم رجلاً، فلا بد من أن يحظى بالدعم المباشر من الرئيس وبالحماس الرئاسي للدور الذي يضطلع به، حتى يتمكن من الوقوف في وجه الضغوط والتعقيدات التي تواجه مساعيه الرامية إلى التوصل إلى صفقة سلام شامل بين طرفي النزاع· فمن دون هذه الصلة المباشرة بالرئيس ودعمه لمهمته، لن يتسنى للمبعوث أن ينجز أياً من المهام التي كلف بها· وفوق ذلك لا بد من أن تكون للمبعوث سلطة على كافة المعاملات والاتصالات التي تتم بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وكذلك مع بقية الأطراف الأخرى· ويجب على المبعوث أن يرفع تقاريره مباشرة إلى الرئيس بالتعاون مع مستشار الأمن القومي ووزيرة الخارجية· وبفضل معاونيه الذين يتألفون من خيرة الخبراء الحكوميين، يجب أن يكون المبعوث هو الناطق الوحيد باسم الولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني· ومن أجل القيام بمهمته على أكمل وجه، يتعين تشجيعه على الانخراط مع جميع الأطراف بصرف النظر عن القيود المفروضة سابقاً على كافة القضايا· وبذلك يمكن للإدارة الجديدة إحداث تغيير جوهري في السياسات القائمة حالياً·

نورمان إتش· أولسن: عمل لمدة 26 عاماً في وزارة الخارجية الأميركية، يعمل حالياً منسقاً مشاركاً لبرامج مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية

ماثيو إن· أولسن: مدير منظمة إكسبلور كوربس
لنشر ثقافة السلام بين الشباب في غزة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا