الاتحاد

الملحق الثقافي

الهوية فيما بعد الحداثة

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

ترفض أطروحات النسوية فيما بعد الحداثة الحديث عن وجود هوية راسخة تنقل صوتا مفردا، وتتبنى بدلا عنها فكرة الهويات المتناقضة والمتنوعة لمقاومة الأفكار التي تؤكد وجود هوية راسخة وثابتة وصارمة·
وبإجمال فإن الذات فيما بعد الحداثة غير مستقرة وثابتة، وإنما تعيــد تشكيل نفسهــا بصــورة دائمة، فهي على النقيض من فكـــرة الطبيعـــة الإنسانيــة الرومانسيــة Human Nature التي أصبحت غير مقبولة فيما بعد البنيوية، لأنها غير موحدة ومتشابهة نظرا لاختلاف المجتمعات، وهذا ما جعل مفهوم الذات متغيرا من خطاب إلى آخر، وخاضعا للنظام الرمزي للغة التي يكتب فيها الفرد· والأدب ينتج بلا توقف ذواتا، ويجعلها معروضة للكل، واضحة للعيان، وبمعنى آخر فإننا نستطيع أن نقول بأن الأدب بصورة لا نهائية يحول الأفراد إلى ذوات، ويمنحها حضورا حقيقيا· والذات هنا ليست مقصورة على قرّاء الأدب، وإنما تشمل المؤلف وشخصياته، ولذلك فهي تقف باستمرار بوصفها نقيضا للموضوع والأشياء الثابتة، وهي ليست مركزا - كما يتصور النقاد الرومانسيون - وإنما مكان لحدوث الأشياء، لأنها مشيدة بواسطة الأنظمة العرفية، والهوية الشخصية تظهر من خلال خطاب الثقافة، لذلك فإنها ليست مستقلة وموحدة ومنسجمة وصافية، وإنما مشيدة عن طريق اللغة والأيدولوجيا، ومتقلّبة وواقعة في الظل· وهذا ما حدا برولان بارت في مقالة ''موت المؤلف'' إلى أن يشير بصورة ضمنية إلى موت الذات الفردية الثابتة المقدّمة بواسطة الرواية الواقعية والنقد التقليدي، فلا يمكن من وجهة نظر بارت أن تكون الذات مصدرا للخطاب والمعنى·
وعلى هذا الأساس فإن المؤلف يكتب من منطلق الصمت المغيّب لوجوده المحدد للدلالة، وهذا ما يمكن فهمه من مقالة بارت ''موت المؤلف'' الذي أعاد النظر بجذرية في الصمت المجازي الذي يعد رديفا لاندثار صوت المؤلف واختلاطه باقتباسات وثقافات لا نهائية، فالصمت قد يفهم لذلك بأنه حالة يتحقق فيها تجاوز المؤلف لنفسه، ومن ثم ينقذ الدلالة من أن تكون راسخة ومستقرة، وهذا قاد ميشيل فوكو في مقالته: ''ما المؤلف'' إلى أن يلتقط المستوى الأعمق من مقالة بارت، ويربط الكتابة بالموت، وهذا ما يتجلى باستمرار في النصوص الحديثة نثرا وشعرا، فالكتابة نفسها حالة من الصمت المتكلّم، أو الموت المولّد، أو كما يشير بارت إلى أن ''ولادة القارئ على حساب موت المؤلف'' وهو لذلك تواصل وتفاعل أكثر من كونه انقطاعا·
ولذلك فإن أطروحات مابعد الحداثة التي نصادفها عند سوزان سونتاج وإيهاب حسن الذي عزز وجهة نظر سونتاج القائلة في كتابها ضد التأويل ومقالات أخرى (1966) بأن القص في ما بعد الحداثة يهتم بتمزيق الهوية الراسخة للغة، واللجوء إلى الصمت والفراغات بدلا عن التعبير اللغوي النمطي، وقام حسن من هذا المنطلق بتعزيز منظورها في كتابه: ''الأدب والصمت'' (1968) و''تقطيع أوصال أورفيوس'' (1971)·

اقرأ أيضا