الاتحاد

دنيا

نيران صديقة طلقة إبداعية جديدة في الساحة الادبية


القاهرة - أحمد الجندي:
على مدى السنوات العشر الاخيرة لم يحظ عمل ادبي بالنجاح والشهرة والانتشار الذي حظيت به رواية 'عمارة يعقوبيان' للاديب الروائي د· علاء الاسواني الذي انسحب عليه نجاح روايته فحقق بدوره الشهرة واصبح اسمه مطروحا على الساحة كواحد من أهم الادباء العرب·
وظهر ذلك من خلال الترحيب به من الحضور الكبير للندوة التي اقيمت مؤخرا لمناقشة آخر اعماله الابداعية المجموعة القصصية 'نيران صديقة' التي ضمت عشر قصص قصيرة تنوعت مضامينها واختلفت اطروحاتها وتعددت شخوصها وابطالها لكن غلفها جميعا رداء انيق رقيق من المشاعر الانسانية في محاولة جادة وواضحة من الأديب للاحتفاء بالانسان وهمومه·
شارك في الندوة الناقد والمفكر د· جلال امين والناقد د· نصار عبدالله وادارها الكاتب اسامة عرابي الذي قال ان علاء الاسواني قدم واحدا من اهم الاعمال الابداعية التي صدرت مؤخرا وهي مجموعة 'نيران صديقة' وأهمية هذا العمل الابداعي في محتواه الرائع حيث يأخذنا الأسواني عبر حالات من المواقف والشخصيات والاحداث تتناغم جميعها رغم اختلاف المضامين وتعدد الوجهات والتحولات بها لنخلص في النهاية الى حالات رائعة من الشعور الانساني0 فالانسان هو البطل بكل هزائمه ومعاناته النفسية وافراحه وحضوره بكل بساطته وكبريائه وبكل قوته وضعفه·· وبكل تناقضاته واندفاعه احيانا واستسلامه في أحيان اخرى·
واضاف: ان معظم القصص التي حوتها مجموعة 'نيران صديقة' لا يغيب عنها الهم القومي والوطني فالابعاد السياسية والاجتماعية والثقافية تشكل خلفيات ظاهرة لكل الاحداث والشخصيات وهذا ليس مستبعدا من علاء الاسواني فهو ليس مجرد روائي وقاص بل هو سياسي من الطراز الاول وله مقالات في العديد من الصحف·
زرقاء اليمامة
وقال ان ·علاء الاسواني بسيط متواضع كأديب وكإنسان ولا يبالغ في تقديم نفسه لانه يعرف ان الدفاع عن النفس او تقديمها لا يكون بالشعارات ولا بالكلام وانما بالفعل الانساني وقد مارس الكتابة الصحفية منذ فترة طويلة وربما لا يعرف الكثيرون انه اخرج في سنوات سابقة مجلة صغيرة سماها 'زرقاء اليمامة' كانت تتعامل مع المستقبل وتنظر الى افاق بعيدة وناقش خلالها الديمقراطية كهدف انساني كما دافع عن الهوية العربية وعدم الاستسلام للتغريب·
وقال د· جلال امين: عندما يعجبني عمل ادبي ارحب بالحديث عنه اكثر من مرة ولا يصيبني الملل من تكرار مناقشته وقد حدث هذا في العديد من المرات مثل مناقشة رواية الاديب السوداني الكبير الطيب صالح 'موسم الهجرة الى الشمال' وايضا رواية 'باب الشمس' للاديب اللبناني الياس خوري ومؤخرا اشعر انني اصبحت متخصصا في مناقشة ابداع د· علاء الاسواني فقد ناقشت كثيرا روايته 'عمارة يعقوبيان' التي شكلت حدا فارقا في الادب العربي من خلال تناولها للتابوهات الثلاثة الجنس والدين والسياسة ومناقشة هذه التابوهات بجرأة بالغة بلا فلسفة او ابتذال فمثلا الجنس في الرواية صريح لكنه نظيف غير مسف وكذلك اعتمدت رؤيته السياسة على سلامة التحليل حيث ناقش العديد من الظواهر وحللها بشكل متطور وبسيط وعميق·
واضاف: مجموعة 'نيران صديقة' سبق ان تعرضت لها بالمناقشة والتحليل ولأنها عمل يستحق اكثر من طرح واكثر من مناقشة ارحب دائما بالحديث عنها·· فرغم ان القصص القصيرة لا يمكن ان تحدث الدوي والشهرة والصدى الذي تحدثه الرواية فان هناك حالات استثنائية مثل مجموعة 'أرخص ليالي' ليوسف ادريس التي صدرت عام 1955 واحدثت دويا هائلا في الساحة الادبية وقتها لان ادريس بدأ من خلال هذه المجموعة التدشين لمذهب الواقعية الاجتماعية· والاتجاه العام في المجتمع وقتها كان يتجنب التناول الطبقي خاصة وان ثورة يوليو كانت في سنواتها الاولى والوضع كان متاحا لاستقبال المواهب الجديدة وكان الاهتمام بالثقافة كبيرا·
واوضح ان 'نيران صديقة' حققت نجاحا كبيرا رغم ظهورها وسط حالة ومشهد ثقافي مريض تغلب عليه الشللية ولا يفرز مواهب حقيقية ولا يتيح الفرصة بشكل لائق امام الابداع الجاد ليفرض نفسه ويؤكد وجوده·· والسبب الرئيسي في رأيي لتفوق هذه المجموعة القصصية يرجع الى استمساكها بكل عناصر القصة القصيرة فهي مكثفة الحدث تجذب القارئ في اقل عدد من الجمل والكلمات وتثير التشويق للمتابعة والانتباه كما ان مضامين واطروحات هذه القصص بالغة الحساسية والصفاء والشفافية وهي نتاج حكاء جيد·
وقال ان الجديد عند علاء الاسواني بالنسبة للاتجاه السائد في القصة القصيرة هو الانسانية البالغة والاختلاف بينه وبين يوسف ادريس يكمن في ان اهتمام علاء بالمشكلة الاجتماعية كان اعمق واشمل حيث تناول مشكلة الانسان بكل ابعادها تجاه الموت والعجز والمرض والضعف والهزيمة النفسية فمثلا في قصة 'عزت امين اسكندر' نحن امام تلميذ عادي يشعر بالغربة الشديدة وسط زملائه· والمؤلف هنا وهو الراوي في ذات الوقت يملك 'دراجة' وكل حلم التلميذ المعاق هو ان يقود هذه الدراجة·· ويحقق حلمه ويصاب لكنه يفرح بانتصاره على العجز رغم اصابته· وفي قصة 'حصة الألعاب' يحكي علاء عن تلميذ سمين لا يتواءم مع حصص التربية البدنية ويتعرض لسخرية زملائه بسبب سمنته لكن هذا السمين يستطيع من خلال القوة الكامنة ان يتغلب على احباطاته النفسية ويهزمها· كما ان المأساة الانسانية تبلغ اقصى مدى لها في قصة 'اختي الحبيبة مكارم' فهي عبارة عن خطاب من أخ مهاجر في الخارج الى اخته في مصر يعتذر لها عن عدم قدرته على ارسال نقود طلبتها منه لتعالج أمهما المريضة· وفي نفس الخطاب الذي يعتذر فيه الاخ عن عدم ارسال المال يستفسر منها عن سير العمل في العمارة التي يشيدها·· وللقارئ ان يستنبط حجم المفارقة والمأساة في المشاعر الانسانية التي تحجرت ونلمح زاوية اخرى من هذه المشاعر من خلال قصة 'مدام زنافتش' وتحكي عن أب يأخذ ابنه اثناء زيارته لعشيقته اليونانية وعندما يكبر الطفل ويصبح رجلا يشاهد هذه العشيقة بالصدفة في أحد الاماكن العامة وقد ذهب جمالها وحسنها والقصة كما نرى تلخص الزمن وعلاقته بالانسان·
مناخ سيئ
وقال د· جلال أمين إنه رغم سوء المناخ الثقافي المح بوادر نهضة تتمثل في ظهور اعمال مبشرة في الادب والسينما والمسرح فأنا انتمي لجيل قتلته هزيمة 67 فبعد الامال التي علقناها على الثورة جاءت الهزيمة القاسية وجيلي لم يفق من الهزيمة حتى الآن والامال معقودة على جيل آخر لم يعش الثورة واحلامها والهزيمة وانكساراتها·
وقال د· نصار عبدالله ان عنوان هذه المجموعة 'نيران صديقة' يعبر عن نيران الكاتب نفسه التي يجلد بها القارئ بكل قسوة حتى يفيق على الحقيقة·· وهناك تأويل آخر وهو الشر داخل الانسان·· فهذه النيران داخل الانسان حتما ستقتله حتى ولو كانت صديقة·
وأضاف: ان ما يلفت النظر في هذه القصص البعد الرمزي والدلالات التي تعبر عنها الشخصيات واسماؤها ومواقعها فهو يكتب عن الخيال ·· لانه جزء من الواقع·· وهذا الوعي برؤية الواقع جعل امتزاجه بالخيال يشكل لوحة ابداعية راقية· وادلل على هذا بقصة 'أمين اسكندر' هذه الشخصية التي ستضاف الى شخصيات نمطية في الأدب العالمي مثل شخصيات تشيكوف·· فهذا الرجل المسيحي يروي عنه راو مسلم وهذه الكثافة في التداخل والمزج بين الإسلام والمسيحية تعطي دلالات كبيرة تؤكد المغزى الانساني في هذه القصة بصرف النظر عن اللون والدين والجنس والعرق فالانسان في كافة حالاته هو الانسان وهذا الاتجاه في معظم قصص علاء الأسواني هو السمة التي تميزها· وهو الاتجاه الجديد الذي يدشنه الكاتب ويعلو به على كل الاتجاهات الأخرى المتعارف عليها في القصة القصيرة مثل الاتجاه الواقعي أو الرمزي أو الفانتازيا·
وقال د· علاء الاسواني: لا اعتقد ان هناك كلمات يمكن ان تقال بعد كل ما سمعناه من اساتذتنا الكبار· لكني اريد فقط ان اوضح بعض الاشياء التي تتعلق بأمور اعتقادية لدي فأنا ارى ان الأدب ليس هو فقط القدرة على الكتابة التحليلية بل هو القدرة على الكتابة بشكل عام·· ولدينا خلط كبير خاص بالنقد الأدبي فهناك فرق بين تدريس الأدب ونقده فالتدريس جانب اكاديمي لكن النقد موهبة والناقد لا يحتاج الى الدراسة الاكاديمية بقدر ما يحتاج للموهبة لكن هذا الخلط جعل كل من يدرس الادب يصلح للنقد بل ينصب نفسه ناقدا لكل انواع الفن والآداب· رغم ان الناقد لابد ان يملك موهبة لا تقل عن موهبة المبدع نفسه واذا كان ناقدا موهوبا فهو قادر على انتاج ابداع مواز لابداع الكاتب أو الفنان·
وعن تجربته الابداعية قال: انها تستند الى التجربة الشخصية فعلا وحقا لكن لابد من اعمال الخيال·· فأنا اسعى الى اقناع القارئ بالشخصيات المتخيلة وعن عنوان 'نيران صديقة' قال: اخذت هذا التعبير من بيانات التحالف في حرب العراق·· واعجبني التعبير لوجود المفارقة في مفرداته فكيف تكون نيرانا وصديقة في الوقت ذاته؟!

اقرأ أيضا