الاتحاد

دنيا

الشاي الأخضر يقاوم الخليـة المتوحشـة


صلاح الحفناوي:
فجأة وبدون مقدمات منطقية أصبح محور اهتمام العلماء·· وتحول هذا السائل الأخضر الشفاف إلى صيدلية طبيعية كاملة، فهو يقلل احتمالات الإصابة بقائمة طويلة مخيفة من أنواع الأورام السرطانية، وهو يقاوم تأثير الكولسترول الخبيث في الدم ويحمي الشرايين ويحافظ على سلامة القلب، وهو يقي من كل متاعب الجهاز الهضمي·· حتى السكري الذي يصيب البالغين أو ما يعرف بسكري النط 2 يتراجع أمامه·· هل هذا معقول؟· الشاي الأخضر أصبحت حكايته حكاية·· والتجارب على الفئران والأرانب وعلى الخلايا الحية والميكروبات المزروعة تؤكد تأثير عناصره الفعالة على الكثير من مسببات المرض ومحفزات الشيخوخة· الشاي الذي كان حتى سنوات قليلة من المشروبات سيئة السمعة والذي كان يتصدر قائمة الممنوعات في الكثير من الحالات المرضية وفي مقدمتها الاضطرابات الهضمية والمتاعب القلبية تحول فجأة إلى شراب ساحر متعدد الفوائد·· كيف حدث ذلك؟·· الإجابة يقدمها الأستاذ الدكتور قيس أبو طه أخصائي الأمراض الباطنية وأمراض الغدد الصماء والسكري في أبوظبي·
يقول الدكتور قيس أبو طه: لا يكاد يمر يوم دون أن يطالعنا الباحثون بفوائد جديدة للشاي الأخضر·· والأخضر تحديدا·· ورغم أن الشاي الأخضر يستعمل كشراب منذ أقدم العصور في الشرق وخاصة في الصين فإن اهتمام الغرب به وكثرة الأبحاث عن مزاياه وفوائده الوقائية والعلاجية كشفت كثيرا من فوائد هذا النبات الذي أصبح يحتل مكان الصدارة في قائمة الأعشاب الطبية الطبيعية·
وربما كان البحث العلمي الذي اجري خلال العام 1994 في معهد السرطان في شنغهاي بالصين من الأبحاث المهمة التي لفتت النظر إلى هذا الشراب الساحر لأن هذا البحث اثبت أن الأفراد الذين كانوا يتناولون الشاي الأخضر بانتظام شديد لم يصابوا بأنواع كثيرة من السرطان مقارنة بالأشخاص الذين يعيشون نفس الظروف ولم يتناولوا مستحلب أو شراب الشاي الأخضر· وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها كانت من الدراسات المبكرة حول هذا الموضوع الذي لم يلفت انتباه أو اهتمام العلماء من قبل·· وأنها فتحت شهية الكثيرين من العلماء لإجراء المزيد من التجارب التي انتهت إلى نتائج متشابهة إلى حد كبير وهي أن تناول الشاي الأخضر بانتظام يقلل من معدلات واحتمالات الإصابة بسرطانات المريء والمعدة والمثانة والبنكرياس والمستقيم·· أي معظم أنواع السرطان التي تصيب الأجزاء المختلفة من الجهاز الهضمي· وهنا يثور سؤال مهم: ما سر هذا التأثير الغريب للشاي الأخضر على القابلية للإصابة بالأورام القاتلة؟·
مضادات الأكسدة
لقد وجد الباحثون أن الشاي يحتوي على مواد مضادة للأكسدة أو مضادة لما يعرف بالشوارد الاكسيجينة الحرة أو الذرات الاكسيجينية الأحادية·· والتي تسبب شيخوخة الخلايا وتساعد على أحداث تغييرات جينية خلوية تؤدي في النهاية إلى تحولات سرطانية· وجد الباحثون أن مادة بوليفينول ومادة كاتيشين التي تعطي الجسم حماية فائقة من السرطان والتي تعتبر من أهم المواد المضادة للأكسدة والتي كثر الحديث عنها خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي وحتى الآن متوفرة بكثرة في الشاي الأخضر·· وأن الشاي الأخضر يحتوي على أربعة مركبات من مادة بوليفينول بعضها موجود في الفواكه والخضار والشيكولاته·· وهو ما جعل العلماء ينصحون بالإكثار من تناول هذه الأطعمة·· والشاي الأخضر يتميز بمحتواه الكبير منها·· ويحتوي الشاي أيضا على مادة كاتيشين التي تحتوي على مركبات مهمة تعتبر من أقوى مضادات الأكسدة·
ومن بين الدراسات الكثيرة التي أجريت لمعرفة تأثير الشاي الواقي من السرطان نتوقف أمام الدراسة التي أجريت العام الماضي والتي أثبتت أن إعطاء فئران التجارب 6 بالمائة من مادة الشاي الأخضر أدى إلى انخفاض شديد في نسبة إصابتها بالسرطان وكذلك قللت من الأوعية الدموية التي تغذي السرطان عند حدوث الإصابة وهو ما جعل الإصابة السرطانية عندها اقل خطورة·
وفي دراسة أخرى·· وهي الدراسة التي تناولت موضوع الوقاية من سرطان البروستاتا ونشرت نتائجها الأولية في مجلة 'دراسات حديثة في المسالك البولية' في عدد مايو من العام الماضي 2004 والتي لم تكتمل بعد، وجد العلماء أن المواد الفعالة في الشاي الأخضر وفرت وقاية مهمة من سرطان البروستاتا وعلى الرغم من أن الدراسة لم تكتمل إلى أن النتائج كانت مشجعة إلى الحد الذي دفع القائمين عليها لنشر نتائجها الأولية·
ترويض الخلايا
يضيف الدكتور قيس أبو طه: هناك أيضا أبحاث أجريت في مايو كلينك بالولايات المتحدة الأميركية حول تأثير مضادات الأكسدة الموجود في الشاي الأخضر تحديدا انتهت إلى أن هذه المواد الفعالة توفر وقاية مهمة من السرطان وتحد من نشاط الخلايا السرطانية عند المرضى وهو ما يقلل انتشار المرض وبالتالي يساعد إلى حد كبير في السيطرة على المرض ويضاعف من الاستجابة العلاجية·· وأن هذا التأثير الوقائي شمل سرطانات الثدي والدم 'اللوكيميا'·· واعتمدت دراسة مايو كلينك على تعريض عينات من الخلايا السرطانية للدم للمواد المضادة للأكسدة المستخرجة من الشاي الأخضر داخل المختبر واكتشف الباحثون أن هذه الخلايا لم تسطع النمو أو الحياة في 8 من 10 من الحالات وهي نسبة عالية جدا·
والآن بدأ العلماء في المؤسسات التي تبحث في أمراض السرطان في إدخال مشتقات الشاي الأخضر كأحد الأدوية المساعدة المستخدمة في علاج الكثير من أنواع الأورام السرطانية·
يضيف الدكتور أبو طه أن دراسات العلماء حول تأثير العناصر المضادة للأكسدة في الشاي الأخضر لم تقتصر على الأورام السرطانية وإنما امتدت إلى الكثير من الأمراض الأخرى وخاصة تلك التي أصبح يطلق عليها وصف أمراض العصر مثل أمراض القلب والشرايين وارتفاع نسبة الكولسترول الخبيث أو الضار في الدم· وفي دراسة نشرت نتائجها في مجلة لانست العلمية المتخصصة ذكر الباحثون أن نسبة الكولسترول عند الأشخاص الذين يتناولون الشاي الأخضر بانتظام تكون منخفضة بشكل كبير مقارنة بغيرهم وهذا بدوره يؤدي إلى خفض احتمالات الإصابة بتصلب الشرايين بشكل عام وتضيق الشرايين التاجية المغذية لعضلة القلب بشكل خاص وكذلك الجلطات الشريانية والتي تؤدي إلى احتشاء عضلة القلب·· وأن نسبة تصلب الشرايين قد تراجعت عند إعطاء جرعات كبيرة من الشاي الأخضر بنسبة تصل إلى 60 بالمائة لأنه يقلل من نسبة الكولسترول المنخفض الكثافة وهو النوع الضار جدا في الدم·
ويعتقد الباحثون أن انخفاض حالات الجلطة القلبية وأمراض الشرايين التاجية وحتى جلطة المخ كانت نتيجة انخفاض ضغط الدم عند هؤلاء المرضى الذين يتناولون الشاي الأخضر بكثرة·
والسكري أيضا
وأخيرا وليس آخرا فقد وجد الباحثون في الدراسة التي نشرت نتائجها في مجلة الفارما كولجي وبالتحديد في عدد شهر أغسطس من العام 2004 أن المواد الكيمائية الحيوية المضادة للأكسدة في الشاي الأخضر مثل مادة كاتيشين وبوليفينول هي من أفضل المواد التي توفر وقاية مهمة من الإصابة بالسكري من النمط الثاني أو ما يعرف بالسكري غير المعتمد في علاجه على هرمون الأنسولين أو سكري البالغين·
أن الاهتمام بالشاي الأخضر علميا بدأ متأخرا حيث إن معظم الدراسات الحديثة المعتمدة كانت بعد العام 2000 ··ولكن في دول شرق آسيا وبالذات في الصين واليابان فقد عرفوا فوائده منذ قرون عديدة·
* ولكن لماذا الشاي الأخضر تحديدا·· وما الفرق بين الشاي الأخضر وبين الشاي الأسود أو البني؟·
ـ إن نبات الشاي المعروف الذي ينمو على شكل شجيرات صغيرة يسمى في علم النبات 'كاميليا سنسيس' ومن أوراق هذه الشجرة يأتي النوعين الأساسيين والمختلفين من الشاي·· الأول هو النوع البني الفاتح الذي يكثر استخدامه في معظم دول العالم ومن نفس أوراق هذه الشجرة يأتي النوع الثاني الذي هو الشاي الأخضر، وينتشر تناوله بشكل أساسي في المجتمعات الشرقية وخاصة في الصين واليابان·· والفرق الوحيد هو طريقة تصنيع أو تحضير الشاي بعد قطف الأوراق وهذا هو سبب اختلاف اللون·
فالشاي العادة المعروف لدينا ينتج عن تخمير الأوراق بعد قطفها ثم يتم تجفيفها وبالتالي يصبح لونها بنيا أو اسود بسبب عملية التخمر·
أما الشاي الأخضر فإن الأوراق بعد قطفها يتم طبخها على البخار الحار·· أي تخضع لما يعرف بعملية التبخير وبعد ذلك تجفف وبالتالي فإنها تحافظ على لونها الفاتح·· وهكذا يصبح لكل منها لونه الخاص ومزاياه الخاصة·

اقرأ أيضا