الاتحاد

الملحق الثقافي

عينان مغلقتان باتساع على السينما!

ستانلي كوبريك

ستانلي كوبريك

يحتاج المخرج السينمائي الراحل ستانلي كوبريك لسنوات طويلة قادمة من عمر السينما حتى يتم تفسير عوالمه الفنية وأساليبه الإخراجية، وحتى لو تعلق الأمر بحياته الخاصة الملأى بالغموض والأسرار، فإن العزلة الشاهقة التي أقام فيها طويلاً، جعلت هذا المخرج المبدع والإشكالي مادة خصبة للأقاويل والتكهنات والإشاعات المتضاربة·

ستانلي كوبريك صاحب الأفلام المفصلية في تاريخ السينما مثل ''أوديسا الفضاء''، و''البرتقالة الآلية''، و''باري ليندون'' و''البريق'' وغيرها من الأفلام الأثيرة والجانحة، هو صانع التوترات الفنية، وخالق الهزات الروحية والمعرفية من دون تنازل أو مهادنة، ولعل هذه الجرأة التي تسم معظم أعماله إنما هي جرأة شخصية وهاجس عارم يمس متطلبات العيش والهوى التي رافقت كوبريك خلال مسيرته الإخراجية والحياتية معاً، فهو صاحب نزعة لا تخضع ولا تهادن إذا تعلق الأمر بلذته القصوى في المكاشفة وهدم التابوهات والصراخ الكبير في وجه المزاج الروحي والأخلاقي الداكن لهذا العصر·
في متاهات السيرة الذاتية لهذا المخرج هناك حقل فائض من الإشارات والرموز والمغامرات الأسلوبية، المتوازية مع محطات لحياة متواترة بين الصعود والهبوط، وبين قفزات مغامرة وكبوات رهينة لشرطها المادى والرقابي والإقصائي، هي سيرة كأنها شريط سريع يمر بلا ضجيج، ولكن أثرها في المنجز السينمائي العالمي لا يمكن أن يخفي البصمة الروحية الحارقة لعرّاب السينما القلقة·
كوميديا وكوابيس
رأى ستانلي كوبريك النور في 26 يوليو من العام 1928 في حي برونكس الشهير بمدينة نيويورك، وفي سن الثالثة عشرة يصاب بشغف غريب لموسيقا الجاز والتصوير الفوتوغرافي، وفي السابعة عشرة يحصل على وظيفة في مجلة (لوك) كمصور فوتوغرافي وتتاح له الفرصة لزيارة معظم الولايات الأميركية، هذه الزيارات ساهمت في توسيع مداركه وإشباع فضوله ونهمه للمعرفة، ويسجل كطالب غير رسمي في جامعة كولومبيا·
بعد سنوات من المغامرات التجريبية في عالم التصوير أخرج كوبريك أول أفلامه وكان فيلماً وثائقياً حمل عنوان ''الملاحون'' بتفويض من شركة الملاحة الجوية وكان ذلك في العام ،1953 وفي العام نفسه جمع مبلغاً بسيطاً من أقربائه كي يحقق أول أفلامه الشخصية وهو فيلم ''خوف ورغبة''، أما فيلمه الثاني فحمل عنوان ''قبلة القاتل'' وحققه بالميزانية البسيطة ذاتها التي دعمت فيلمه الأول وساهمت في إنتاج مشاريعه الصغيرة والمبكرة·
في العام 1956 يرتبط كوبريك بعقد مع المنتج ''جيمس ب· هاريس'' ويذهبان معاً إلى هوليوود لإنتاج أول مشاريعه الجادة والمهمة وهو فيلم ''القتل'' المأخوذ من رواية بنفس الاسم وبميزانية وصلت إلى 320 ألف دولار مع مشاركة نخبة من نجوم هوليوود في ذلك الوقت· في العام 1959 يقرر الممثل الشهير كيرك دوجلاس إنتاج الفيلم الضخم ''سبارتكوس'' ويعرض مسودة المشروع على كوبريك الذي يوافق على هذه المغامرة السينمائية الكبرى، ويكون هذا الفيلم بمثابة بوابة الدخول لعالم الشهرة والتفات محكمي الجوائز في أكاديمية الأوسكار إلى هذا المخرج الشاب القادم بقوة إلى هوليوود· كان فيلم ''لوليتا'' هو المشروع الثاني الكبير الذي اقتحمه كوبريك وهو عن قصة شهيرة للكاتب فلاديمير نابوكوف، ولأسباب إدارية وقانونية ورقابية لم يتم إنتاج العمل في أميركا، مما اضطره إلى إنتاجه وتصويره في بريطانيا، التي انتقل إليها كوبريك في نهاية الستينات، ثم استقر بها بشكل نهائي، وستكون إنجلترا بعد ذلك هي موطن كل أفلامه القادمة·
وعندما يفتتن كوبريك بفكرة ''التوازن الهش للرعب'' التي أشاعتها أجواء الحرب الباردة، يوجه طاقاته الإبداعية للعمل على رواية ''إنذار أحمر'' وتحويرها إلى كوميديا كابوسية أطلق عليها اسم ''دكتور استرينج لوف''، هذا الفيلم فتح له مجالاً خصباً للترشيحات عن أفضل اقتباس سينمائي، وأفضل إخراج وإنتاج·
طقوس غامضة
وبعد نجاح هذا الفيلم، يكلّف كوبريك الكاتب والمؤلف ''سي كلارك'' المتخصص في كتابة قصص الخيال العلمي بكتابة سيناريو أصلي حول فكرة المواجهة البشرية مع المخلوقات الذكية في الفضاء الخارجي، وأصبح فيلم ''أوديسا الفضاء'' واحداً من أعظم الأفلام التي أنتجت في تاريخ السينما، بل أكثر من ذلك، أصبح الفيلم علامة ورمزاً لكل أفلام الخيال العلمي التي تبعته بعد ذلك·
كانت خطة كوبريك القادمة إنجاز فيلم عن حياة نابليون بونابرت، وبسبب التكاليف الباهظة لإنتاج هذه النوعية من الأفلام، مات الفيلم حتى قبل أن يولد على الورق· التقط بعدها كوبريك وبشغف رواية ''البرتقالة الآلية'' clockwork orange للكاتب أنتوني بيرجس وعالجها سينمائياً، هذا الفيلم بالذات اعتبر في أميركا متجاوزاً للتصنيف (إكس)، لما حواه من مشاهد إيروتيكية وعنف فائق، وعلى الرغم من ذلك حظي الفيلم باحتفاء نقدي واسع، وحصل على عدة ترشيحات للأوسكار لأفضل سيناريو وأفضل إخراج وإنتاج، وخلال هذه الفترة ولامتيازات النجاح المذهل الذي حققته أفلام كوبريك كانت المجلات والدوريات والكتب قد تناولت حياته الشخصية، والتي وصفت بأنها حياة مغلقة لمخرج كتوم وغامض، ونادراً ما يمكن التقاط أسراره وطقوسه الإخراجية، فهو غريب الأطوار ومستوحد ومنعزل، وبعيد عن صخب هوليوود، وكان كوبريك يسكن منزلاً كبيراً في إحدى الضواحي الهادئة خارج نطاق مدينة لندن مع زوجته الثالثة كريستيان هارلين وثلاث من بناته·
جرأة معرفية
ومن أفلام كوبريك التي لا يمكن أن تمحى من ذاكرة الفن السابع تبرز أفلام مثل ''باري ليندون'' و''سترة معدنية كاملة'' و''البريق'' و''عينان مغلقتان باتساع''، وهي أفلام تميزت بتنويعات في المواضيع والأساليب، وكأن كوبريك كان يمارس نوعاً من التحدي الذاتي لاقتحام مواضيع الحرب والرعب والخيال العلمي والأجواء النفسية وحتى الواقعية ولكن باجتراحات خاصة جداً، ومناخات ذاتية تعبر عن طموح واقتدار وجرأة معرفية لإعطاء كل فيلم حقه من البحث الجاد والترجمة البصرية الموغلة والمنتبهة لإمكانات التصوير السينمائي وخروقاته الفنية والإنسانية·
في مايو 1990 ينضم كوبريك للمخرجين الكبار أمثال: مارتين سكورسيزي، ووودي آلان، وفرانسيس فورد كوبولا، وروبرت ريدفورد، وسيدني بولاك، وسبيلبرج، وأخيراً جورج لوكاس، وذلك لإنشاء ما أطلق عليه: مجمع الأفلام أو نىٌٍ نَُِّلفُّىَُ، وهي مؤسسة هدفها تشجيع ومؤازرة العمليات القائمة على ترميم الأفلام القديمة وحفظها من التغيير والتلف والفقدان·
في 7 مارس 1999 رحل ستانلي كوبريك بعد إصابته بنوبه قلبية أثناء نومه، وكان في السبعين من عمره، أما آخر الأفلام التي حققها فحملت عنوان ''عينان مغلقتان باتساع'' مع النجمين نيكول كيدمان وتوم كروز، رحل كوبريك إذن إلى غموض آخر ومتجدد، وأغلق عينيه بإتساع كامل هذه المرة على الدهشة وعلى تأويلات السينما الجامحة والمخترقة لوهم الحياة وخلودها الهش والعابر·

اقرأ أيضا