الاتحاد

الملحق الثقافي

حسن شريف: معايير صارمة للانتماء إلى مجموعة الثمانية

حسن شريف أمام إحدى لوحاته

حسن شريف أمام إحدى لوحاته

واحد من رواد التشكيل الإماراتي عموما، لكنه بشكل خاص رائد الاشتغال على الفن المعاصر، الفن المفاهيمي والتركيبي، في الإمارات وفي منطقة الخليج كلها ربما، بدأ رسام كاريكاتير في الفترة ما بين 1970 و،1979 وكانت رسوماته آنذاك تعبيرا تهكميا عن هموم يومية محلية وعالمية، ثم كانت له نقلة نوعية نحو مفهوم وممارسة ما يسميه ''الفن المعاصر'' الذي يختلف ـ بالنسبة له ـ عن الفن الحديث أو الحداثي، حيث تنوعت تجربته ما بين اللوحة الكلاسيكية ''الجدارية'' وبين العمل التركيبي، وهو ما جعله محور مجموعة ''الخمسة'' التي تطورت إلى مجموعة ''الثمانية'' التي تتعدد مواصفاتها ومشاغلها، الأمر الذي يجعل الحوار مع حسن شريف يتركز على هذه التجربة المتعددة، ومن هنا كان هذا الحوار:

بداية نود لو نعرف الأسس النظرية والمفاهيم والمنطلقات التي قامت عليها تجربتكم المتنوعة، وكذلك ما تولد من هذه التجربة ضمن مجموعة الثمانية التي تعتبر أنت الأب الروحي لها
أولا لو نظرنا إلى الإنسان الأول ورسوماته على جدران الكهوف لوجدنا أنه كان يقاوم الاندثار بالرسم على جدران الكهوف، فطبيعة الفن هي دعوة لعدم الانفصال عن الواقع والمجتمع، وكل ما ينتجه الفنان هو وسيلة للتوصيل للمشاهد، لأن الفنان غير قادر على التواصل مع محيطه إلا عبر هذه اللغة، والعمل الفني هو نوع من التهكم والنقد غير المباشر· وبخصوص تجربتي فقد تابعت تجارب آخرين مثل جوزف كوزوف خصوصا عبر مقالته حول الفن والفلسفة التي كتبها في الستينات وأثرت في كثير من الفنانين، وهناك آخرون أثروا في وعيي وتجربتي مثل مارسيل دوشان، وفي العام 1984 بدأت اشتغل على ما تعرفت عليه أثناء دراستي من الفن المعاصر، وفي بداية تلك التجربة واجهت معارضة من كثيرين، ولكن كان هناك من التف حولي وأيدني وهم يشكلون اليوم ''مجموعة الثمانية''، فهؤلاء أحبوا أعمالي وشكلنا مجموعة حيث ننتج لوحات وأعمالا متنوعة، ولكل واحد منا شخصيته الفنية، ونحن لا نكتفي بالرسم، بل نتجاوز ذلك إلى التدريس والمحاضرات والندوات حول توجهنا·
فنان واقعي
لنتوقف عند تجربتك التي بلغت ثلاثين عاماً وأشكالا متعددة من التعبير، ما الذي يحكم هذه التجربة نظريا
أنا أعتبر نفسي فناناً واقعياً، ولا أقر ما يقال عن كوني مفاهيمياً، فقد مررت بالعديد من المدارس الفنية، وأعتبر أن مدرسة فرانكفورت واحدة من مرجعياتي، فهي كانت تستوعب هذا التعدد، وأعتبر أنه منذ ماغريت 1926 اختلف الكثير، فحين رسم الغليون وكتب تحته ''هذا ليس غليونا''، إذ تداخلت السوريالية والرمزية، ليس في الفن فقط بل في الفكر والموسيقا والأدب أيضا، ونحن الآن كمجموعة نحاول تطبيق مفاهيمنا من خلال الإنتاج والتنوع، وكل منا له شخصيته، وهنا أحب تشبيه المجموعة بشخصيات رواية ''رحلة إلى الشرق'' لهرمان هيسه، حيث كل شخصية لها أسلوبها في الرحيل، ونحن نختلف عن بعضنا في الأسلوب، فهدفنا جميعا هو إنتاج الفن المعاصر·
لنتوقف عند مفهوم الفن المعاصر الذي تتكرر في حديثك وكتاباتك، فهو مفهوم قد يكون فضفاضا إلى حد ما
المعاصرة بالنسبة لي هي التعددية أولا، التعددية في اختيار الأسلوب، فمنذ 1950 انتهت الحداثة بوصفها شجرة ذات جذور عميقة وفروع، المعاصرة تشبه نبتة تتوسع أفقيا، وأفكارنا ومفاهيمنا لها هذا الطابع الأفقي، حيث التعدد والتنوع، فنحن نعيش في فضاء أفقي، وذلك لأن الفن صار فلسفة ورؤية أكثر منه زينة، والفنان المفاهيمي يمتلك فلسفة خاصة·
لا أخاف التجديد
ذكرت الفن المفاهيمي، إلى أي حد تجد أن هذا الفهم ينطلق من تجربتك وواقعك، أم أنه نموذج مستورد من تجارب غربية
لا هو ليس مستورد، فكثيرون درسوا الفن في الغرب ولم يلفت انتباههم هذا النموذج، أنا أحضرت هذا الفن إلى الإمارات، ولست ممن يخافون من أخذ الجديد من الآخر، فهناك نزعة لاعتبار كل ما هو غير مفهوم كأنه ينتمي للغرب، مع أنه يمكن أن يكون محليا تماما، فما حدث أنني أعجبت بنمط معين من الفن فأخذت فلسفته وعدت لأعمل بها، لكنني تأثرت بكل المدارس وأحترمها جميعا، لكنني توقفت أمام الفن المفاهيمي وفن ''المينيمال'' الذي يعنى بالتقليل من قيمة الأشياء·
ولكن إلى أي حد استطعت ''تبيئة'' هذا الفن، وجعله يعبر عن بيئتك ومجتمعك وهويتك
أولا أنا أفرق تماما في التعامل مع التراث، فأنا لا أساوم بين التراث والمعاصرة، فأنا أحضرت معي من الغرب نمطا من الفن لم يكن موجودا، وهذه إضافة جديدة، وقد استطعت التأثير في المجتمع الذي لم يكن يعرف هذا الفن وكان يرفضه في البداية ثم بدأ يتقبله، وذلك من خلال الإنتاج الفني والتدريس والتنظير على مدى سنوات تزيد عن العشرين، والآن بدأ الناس يتفهمون تجربتي وتجارب مجموعتنا، فأنا لم أنقل تراثا أوروبيا أو غربيا، بل أنا أعتبر هذا نوعا من المحاكاة لما يجري في العالم دون خجل من هذا التفاعل مع أنماط الفن العالمي، وهذا لا يختلف عن جلب اللوحة التقليدية فهي غربية في الأساس، ولذلك لا يجوز أن نخجل من ذلك·
المسألة ليست الخجل بل هي كيف نوظف هذا الفن ونجعله يحمل هويتنا وهمومنا
أنا قلت إنني أفصل بين المعاصرة والتراث، ولست مع من يقولون بالبحث عن الأصالة والموروث، والمشكلة هنا هي أن من يديرون مؤسساتنا لا يريدون العمل الجديد والمعاصر، وهؤلاء يمكن أن أسميهم ''الارتجاعي المعاصر''، فهم يريدون التعامل مع أحدث منتجات التكنولوجيا ولكنهم يتعاملون معها استهلاكيا، ما يعني أن واقعنا مزيف، وما دام الفن محاكاة للواقع فيجب أن ننتج فنا مزيفا يحاكي الواقع المزيف، وهكذا نكون مزيفين·
وماذا عن طبيعة العلاقة بين ما تنتجه من أعمال وبين المجتمع
أنت تتحدث عن المعيار، وأنا أعود إلى ماغريت الذي أخرج الموضوع من اللوحة حين قال ''هذا ليس غليونا''، وهكذا يجب أن ننسى الموضوع ونقف أمام اللوحة كلوحة معاصرة، ونحدد المعيار، وهو ما يجعلنا في مجموعة الثمانية نضع معايير صارمة لقبول الفنانين الجدد، وبالعودة إلى رولان بارت في بحثه ''موت المؤلف'' أو ما قاله بنجامين حول الفن في زمن التكنولوجيا، فإن هذا يؤثر في رؤيتنا لعلاقة الفن بالمجتمع، فالفنان يمكن أن يأخذ من القديم ومن المجتمع، فهو يسعى إلى المختلف، وعلى المجتمع أن يتقبل الجديد· وأنا لدي أسلوب في عرض أعمالي بحيث يراها المشاهد ولكن لا يأخذها، ولكن الآن بدأوا يأخذون الأعمال·
هل هذا يعني بداية اقتناء أعمالكم المعاصرة والتركيبية تحديدا وكيف يمكن اقتناء أعمال تركيبية مثل هذه التي تنتجونها من أشياء يومية قد لا تجد قبولا مثل اللوحة التقليدية ''الجدارية''
هذه مسؤولية المؤسسات الثقافية التي يجب أن تقوم بالتشجيع على اقتناء الأعمال الفنية بكل أشكالها، ويجب أن تضع ميزانية لاقتناء أعمال الفنانين لنقول للعالم إننا مجتمع يحترم الفن، ففي أوروبا يقتني الأثرياء الأعمال الفنية بصرف النظر عن شكلها وأسلوبها، ونحن لدينا أثرياء لكنهم للأسف لا يملكون رؤية فنية وجمالية، بل غالبا ما يتسمون بالسذاجة ولا علاقة لهم بالفن المعاصر أو التقليدي حتى، ولهذا هناك معاناة للفنان الذي ينتج أعمالا معاصرة، بينما في أوروبا يمكن للشخص الثري أن يخصص في بيته غرفة لعمل فني من أعمال الفيديو آرت، وهناك ظاهرة اقتناء لكل الأعمال المفاهيمية والإنشائية من قبل الأفراد والمؤسسات الثقافية، ففي كل دول العالم هناك اهتمام كبير بالفن واقتناء الأعمال الفنية، وأذكر هنا كيف سعت هولندا إلى استعادة لوحة للفنان موندريان كان قد أنتجها أثناء إقامته في أميركا وتعاونت ثلاثة بنوك لدفع ثمن اللوحة واستعادتها (بثمن ظل سريا)·
وهنا أتحدث عن مشروع ''ذي فلاينغ هاوس'' كمكان للفن المعاصر·
كنت سأسألك عن هذا المشروع وما يمثله لكم من طموحات في مسيرتكم الفنية
من خلال هذا المشروع نحن خلقنا معيارا مهما للانتماء إلى مجموعتنا وتوسيعها، لأن هناك الكثيرين ممن يدعون المعاصرة وهم لا يعرفون شيئا عنها، وهناك من يخلطون بين المدارس المختلفة، فهناك من يعتبر نفسه واقعيا ولا يعرف ما هي الواقعية، فالواقعية كما بدأها كوربيه ليست تسجيلا كما يعتقد البعض، بل الواقعية هي مواجهة الواقع بكل ما فيه، وهي أن تعيش الفن، ونحن من خلال ''فلاينغ هاوس'' نرى أن من ينتمي لمجموعتنا هو المعاصر، ومن لا ينتمي فهو ليس معاصرا، ولذلك كان لا بد من الفصل بين التيارات، وقد كان بينالي 1993 نقلة نوعية في أدائنا، وقد أكدت سمو الشيخة حور القاسمي على ضرورة هذا التحول في عملنا بناء على رؤيتها لما يجري في العالم·
إشكالية المكان والزمان
دعني أسألك كيف تختار أنت موادك حين تعمل على عمل تركيبي من الأشياء اليومية أية فلسفة تحكم هذه الأعمال الفنية
المسألة في الأساس تتعلق بالمتلقي ومدى قدرته على استيعاب الجديد، فاستخدام المواد واختيارها يعتمد على رؤية الفنان وما يمتلك من أدوات، فهناك فنان يمكن أن يلتقط من الشارع لوحة خاصة به·
لنتوقف عند قدرة هذا العمل المعاصر والتركيبي تحديدا على التعبير عن الزمان والمكان
في الفن هناك الكثير من الفنانين الراحلين ما تزال أعمالهم خالدة مثل بيكاسو وبراك ممن رحلوا عن عالمنا ولكن أعمالهم ما تزال بيننا، وبالنسبة لي فثمة أعمال لا ترتبط بزمن معين، بل هي ابنة زمنها الذي أنتجت فيه، فنحن اليوم أبناء بيئة تتسع لتشمل العالم، ولم نعد أبناء الإمارات وحسب، ولذلك نجد عند محمد كاظم على سبيل المثال عملا بعنوان اتجاهات هو عبارة عن رسائل ملقاة في بحر العرب يلغي الحدود والمسافات، وعمل مثل هذا يمكن أن يبقى عن طريق تصويره فوتوغرافيا أو بالفيديو، وهذا لا يتطلب مهارة في التصوير، بل يمكن الاستعانة بمصور محترف لتصويره، وكذلك الحال بالنسبة إلى أعمال ''المينيمال'' حيث يرسم الفنان المخطط الذي يريده ويعطيه لمحترف يقوم بتنفيذ المخطط على الألمنيوم أو أي مادة أخرى، فالفن المعاصر فن جماعي تنجزه مجموعة وليس الفرد، فالسؤال هو كيف نواكب الزمن السريع·
لكنك ما زلت أنت والمجموعة ترسمون اللوحة التقليدية إلى جانب أعمالكم المفاهيمية
أنا أقول إنني أصنع لوحة، ولا أرسم، وأقول إنني أصنع ما أعرف وليس ما أرى، كما أنني أخرج الموضوع من اللوحة، وأقوم بما أسميه ''إعادة تشفير'' اللوحة، بحيث لا يمكن معرفة الموضوع، فاللوحة يجب أن تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين، ويجب أن نتصدى للطفيليين الذين يستسهلون الأمور ويدعون الانتماء إلى المعاصرة·
هل يمكن أن نرجع إلى بداياتك ونتساءل عن فنان الكاريكاتير حسن شريف، وأين اختفى
ما زالت أعمالي الكاريكاتيرية التي أنتجتها بين 1970 و1979 موجودة وأحتفظ بها، كنت أرسم نقدا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، في هذه الرسومات قدر من التهكم، وأنا أعتبر أن هذا التهكم انتقل إلى أعمالي الحديثة، وهذا نوع من الفلسفة الجديدة في فهم الفن ودوره، وبدلا من الوضوح في الكاريكاتير رأيت أن أبتعد عن الوضوح والمباشرة باتجاه التعبير عن الأشياء البدئية في الحضارة الإنسانية، وأسعى إلى اعتماد الإيقاع عبر التكرار في العمل·

اقرأ أيضا