الاتحاد

الملحق الثقافي

الكُتاب أكثر من القراء

ظهرت المجلات الثقافية المتخصصة في الأدب والفكر والنقد في مصر نهاية القرن التاسع عشر، ولعبت على مدى أجيال متعاقبة دورا مهما في تأسيس وتبني وبلورة التيارات والمدارس الفنية والفكرية الجديدة، ومع تواضع امكانياتها الطباعية وتوقف معظمها لأسباب تخص انعدام مصادر التمويل كانت في معظمها منابر مرموقة ومسموعة ومؤثرة لدعوات التحرر والاستنارة والتجديد والمغامرة في الفن، وكان لها الدور الأكبر في ترسيخ وتأسيس تيارات فنية كانت مستبعدة ومستغربة وهامشية ومنبوذة·

الأجيال الأدبية والفكرية التي ظهرت في القرن العشرين كانت لها مجلاتها التي تعبر عن رؤاها وافكارها المغايرة، بل كان مجرد ظهور مجلة ثقافية جديدة يعني ان تيارا أو حتى مدرسة جديدة تتبلور وتعلن عن نفسها، وخلال ذلك القرن تعاقبت على الساحة الثقافية المصرية مجلات ثقافية ذات وزن تعتبر حتى اليوم رايات خفاقة لافكار الحرية والاستنارة والتجديد، ومنها مجلة ''الرسالة'' التي أصدرها أحمد حسن الزيات ومجلة ''الكاتب المصري'' التي اصدرها طه حسين وخصصها للتعريف بمعالم الثقافة الغربية، ومنها مجلة ''التطور'' التي عبرت عن ليبرالية جيل الاربعينيات ومجلة ''جاليري ''68 التي اسست لجيل الستينيات، ثم مجلتا ''اضاءة ''77 و''الكتابة السوداء'' التي دشنت ما يسمى جيل السبعينيات أو الحداثة في مصر ثم اخيرا مجلة ''الجراد'' التي حملت البواكير الأولى لجيل التسعينيات في مصر·
لكن في السنوات العشر الأخيرة خفت صوت المجلة الثقافية كوسيلة نشر معتمدة لدى المبدعين والمثقفين المصريين عبر اجيال، وانحسر تأثيرها بينهم، ولم تعد وسيلة النشر المرغوبة أو المقترحة للأفكار والاجيال والتيارات الفنية الجديدة، ومعظم الادباء الشبان وجدوا في عالم الإنترنت سمات أرحب من مجلات فقيرة محدودة التوزيع والتأثير، وكل محاولات انتاج مجلة ثقافية جادة تتبنى الافكار والتيارات الجديدة في السنوات العشرين الاخيرة باءت بالفشل الذريع، ولعل ابرز مثالين على ذلك مجلة ''اضاءة ''77 التى فشل شعراء السبعينيات حلمي سالم وفريد ابوسعدة ومحمد سليمان وروعة سلام في اعادة اصدارها، ومجلة ''إبداع'' التي عادت بعد اختفاء خمس سنوات بمشكلة رقابية آلت بها وبرئيس تحريرها احمد عبدالمعطي حجازي إلى المنع والمصادرة· والمجلات الثقافية التي تصدر في مصر الآن قليلة ومحدودة التأثير والتوزيع وليس نكتة ان عدد كتاب بعض المجلات يزيد على عدد قرائها، والأهم انها تخففت من مغامرة التبشير بالافكار والتيارات الشابة الجديدة، وتمت تنحيتها نهائيا من طريق الشباب المبدع المتمرد الطامح للتجريب والتجديد والمغامرة· لماذا انحسر دور المجلات الثقافية أو اختفى من الساحة الثقافية المصرية؟ هل لأنها دخلت في منافسة غير متكافئة مع وسائل إعلامية كالإنترنت والفضائيات والصحف بملاحقها الثقافية التي تقوم بنفس الرسالة والدور؟ ام ان المجلة الثقافية بشكلها القديم المتوارث لم تعد مناسبة للافكار والرؤى الإبداعية الجديدة؟ ام ان الأمر يرجع لعوامل اكبر كالأمية والازمة الثقافية أو غياب المشروع الهدف والاتجاه والقضية·
دورية المعارف!
الكاتب الصحفي صلاح عيسى له تجربة معروفة وناجحة في تحويل مجلة ثقافية رصينة ومنغلقة على شؤون الأدب والفكر هي مجلة ''القاهرة'' التي كان يرأس تحريرها الناقد الراحل غالي شكري إلى مطبوعة اسبوعية سيارة ومتنوعة ومنفتحة على كل المعارف والتيارات هي جريدة ''القاهرة''، غير انه بدأ بملخص سريع لتاريخ المجلات الثقافية في مصر· وقال: الدوريات الثقافية في صدورها الاول، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، اخذت شكل دورية المعارف العامة، بمعنى تناول ومتابعة كافة اشكال الثقافة والمعرفة كمجلات ''الهلال'' و''المقتطف'' وغيرهما فقد كانت تشمل بجانب الادب علوم الاجتماع والطب والدين والسينما والفنون التشكيلية وغيرها· وقال ان المجلة الثقافية طوال تاريخها تعاني مشاكل التمويل والتوزيع لأن خطابها ولغتها وايضا همومها أعلى أو أعمق من اهتمامات القارئ العادي، وهي في الوقت الراهن تواجه منافسة شديدة من وسائل اعلامية تمتلك امكانيات كبيرة لا تقارن بامكانياتها المتواضعة وفي نفس الوقت تقدم نفس رسالتها كالصفحات والملاحق الثقافية التي تصدرها الصحف الكبرى والفضائيات الثقافية والإنترنت ولا سبيل امام المجلات الثقافية للاستمرار والسعي إلى ايصال رسالتها الثقافية إلا التطور في الشكل والمضمون، والتوجه إلى قارئ أوسع وهذا ما تم في ''جريدة القاهرة'' ويعني توسيع دائرة الاهتمام، وعدم الانغلاق على الادب والفكر، والاعتماد على لغة بسيطة دون ترخص ودون تضحية بالقيمة والعمق والاهتمام بالفكر السياسي والاجتماع وكل ما يدور ويطرأ على المجتمع واعتماد التنوع وقبول الآخر ولابد من التمرد على شكل ''المجلة الثقافية القديم'' الذي جعلها اشبه بالكتاب، وحصر قرائها في قراء الكتب وهذا حد كثيرا من انتشارها وتنوعها، فضلا عما يخص مهنة الصحافة من الاهتمام بالاخبار والمواضيع الحية واستخدام وسائل الجذب الصحفي المعروفة كالعناوين والصوروالرسوم·
أزمة ثقافية
الناقد سامي خشبة رئيس تحرير مجلة ''الثقافة الجديدة'' يرى ازمة المجلات الثقافية في مصر ضمن ازمة ثقافية عامة· وقال: مشكلة المجلات الثقافية الأهم أن تأثيرها محدود، سواء أكانت رسمية أم اهلية، حتى المجلات العريقة للغاية في مصر تأثيرها محدود، وهذا يرجع إلى مستوى التعليم ونوع ومستوى الانشغال بالقضايا المختلفة من منظور ثقافي في اجهزة اعلامنا الجماهيرية وأولها التليفزيون والاذاعة، فنوع التعليم في بلادنا تلقيني ينشغل بانتاج متعلم ولا ينشغل بانتاج عقل يسعى إلى تطوير معرفته وذوقه واكتشاف امكانيات الاستمتاع بالثقافة، اقصد الاستمتاع الترفيهي كقراءة الشعر والأدب والتفاعل الواعي مع منتج فني مسرحي أو موسيقي مثلا، كما ان تعليمنا خصوصا في البرامج والمواد المتعلقة بالذوق والوعي الانساني كالمواد اللغوية والتاريخية والفكرية كلها مرتبطة بقيم ماضوية بعيدة تماما عن فكرة الوعي المتطور والابداعات الفنية المختلفة·
واضاف: المادة الثقافية في برامجنا الاعلامية تتراوح بين حفظ معلومات لا علاقة لها بمستوى ونوع التفكير والتذوق وبين الوعظ والتلقين والارشاد الذي يكرر ويلقن كل المعاني التي ترددت في مواعظ وتلقينات مجتمعاتنا منذ ألوف السنين وفي ظل هذا المناخ وسط تعليم يلقن المحفوظات واعلام يعيد تلقينها لابد ان ينحسر أو حتى ينعدم دور المجلات الثقافية والثقافة بشكل عام·
ثقافة اللصوص
الشاعر أحمد طه له ايضا محاولة في تطوير مجلة ثقافية تقليدية رصينة ومحافظة، ولكنه بدلا من ان يحولها إلى جريدة سّيارة مثل صلاح عيسى نقل إليها مواد مجلة هامشية متمردة لدرجة الاباحية كان يشرف على تحريرها واصدارها وتوزيعها وهي مجلة ''الجراد'' وباءت محاولته بالفشل وسرعان ما أبعد عن ادارة تحرير مجلة ''القاهرة'' في معركة بالايدي تناولتها الصحف· وربما بسبب سخونة هذه التجربة جاء كلامه حادا ودخل مباشرة في الموضوع وقال: من السخف القول إن لدينا مجلات أدبية أو فكرية، لان الوزارة المعنية بهذا الامر ـ يقصد وزارة الثقافة ـ لا تمتلك القدرة على اصدار مثل تلك المجلات بل ان هذه الوزارة تحارب الابداع والثقافة، وقد شاهدت بنفسي كم الفساد الذي يملأ جنبات هذه الوزارة التي تعد ـ عكس ما يعتقد الكثيرون ـ من أغنى الوزارات في مصر لانها تتحكم في الآثار المصرية وفي الثروة الهائلة من المخطوطات التي لا مثيل لها في العالم، كما تتحكم في سوق الأفلام الأجنبية المستوردة بأجهزتها الرقابية بالاضافة إلى المعونات الغربية التي من المفترض تخصيصها لنشر الثقافة الانسانية المفتوحة·· وهذا يذكرني بالدكتور أحمد هيكل الذي كان يشكو لاصدقائه النقص الذي طال مرتبه بعد أن أصبح وزيرا للثقافة· واضاف: أما عن الجهود الأهلية، فهي لا تستطيع ضمن هذا المناخ الشمولي الذي يجتاح مصر ان يكون لها وجود·
د· فتحي عبدالفتاح، رئيس تحرير مجلة ''المحيط الثقافية''، اعترف بان المجلات الثقافية في مصر تعاني أزمة كبيرة· وقال ان تأثيرها محدود جدا، وان اكثرها رواجا ونجاحا لا يتجاوز توزيعه الألف نسخة، بما فيها المجلات الاسبوعية· وأرجع ذلك لاسباب عديدة أهمها واخطرها الامية الثقافية والتسطيح الاعلامي وسيادة مفاهيم وآليات المنع والمصادرة لأي فكر وابداع جديد ومختلف· غير ان د· عبدالفتاح اشاد بدور مجلته ''المحيط الثقافي''، وقال انها اكثر المجلات الثقافية توزيعا في مصر، وأن توزيعها بلغ 6000 نسخة وهو رقم قياسي لم تصل إليه اي مجلة ثقافية في العالم العربي! الروائي عزت القمحاوي، مدير تحرير ''أخبار الأدب''، وضع مشكلة المجلات الثقافية ومحدودية تأثيرها وانتشارها في رقبة صناعها انفسهم· وقال: معظم المجلات الثقافية التي تصدر في مصر الآن عبارة عن ''كشاكيل'' تجمع عددا من المقالات والقصص والاشعار وتفتقر لأبسط تقنيات الصحافة والنشر، ومعظمها لا يوجد مبرر واضح لمداومته على الصدور سوى نفوذ أو مكانة رئيس التحرير، وهناك مجلات غابت سنوات ثم ظهرت دون ان يشعر بها احد مثل مجلة ''ابداع'' التي يرأس تحريرها في غيابها وحضورها الشاعر الكبيراحمد عبدالمعطي حجازي·

اقرأ أيضا