الاتحاد

تقارير

فرنسا: ثلاثون عاماً على «مسيرة العرب ضد العنصرية»

مر ثلاثون عاماً على المسيرة إلى باريس التي شارك فيها شباب فرنسيون من أصل عربي جاءوا من المدن الكبيرة إلى مدينة النور للاحتجاج ضد العنصرية والتمييز. وأطلق على الحركة «مسيرة المساواة ومناهضة العنصرية» لكن أصبحت تعرف على نطاق واسع باسم «مسيرة الشباب العربي». فقد أدت تصرفات الشرطة ضد سكان في منطقة «فينزو »الفقيرة في مدينة «ليون» المترفة في صيف عام 1983 إلى تصاعد الأحداث لتصبح انتفاضة اجتماعية.
ففي عام 1981 انتخب الرئيس «ميتران» مدعوماً بأكثر البرامج تقدمية في التاريخ المعاصر. وعلق الليبراليون والمهاجرون من شمال أفريقيا آمالاً كبيرة عليه، لكن تبين أن آمالهم تتبدد سريعاً. فعندما احتشد عمال مصنع «رينو» المملوكة للدولة لصناعة السيارات ومعظمهم من أصل جزائري قلل رئيس الوزراء «بيير موروا» من شأنهم قائلاً إنهم مغرر بهم من الإسلاميين المتشددين. وكان الوقت ملائماً للتصاعد إما في صورة أعمال عنف من جيل كامل من الشباب الذين لم تترجم جنسيتهم الفرنسية الرسمية إلى اندماج اجتماعي حقيقي في الإسكان والعمل والتعليم أو في صورة تعبير سلمي عن عزلتهم. وبمساعدة من قس كاثوليكي وشبكة من المنظمات الشعبية بدأت المسيرة يوم 15 أكتوبر عام 1983 في اتباع لنهج غاندي ومارتن لوثر كينج.
وطالب المشاركون في المسيرة ببطاقة خضراء لمدة عشر سنوات، وبالحق في التصويت على المستوى المحلي للسكان الأجانب، لكن مطلبهم المحوري تمثل في الاعتراف الكامل بجنسيتهم بالتساوي في الفرص. فقد ألقت ذكريات حرب الجزائر وتركتها الثقيلة بظلالها على حياة آبائهم، ووجد الشبان أنفسهم يتعرضون لعقوبة مزدوجة، فهم يدفعون ثمناً للاندماج، وما استتبعه من إحساس بقطع الجذور عن أسلافهم الذين مازالوا مرتبطين ببلدهم الأم، وحتى هذه الكلفة لم توفر لهم الحد الأدنى من الحقوق المكفولة لهم باعتبارهم مواطنين فرنسيين بالميلاد. ورغم أن المسيرة تحركت من مارسيليا التي قتل فيها طفل في منطقة لسكنى المحرومين من الحقوق فقد سادها جو من البهجة والاعتزاز المدني. وفي الطريق إلى باريس، انضم إلى المسيرة آلاف الأشخاص من أبناء المهاجرين، وأيضاً من المتعاطفين من الفرنسيين الذين أزعجهم صعود «جين ماري لوبان» الشعبوي اليميني المتطرف الذي بدأ خطابه العنصري يلقى تأييداً.
وانتشر الاستياء بعد أن هوجم جزائري بوحشية وقتل في قطار دون تدخل من الركاب. وعندما بلغ المحتجون باريس في الثالث من ديسمبر، تحولت المسيرة التي بدأت بحفنة من الشباب العربي إلى موكب قوامه 100 ألف شخص. واستقبلهم ميتران في قصر الأليزيه ووعد بالاستجابة لمطالبهم. وكان الأمل يحدو المحتجين بأن العنصرية سيجري معالجتها على أعلى مستوى.
لكن بعد ذلك بعام نظمت ناشطة شابة تدعى «فريدة بلغول» مسيرة أخرى إلى باريس مطالبة بنفس المطالب وأعلنت بوضوح قلقها من أن الحركة المعارضة يتم احتواؤها من الحكومة الاشتراكية. فقد كان ميتران بالفعل يناور الجبهة الوطنية، حزب «لوبان»، حيث أعطاها مساحة سياسية ربما ليقسم تحالفات الجناح اليميني ويشل حركتها. وثبت صدق مخاوف «بلغول» عندما تم تدشين جماعة ممولة من الحكومة وتلقى رعايتها عشية المسيرة الثانية للشباب العربي. ومن المثير للانتباه أن رئيس الجماعة، «هارلم ديزير»، لم يكن من أصل عربي أو مسلم بل كان مقرباً من الأغلبية الحكومية. وجذبت الجماعة الرائدة انتباه الجمهور على الفور بشعارها «لا تلمس صديقي».
وتعهد معظم من اعتنقوا هذه العبارة المناهضة للعنصرية صادقين بالتخلص من التمييز ضد الفرنسيين الملونين. لكن خلف الستار استحوذت السياسة التقليدية على المبادرة الشعبية وعجز كثيرون من المشاركين الأصليين في المسيرات عن منع الخلافات الداخلية والانقسامات فتركوا الأمر ممتعضين.
والأهم من هذا أن ذكرى التحمس الديمقراطي لديهم لم يرثها أبناؤهم الذين يواجهون وضعاً يتزايد سوءاً دوماً بعد مرور ثلاثة عقود على المسيرة. وتشير بيانات في الآونة الأخيرة إلى أنه إذا كان احتمال تعرض المهاجرين للبطالة مثلي احتمال حدوث ذلك للفرنسي من أهل البلاد، فأبناء المهاجرين الذين ولدوا في فرنسا أكثر عرضة للبطالة من آبائهم. وبعد أن انكشف الغطاء عن المبادئ الجمهورية، يجد بعضهم سلوى في الإسلام المتشدد.
مر ثلاثون عاماً على مسيرة الشباب العربي وصورة فرنسا قاتمة. فقد جاء إلى السلطة رئيس اشتراكي آخر، أولاند، وسياسته في التقشف بالإضافة إلى عوامل أخرى تغذي التصاعد الكبير في معدل البطالة والتأييد الشعبي غير المسبوق لـ«الجبهة الوطنية» وأفكارها المتطرفة. وتشير استطلاعات رأي أجريت في الآونة الأخيرة إلى أن 70 في المئة من السكان يعتقدون أن هناك عدداً زائداً عن الحد من المهاجرين في فرنسا ومع تقلص الأموال المخصصة لشبكة الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة يقولون إن فوائد الرعاية يجب ألا تقدم إلا «للمستحقين». ولطالما كان لفرنسا «مشكلات» مع الهجرة لكن الأمر الآن يمثل أزمة ثقافية، وخطاب العار للجبهة الوطنية الذي بلغ ذروته يتخلل الطيف السياسي كله. فعلى خطى الرئيس السابق ساركوزي يسير وزير الداخلية الحالي مانويل فالز الذي يملأ خطبه بالاستعارات المؤيدة لسكان البلد الأصليين وبالإشارات لأولئك الذين لا يريدون الامتزاج في المجتمع. ووقعت وزيرة العدل كريستيان تاوبيرا وهي امرأة سوداء ضحية لأوصاف عنصرية بشعة مما يحرج البلاد كلها. فرنسا في حاجة إلى حركة للحقوق المدنية تمتد جذورها لمسيرة 1983. الأمر ملح بسبب الحاضر شديد الإلحاح.


سيلفي لوران
أستاذ مساعد في الدراسات الأميركية بمعهد الدراسات السياسية في باريس، وعضو في مركز «هتشينز» للأبحاث الأفريقية بجامعة هارفارد.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا