الاتحاد

دنيا

نــزار ســلام··غارق في بحر النجوم


حوار - عدنان عضيمة:
كان أثناء حديثنا معه عامراً بالحماسة والتعبير عن حبه لعالمه الخاص الذي يعيش فيه· يهوى التطلع إلى النجوم، وسبر أغوار السماء، وقال إنه ذات مرة فرح فرحاً شديداً عندما تمكن رصد كوكب زحل بوضوح· إسمه نزار حزام سلام ، عمره26 سنة ويعمل فني كمبيوتر في إدارة تقنية المعلومات التابعة للإدارة العامة للشرطة، ولكن هوايته الجديدة تشغل معظم أوقات فراغه وخاصة في الليالي حيث يرتحل بسيارته التي أطلق عليها إسم (المرصد الفلكي المتحرك)، إلى أعماق الصحراء حيث الظلام الدامس والهدوء والسكينة، وكلها من مقومات الرصد الفلكي الناجح·
التقيناه لنبش ما يخبئه في جعبته من مشاريع رصدية، وللكشف عن الدوافع التي تقف وراء تبنيه لهذه الهواية المعقدة، فكان بيننا هذا الحوار·
؟ هذه أول مرة نسمع فيها عن مرصد متحرك، فما الذي دفعك لتبني هذه الفكرة؟·
؟؟ المرصد الفلكي المتحرك مشروع شخصي لم أسمع به من قبل بل أنا صاحب فكرته· وهو يضم سيارة متحركة رباعية الدفع ومجهزة بالكامل لارتياد المناطق الوعرة وتصلح للرصد الفلكي الجاد كالجبال والصحارى والمناطق الوعرة عموماً· والسيارة من نوع جيب رانجلير· وبدأت بتنفيذ الفكرة سنة 2004 دون مساعدة وبإمكانياتي الذاتية حيث اشتريت سيارة الجيب وأجريت عليها التعديلات اللازمة· وكنت أمتلك عدة تلسكوبات منذ 1998 وكانت لدي هواية الرصد الفلكي منذ كنت طفلاً أتفرس بالنجوم وكنت أشتري مناظير بسيطة يتراوح سعرها بين 5 و20 درهماً·
وحبي الكبير للفلك جعلني أسعى للمتابعة الدائمة للظواهر الفلكي من أي مكان أكون فيه· ولذلك قررت أن أنقل مرصدي إلى السيارة حتى أكون جاهزاً دوماً لتسجيل الأحداث الفلكية· ولقد كلفني هذا المشروع مبلغاً كبيراً ولكنني سعيد جداً بهذا الإنجاز وأتوقع أن تبقى هذه هوايتي خلال عمري كله إلى جانب ولعي بالكومبيوتر· ومرصدي المتنقل متكامل يتضمن العديد من أنواع التلسكوبات وأجهزة التصوير (6 كاميرات) وأكسسوارات وفلاتر وتلفزيون وجهاز فيديو وتلفزيون، فهذا إذن مرصد جاهز يعمل بكهرباء السيارة·
نصائح للمبتدئين
؟ كيف كانت البداية؟
؟؟ لقد بدأت هواية الرصد الفلكي منذ 1998 ولكنني كنت أتابع الأهداف الفلكية بواسطة مناظير اليد البسيطة· ولذلك فأنا أنصح المبتدئين باستخدام المناظير البسيطة ذات قوة التكبير (10*50) و(20*60)، وهذه مصطلحات يفهمها بعض مستخدمي المناظير وبائعو التلسكوبات· ففي مثل هذه المناظير يمكن للراصد المبتدىء أن يراقب العديد من الأجرام السماوية مثل بعض عناقيد النجوم بأشكالها وبعض السدم والمجرات الرئيسية ذات السطوع العالي· ولكنني الآن استخدم التلسكوبات الفلكية الاحترافية بكل أنواعها وأحجامها، ذات المرايا العاكسة أو ذات العدسات المجمعة أو المختلطة التي تجمع القنيتين معاً·
ويستدرك نزار أمراً فيقول: وللأسف لا يمتلك معظم بائعي التلسكوبات في الإمارات معلومات كافية حول خصائص التلسكوبات أو طرق استخدامها· ومن هنا انطلقت فكرتي لإنشاء موقع فلكي متخصص بتقنيات وعلوم الرصد الفلكي الحديث على الإنترنت عنوانه (www.uaefalak.net) وهو الموقع الوحيد في الوطن العربي· وفي الدول المتقدمة يختلف الأمر حيث يكون بائع التلسكوبات في العادة خبيراً في تقنياتها وطرق استخدامها، ثم إن الأندية الفلكية النشيطة تعد بالعشرات أو المئات، وهي التي لا يوجد شيء منها في دولة الإمارات·
ويتطلب فهم هذه الآلات الإلمام الجيد بمبادىء علم البصريات مثل ظاهرة الانعكاس والانكسار والتشتت والتناثر الضوئي وخصائص المرايا والعدسات· وهي معلومات أولية ضرورية لفهم آلية عملية التلسكوبات ثم من أجل فهم وقراءة الصور الفلكية·
وإذا كان فهم أساسيات عمل التلسكوبات ضرورياً فإنه لا يكفي وحده بالنسبة للهاوي الذي ينبغي عليه التعرف على طريقة تحديد واختيار الأهداف الفلكية·
مفاتيح السماء
ويضيف نزار: ويتم ذلك بفهم الأبراج الفلكية constellations التي تسمى أحياناً (مفاتيح السماء)· لأنك عندما تحدد توزيع الأبراج في السماء بشكل دقيق، تستطيع تحديد مواقع الأجرام التي تبحث عنها· وتتعدد الأهداف الفلكية التي يمكن رصدها بالتلسكوبات المتوفرة مثل المجرات بأنواعها اللولبية والدائرية والإهليلجية، والسدم nebulae بأنواعها العاكسة والمظلمة، والنجوم بأنواعها وانفجاراتها، والكواكب والأقمار الطبيعية (والاصطناعية بما في ذلك محطة الفضاء الدولية)، والمذنبات والشهب·
وقد يكون الأهم والأصعب في عمليات الرصد هو رصد الأهداف المتحركة كالمذنبات والأقمار الاصطناعية· وسبب ذلك أنها تحتاج إلى خبرة وممارسة ويجب أن تكون العين مهيأة لفهم ما يجري في سماء المكان الذي توجد فيه·
؟ وكيف يعرف الراصد كيف يميز بين الكواكب والأقمار والنجوم؟:
؟؟ أولاً يجب معرفة طرق التفريق سطوع الكوكب وسطوع النجم، فالنجم يبدو بسطوع متغير بسبب تغير الخصائص الفيزيائية للغلاف الجوي وحركة التيارات الهوائية· ويكون ضوؤه على شكل وميض متقطع· أما الكوكب فيكون الضوء المنعكس عنه ذا شدة ثابتة· وننبه الهواة إلى ضرورة امتلاك القدرة على التفريق بين الكوكب والنجم والقمر الاصطناعي· فالقمر الاصطناعي يبدو متحركاً ببطء شديد مقارنة بموقع النجوم وذلك يعتمد على سرعة القمر الاصطناعي والتطبيقات المخصص لها، فأقمار تحديد الموقع GPS تبدو ثابتة ظاهرياً لأنها تدور حول الأرض بنفس سرعة دوران الأرض حول نفسها إلا أنها تكون متحركة بالمقارنة مع خلفية النجوم والأبراج الثابتة· وهناك أقمار اصطناعية مثل أقمار التجسس والرصد الجوي التي تكون سريعة جديداً وتبدو حركتها واضحة بمجرد مراقبتها لفترة بسيط· ومن المفضل رصد الأقمار الاصطناعية وقت الغروب والشروق لأن انعكاس ضوء الشمس عنها يكون شديداً· وهي توضع على ارتفاعات قليلة عادة ومن أشهر مداراتها (المدار الأرض الثابت) على ارتفاع 36500 كيلومتر·
ماذا نرصد، وبماذا؟
؟ ما أهم النصائح والتوجيهات التي تقدمها للهواة المبتدئين؟·
؟؟ على الهاوي أن يحدد هدفه من الرصد قبل شراء التلسكوب· فهل يهوى رصد الأجرام البعيدة، أم الكواكب، أم رصد التراكيب الأرضية ذاتها؟· فإذا كان يهوى رصد الكواكب فأفضل تلسكوب يبتدىء به هو من نوع التلسكوب الكاسر (ذو العدسة) ذات القطر الذي يتراوح بين 60 و150 ملم، أما إذا كان يرغب برصد الأجرام البعيدة والخافتة (ذات الضوء الضعيف) مثل المجرات والسدم والعناقيد النجمية فإن التلسكوب العاكس (ذو المرايا) هو الحل الأمثل على أن يتراوح قطر المرآة بين 6 بوصات و10 بوصات· أو أن يستخدم النوع (كاتيدي أوبتريك) الذي يمزج بين العدسات والمرايا ولكن سعره أغلى، وهو أفضل الخيارات بسبب صغر حجمه وسهولة استخدامه·
ويجب أن ننبه إلى ضرورة التفريق بين التلسكوبات التقليدية والرقمية· ويطلق على الرقمية منها (التلسكوبات الإلكترونية) أو (التلسكوبات المحوسبة) computerised telescopes الذي احتل مكان سابقتها حتى قيل إنها في بعض الدول جعلت الرصد الفلكي ينتشر في كل البيوت· فكيف نختار وماذا نختار؟·
إن التلسكوب الرقمي مناسب للمبتدئين بشرط أن يكون الهاوي على دراية كافية بآلية توجيهه وبرمجته مع معرفة بسيطة بأسماء النجوم ومواقعها (خارطة السماء) وهي مبرمجة فيه سلفاً· فالتلسكوب الرقمي يتطلب منك تحديد موقع نجم واحد على الأقل حتى يعمل بالشكل الصحيح· ويسألك الكومبيوتر في البداية عن تحديد موقع نجم لامع أو أنه هو ذاته يقوم بتحديد موقع أي نجم في السماء وواضح مثل الشعرة اليمانية مثلاً فيتوجه نحوها· ثم يطلب منك التأكد مما إذا كان النجم المختار يقع في مجال الرؤية· ويتضمن التلسكوب الرقمي digital الذاكرة الحاسوبية (رام) أو (ذاكرة إقرأ فقط) ووحدات الإدخال والإخراج والمعالج· ومن أنواعه (ميد) و(فيكسين) و(سيلسترون) و(أستروفيزيكس) وهو خاص بالمحترفين والعلماء والباحثين· وأنا مستعد لتقديم المشورة في هذا الصدد لمن يطلبها من الهواة بحكم الخبرة الطويلة التي أمتلكها في هذا الميدان وحتى تشيع الثقافة الفلكية بين الناس ريثما يتم إنشاء الأندية الفلكية·
فوائد الرصد
؟ ونسأل نزار عن أهم الفوائد التي يمكن للراصد الجاد أن يجنيها فيقول: إن هذه الهواية العلمية تقوي إيمان الراصد بالله من خلال ما يراه من معجزات الخلق وخصوصاً لأننا نعرف أن الخلق كله مسخر لعبادة الله· ومن الناحية التثقيفية يطور مدارك الشخص· وعندما ترى العين مثل هذه المجاهل الحقيقية عبر التلسكوب فإن الأمر يختلف عن رؤيتها في الصور· ويعلمنا الرصد أسلوب البحث والصبر لأن عليك أن تنتظر أشياء كثيرة للرصد كالكسوف والخسوف ولحظات الاقتران والانفجارات النجمية وأيضاً مواعيد شروق وغروب الكواكب والأقمار الأخرى· والأهم من ذلك أن الهاوي يكتسب الشعور بأنه يتفاعل مع الكون وأنه جزء منه·
تزاوج الكاميرة والتلسكوب
؟ وكيف يمكن تسجيل صور عمليات الرصد؟
؟؟ يمكن تصوير المشاهد الفلكية التي يراها الهاوي إما بواسطة كاميرة رقمية وهذا ما ننصح به أو الكاميرة الاعتيادية SLR من قياس 35 ملم· ويفضل أن تستخدم الكاميرة الرقمية ذات المجس الضوئي من طراز CCD. مع الملاحظة بأن تصوير الأهداف يعتمد على نوع الهدف، فالكواكب بسيطة في تصويرها والقمر أبسط، أما بالنسبة للسدم والمجرات فقد يتطلب تصويرها عدة ساعات والتقاط المئات من الصور· وننصح بتدوين ورسم كل ما يراه الهاوي وأن يحاول تحري الدقة حتى يقارن ما رآه اليوم مع ما رآه بالأمس أو غداً· وأن يكثر من البحث والسؤال حول تفسير الظواهر التي رآها وبهذا تتكون لديه بالتدريج خبرة الباحث·
أخطار
؟ هل يتعرض الراصد للأخطار أثناء مزاولة الهواية؟
؟؟ يجب أن يكون الراصد مهيأ من حيث الألبسة والتجهيزات وخاصة في فصل الشتاء لأن الرصد يتم عادة من قمم الجبال المعرضة للرياح والشمس فقد يتعرض لضربات الهواء أو الشمس، وهناك خطر أكبر لمن يجهل أصول وقواعد رصد الشمس تتعلق بالإبهار الشديد لضوئها الذي يسبب العمى المؤقت أو الدائم وخاصة في حالة الكسوف· فالأمر يتطلب خبرة لا بد منها خاصة وأن هناك العديد من أنواع المرشحات الضوئية المتخصصة· فهذه الهواية دقيقة وتحتاج إلى إدراك عال ودقة كبيرة·
أهم الأحداث
؟ هل تتابع الأحداث الفلكية المهمة؟
؟؟ أفتخر بأنني قمت بعملية رصد كاملة لظاهرة اقتراب المريخ من الأرض العام الماضي وهي الظاهرة التي لم تحصل قبل ذلك إلا منذ 155 سنة· وقمت برصد الظاهرة من حديقة نادي تراث الإمارات· ورصدنا عبور كوكب الزهرة من أمام الشمس في 8 يونيو الماضي إلى جانب العديد من الظواهر كالكسوف والخسوف·
مشاكل
؟ وهل تعرضت لمشاكل في هوايتك؟
ذات مرة اشتريت تلسكوباً من كندا من شركة متخصصة وهو أول تلسكوب أتعاقد على شرائه من الخارج وحدث أن الشركة استلمت الفلوس وماطلت في تسليم التلسكوب وتحججت بخطورة أحداث سبتمبر ثم اختلقت سلسلة من الأعذار آخرها أنهم أرسلوه ووصل إلى أبوظبي ولكن الجمارك أعاده إلى المصدر وكان كل ذلك كذب· واحتججت لدى السفارة الكندية ولكنني لم أستفد شيئاً وخسرت المبلغ الذي يقارب 3 آلاف درهم·

اقرأ أيضا