أشرف جمعة (أبوظبي)

الأطفال، هم الفرحة التي تملأ القلوب، البهجة التي نحسها من أرواحهم الطليقة وهي تظلل المكان، نحب ضعفهم وحاجتهم إلينا، لكننا نكره استغلالهم والعنف ضدهم، فحمايتهم من أهم متطلبات الحياة، لذا يجب أن يحظى الأطفال باهتمام بالغ وعناية فائقة، وقد جسدت الرؤية الحكيمة في الدولة آمال وطموحات كبيرة تتعلق بحماية الصغار وتربيتهم وفق بيئة حاضنة وجاذبة، ودائماً يتردد سؤال على ألسنة أفراد المجتمع: كيف نحمي أطفالنا من أخطار تحدق بهم كل وقت؟ .. خصوصاً أن رعاية الطفل والاهتمام به والابتعاد به عن المناخ العدائي داخل الأسرة وعدم استخدام العنف ضده في كل مكان، سواء داخل المدرسة أو في الشارع، أو بين محيطه الاجتماعي والإنساني، يستلزم وعياً كبيراً.
وأثبتت الكثير من الأسر أنها قادرة على التفاعل مع برامج التوعية واتخاذ أفضل الأساليب التربوية في التعامل مع أبنائها، وهو ما شكّل مساحات واسعة من الألفة العائلية التي من شأنها أن تشيع أجواء الفرح وتعزز ثقتهم بأنفسهم وتشاركهم فرحة الحياة دون اللجوء للعنف، والتعامل معهم من دون اللجوء لاستخدام السلطة الأبوية العنيفة، مما يرسخ لأهمية حماية الطفل والدفاع عن حقوقه والعمل من أجل أن يحيا حياة بعيدة عن الأذى.

هدوء وسكينة
تقول إيمان المزروعي - ربة منزل: منذ أن رزقنا بأطفال ونحن نضع أمام أعيننا أنا وزوجي ضرورة أن يكون هناك تفاهم أسري بشأن الأطفال، خصوصاً أن هذه الفئة التي تخطو أولى خطواتها على الأرض وترى الحياة من منطلق البيئة الحاضنة لها ليس لديها أية تجارب، وتعيش بحسب ما تتفق عليها الأسرة وتتواءم عليه من هدوء وسكينة ومودة ورحمة، لافتة إلى أنها اتفقت مع زوجها على حل المشكلات والخلافات الطارئة في غرفة منعزلة عن الأولاد حتى لا ينعكس ذلك بالسلب عليهم.
وأشارت إلى أنها لا تصرخ في وجههم ولا تنتقد تصرفاتهم بأسلوب فج، ودائماً تقدم لهم التوعية للتعامل مع الغرباء وتعزز في الوقت نفسه ثقتهم بأنفسهم، موضحة أن زوجها تفهم رغبتها في أن تعيش العائلة بأكملها في أجواء مريحة بعيداً عن التعصب والعنف وبأسلوب حضاري، بحيث يثمر ذلك عن تفاهم وتعاون في تربية هؤلاء وفق رغبة حقيقية للوصول إلى مرحلة من الألفة، وأكدت أنها ضحت بالوظيفة من أجل أن تتفرغ لرعاية الصغار في الوقت الحالي، حتى يشبوا على صفات حميدة في مجتمع يرعى بؤرتهم.

تجربة مفيدة
ويرى خالد البريكي - موظف، أنه يعيش في أجواء مختلفة تماماً منذ أن رزقه الله بطفل، حيث أصبح يوجه اهتمامه لرعايته، خصوصاً أنه كان يرى بعض الأصدقاء يستخدم سلطته بقوة وحزم مع أولاده، لكنه استفاد من هذه التجربة، خصوصاً أن هناك برامج توعوية كثيرة خضع إليها بالمصادفة قبل الزواج، وفي السنة الأولى التي رزق فيها بطفل ولم يكن يتخيل أن الصغار يحتاجون إلى تعامل خاص بحيث لا يتعرضون للعنف والقلق والخوف غير المبرر، وضع أمام عينيه مسؤولية جديدة تتمثل في أن يفكر في كيفية تأهيل طفله للتعامل مع محيطه الخارجي عندما يدخل المدرسة ويكون له رفاق وتتكون لديه مساحة من الحرية، مشيراً إلى أنه يجد أن كل الأجواء تصب في مصلحة أن يعيش الأطفال في صحة نفسية متميزة وهذا يدرأ عنهم الكراهية والتعرض للمشكلات الطارئة في البيت والشارع والمدرسة.

توعية ودعم
هناء سعيد أنها لم تكن تتصور أن الأطفال حين يكبرون سيحتاجون إلى رعاية أكبر واهتمام مستمر، خصوصاً أنها كانت تعتقد أنه كلما كبر الصغير قلّت مشاكله لأن عقله يكبر شيئاً فشيئاً، وتذكر أن لديها ثلاثة أطفال جميعهم التحقوا بالمدارس، وأنها تخصص وقتاً كل يوم للجلوس معهم والاستماع لكل ما يدور في حياتهم المدرسية ومع أصدقائهم خارج البيت، وأنها اكتشفت أن بعض الأولاد تعارك مع زميله أمام سور المدرسة، لكنها قدمت له النصح وأرشدته إلى أن يبتعد عن الأطفال الذين لديهم نوازع عنف وأنها مع كل مشكلة تقدم التوعية اللازمة.
ولفتت إلى أنها حذرت أطفالها بأن هناك مناطق في الجسم لا ينبغي لأحد أن يلمسها حفاظاً عليهم، وأن تشعر بسعادة غامرة لأن أطفالها يستجيبون لها ويتفاعلون مع وصاياها، خصوصاً أنها لم تتخذ الضرب وسيلة لعقابهم، وأنها دائماً تفتح معهم حواراً وتتفهم مشاكلهم وتشاركهم الحلول وتهذب شخصياتهم، في إطار الحفاظ على الطفل وقوته النفسية بعيداً عن حياة الاكتئاب والقلق والعصبية داخل البيت وخارجه.

أجواء هادئة
ومنذ انفصال عامر ومنى وهما يعيشان مرحلة جديدة من التفهم من أجل الحفاظ على طفليهما، خصوصاً أنهما اختارا أن يذهب كل واحد منهما إلى طريقه دون أن يؤثر ذلك في نفسية هذين الطفلين، ويوضح عامر سليمان أنه بعد عشر سنوات من الزواج انفصل عن زوجته لعدم التوافق الفكري فيما بينهما، لكنهما نحيا خلافاتهما جانباً من أجل ألا يتأثر الطفلان، خصوصاً أنه من النوع العصبي أحياناً، وأن حضانة الأم ستجعله يباشرهما وهو في حالة أفضل بحيث تتدفق أبوته نحوهما، ويشير إلى أنه ليس مع أي عنف يحدث ضد الأطفال، سواء لفظي، أو في صورة عقاب بالضرب، أو توجيه أي نوع من الإهانة.
وأضح أنه رغم الانفصال لكنه سيرعى هؤلاء الأطفال، وسيكون بجانبهما في المدرسة وفي أثناء ممارسة أنشطتهم الرياضية والترفيهية، حتى لا يكون الطلاق وسيلة لتعرضهم إلى أي أذى حتى لو بالمصادفة، مشيراً إلى أن حماية الطفل ضرورة قصوى في هذا الزمن، وأنه يسعى من أجل ذلك في ظل الأجواء الهادئة المتوفرة حالياً.

ثروة حقيقية
وتقول سمية إبراهيم - موظفة: أنها استقدمت خادمة للعمل في بيتها ومن أجل رعاية أطفال الأربع لكنها فوجئت أنهم يتعرضون للعقاب، وأنها تضربهم في غيابها وهو ما جعلها تتواصل مع المكتب الذي أحضرها وأن تطلب تغييرها على الفور، خصوصاً أنها تتعامل مع أولادها بمنتهى الحضارة وتعمل على تقديم أوجه الرعاية لهم مع زوجها أيضاً الذي يبث روحاً جميلة في المكان، مؤكدة أنها مع كل ما يضمن للطفل الحماية ويعزز ثقته بنفسه.
وترى أن الصغار الثروة الحقيقية وأنه ليس من المفيد أن يتم ترويعهم أو توجيه اللوم لهم بقسوة على أطفالهم وأن هذه الخادمة مثال سيئ لمعنى الإنسانية والخلق الكريم، ولفتت إلى أنها اتفقت مع أطفالها أن يخبروها بأي عنف يوجه إليهم في الشارع، وفي المدرسة، من الغرباء، وأن يتعاملوا مع المواقف بما نصحتهم به.

نصائح مستمرة
ويبين سالم محمود - موظف، أن الحياة قبل الزواج شيء وبعده شيء آخر، وأنه خلال ما كان يقرأه في الصحف ويطالعه عبر وسائل الإعلام الأخرى، تشكل لديه وعي بخطورة العنف ضد الأطفال، وأنه بعد تجربة 12 سنة زواج أصبح لديه وعي كامل بالتعامل مع هذه الفئة ومن ثم الاهتمام بها والعمل على حمايتها في الوقت نفسه، لافتاً إلى أن أكبر أولاده عمره عشر سنوات وأن هذا الطفل لديه وعي من خلال ما ترسخ في ذهنه من نصائح تقدمها له أمه، فضلاً عن نصائحي المستمرة، مشيراً إلى أن أهم ما يميز طبيعة هذه المرحلة أن عوامل الأمن والأمان متوافرة في كل مكان وأن العبء الأكبر يقع على الأسرة التي يجب أن ألا تكون هي مصدر العنف ضد الأطفال؛ لأن هذه الفئة لديها مصدر تعليم أولي وتثقيفي في الوقت نفسه، وأن صحة الطفل النفسية تنضج في هذا المحيط أولاً، وأنه ينبغي أن تكون هي مصدر ثقة الطفل واعتزازه بنفسه.

عزلة واكتئاب
تقول دعاء صفوت الاستشارية الأسرية : العنف الأكثر انتشاراً في الواقع هو العنف الأسري، إذ إن السائد اعتقاد البعض أن الخطر خارج المنزل على الصغار هو الأكبر، لذا تحاول أن تقدم لهم التوعية على الرغم من أنه في كثير من الأحيان تكون الأسرة هي أكثر عوامل العنف ضد الأطفال، وأنه ينبغي مثلما تتم توعية الطفل بالمخاطر الخارجية التي من الممكن أن يتعرض لها، فمن الأولى أن تتفهم الأسرة دورها، وألا تكون مصدراً لهذا العنف اللفظي أو العقاب عبر الضرب أو السخرية. وترى أنه عندما يتعرض الطفل للعنف، فإنه تظهر عليه بعض الأعراض مثل العزلة والاكتئاب والقلق والتوتر والشعور بالخوف، ومن ثم الابتعاد عن الأطفال، ومن ثم ضعف التحصيل الدراسي، خصوصاً إذا كان هناك عنف بسبب التنمر أو التأخر دراسياً، وتوضح أنه من الضروري أن تكون هناك توعية بشكل دائم على كل المستويات، خاصة أننا في مجتمع يرعى الطفل، ويقدم له الحماية الحقيقية التي تجنبه المخاطر بشكل دائم.

انعكاسات سلبية
يقول الدكتور محمد أبو الفرج صادق أستاذ علم النفس : «إن دولة الإمارات سنت قوانين لحماية الطفل، وقدمت نموذجاً راقياً للاهتمام بالطفل، ومن ثم حمايته من كل الأخطار، وبوجه عام، فإن العنف الذي يتعرض له الأطفال يأخذ أشكالاً عدة، فقد يتعرض له الصغار داخل البيت من خلال السلطة الأبوية المتعسفة أو في الشارع والمدرسة من الأقارب في أثناء الحروب والكوارث، وفي الظروف الطارئة المتمثلة في التحرش الخفي، ومن ثم السكوت عليه في أغلب الأحيان خشية الفضيحة».
ويشير إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر احتياجاً للحماية من قبل الأسرة والمدرسة والمجتمع، ولا بد من توفير كل الظروف من أجل تجنيبهم كل سوء، خصوصاً أن الانعكاسات السلبية يكون لها أثر كبير على صحتهم النفسية، وتتسبب في تعرضهم للعديد من الاضطرابات، والشعور بالخوف الزائد، وضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على التكيف مع المجتمع.
ويوضح أنه من ضمن الآثار السلبية للعنف ضد الأطفال أنهم قد يتملكهم العنف المستقبلي، فيكونون أشخاصاً عدوانيين أو العكس تماماً، فقد يصبح بعضهم ضعيف الشخصية وغير قادر على مواجهة المشكلات التي يتعرض لها بشكل دائم، وأنه من الضروري أن تكون هناك توعية على المستويات كافة من خلال قنوات عدة، تبدأ بتأهيل الأسر، خاصة الأزواج الجدد، بالإضافة إلى التوعية داخل المدرسة، ومن خلال وسائل الإعلام، وتوعية الطفل نفسه وتدريبه بوجه خاص على كيفية التعامل مع المتحرشين، ومن ثم الابتعاد عن الغرباء.