الاتحاد

الملحق الثقافي

الكتاب العربي في مثلث الإخفاقات

المؤلف والناشر والقارئ محور أزمة واحدة

المؤلف والناشر والقارئ محور أزمة واحدة

وخير جليس في الأنام كتاب'' ألا يزال القول صالحا في زمننا الضبابي هذا؟ قد لايختلف اثنان على أن الكتاب في أزمة، لعل أصعب تجلياتها يكمن في عدم الاهتداء الى توصيف دقيق ومحدد لها، ثمة مرتكزات ثلاثة تنهض فوقها صناعة المعرفة، هي: الناشر والمؤلف والقارئ، وثمة تقاذف صارخ لمسؤولية التداعي الذي تعانيه الثقافة مختزلة في الكتاب، حيث كل ضلع في مثلث الإخفاق ذاك يلقي باللائمة على قرينيه الآخرين، المؤلف يشير الى الناشر/ التاجر الذي أخفق في صياغة الاولويات، بحيث قدم المربح على المفيد، فيما أهل النشر يحملون الكتّاب مسؤولية الانصياع الى نداء الرواج، ولو عبر التخلي عن جوهر التوق الابداعي، وفي سياق الاختلاف لا يتورع الطرفان عن التوافق حول تصدير الأزمة نحو القارئ، بوصفه المصب الذي تلتقي عنده الروافد كلها·

مرة أخرى نحن أمام مقولة ''الجمهور عاوز كده''، التي روج تحت شعارها الملتبس لما لا يحد من الإسفاف والابتذال، فهل هو دفاع عن الشيطان أن نسأل ما اذا كان القارئ قد رفض المقترحات الابداعية القيمة؟ وهل هناك بالأصل مشروعية تبرر استخدام مصطلح القارئ الواحد، أم ان الأمر ينطوي على دوغمائية يحسن توظيفها في الاستثمار الريعي من جهة، وفي الانتشار الدعائي من جهة مقابلة؟ في هذا التحقيق مشروع قراءة في أزمة الكتاب، أو لعلها في كتاب الأزمة·

عبدالمجيد: تدهور شامل

يقول د· وحيد عبدالمجيد نائب رئيس هيئة الكتاب في مصر: إن الناشر والمؤلف والقارئ شركاء في أزمة الكتاب العربي، فالقارئ لا يقرأ، والناشر لا يشغله الا الربح، والمؤلف يعيد انتاج ما أنتجه ولا يقدم جديدا، وهذا لأن مستوى الكتابة والفكر بشكل عام في تراجع بالعالم العربي لما يشهده من تدهور على جميع المستويات· أما ظاهرة تحمل المؤلف تكاليف طباعة كتابه جزء من التدهور العام في سوق النشر، وأسبابها المباشرة ترجع الى ان العرض أكثر من الطلب، فما يُكتب في العالم العربي كثير جدا، بينما ما يطلب للقراءة قليل جدا، وهذا يرجع الى استسهال الكتابة، وقلة أو ندرة المتميز بين ما يكتب، والأهم أنه لا توجد سوق حقيقية تفرز الغث من السمين·
عبدالمجيد يرى ان الكتب الصفراء و كتب الجن والعفاريت ليست طاغية على سوق الكتاب المصري والعربي، وليست هي النمط السائد في سوق النشر، هناك كتب في مختلف المجالات، ولكن هناك انطباع عام بأن الكتب الصفراء سائدة وطاغية، لأنها توزع على الأرصفة مع الصحف، كما ان الاحساس بأن المستوى المتدهور للمعرفة والثقافة في العالم العربي الآن مناسب لرواج مثل هذه الكتب· لكن العراقيل الأساسية التي تحد من حركة الكتاب العربي وتسويقه تتمثل برأيه في صعوبة نقله بحرية بين الاقطار العربية، والتشدد في الرقابة على المطبوعات الخارجية· وكل الدول العربية لديها رقابة على المطبوعات الخارجية، وبعضها يبالغ، ثم إنه ليست هناك وسائل لتوزيع الكتاب سواء لدى القطاع الخاص أو العام، وبالتالي صعوبة وأحيانا استحالة نشره ونقله من قطر الى آخر·

رشاد: بدايات مبشرة

يعتبر محمد رشاد (الدار المصرية اللبنانية) أن صناعة النشر في العالم العربي مازالت في بداياتها، وأزماتها كثيرة وتتعلق بالناشر والمؤلف والقارئ، و''لا ينبغي أن نقارن صناعة النشر في العالم الغربي بمثيلتها في العالم العربي، ويجب ألا نقسو على أنفسنا، فهناك فارق زمني يبلغ أربعة قرون بيننا وبينهم، ورغم ذلك فقد وصل الكتاب العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر الى مختلف انحاء العالم، فقد كانت بدايات صناعة النشر العربي قوية ومبشرة بتقدم كبير، ولكن على غير المتوقع حدث تراجع في مرحلة الستينيات من القرن الماضي نظرا للظروف التي مرت بها مصر، وأسهمت فيها قصر رؤية واضعي ومنفذي السياسات عن ادراك الأهمية الاقتصادية والثقافية للكتاب، مما أدى الى تراكم كثير من المشكلات والمعوقات التي حدت من ازدهار صناعة النشر وتسببت في ازمتها الراهنة، ومنها عدم الاهتمام بتنمية عادة القراءة لدى الناس منذ الصغر، وازدياد ظاهرة الأمية التي تعتبر أهم معوقات صناعة النشر، ثم عزوف العربي عن القراءة، وتعاظم الأجهزة الرقابية وتشددها الذي يحد كثيرا من انتقال الكتاب وحركته، والارتفاع المستمر في الضرائب المفروضة على دور النشر وأسعار الدعاية والإعلان والورق والرسوم الجمركية وتكاليف الشحن، وتراجع إنشاء المكتبات العامة وقلة عددها مقارنة بعدد السكان، وضعف وتراجع الميزانيات المخصصة لشراء الكتب في المكتبات المدرسية والجامعية، وعدم مساهمة الناشر والمؤلف في الكتاب المدرسي''·

سليمان: غياب القارئ

يحيل حسني سليمان (دار شرقيات) أزمة الكتاب العربي إلى أزمة القارئ بالأساس، في ظل عدم تجاوز توزيع الكتاب الأدبي رقم الألف نسخة، ومع غياب القارئ عن الأعمال الأدبية بما فيها المؤثرة بل والعلامات في تواريخ الفنون كرواية ''البحث عن الزمن المفقود'' لمارسيل بروست التي طبعت منها ألف نسخة لم تنفد على مدى خمس سنوات، تصبح ظاهرة مساهمة المؤلف في تكاليف طباعة عمله طبيعية وضرورية أحيانا· ويرى سليمان ان وصف ''الإقطاع الثقافي'' الذي يطلقه البعض على الناشرين كبير ومبالغ فيه، وواقع الناشرين العرب الآن أبسط كثيرا، فالناشر من مصلحته ان يبيع والمؤلف من مصلحته ان يباع، والمشكلة الاساسية ان هذه العملية لا تتم، فلا الناشر يبيع ولا المؤلف يباع، وان تمت ففي أضيق الحدود·

البودي: الرائج مضمون

ترى فاطمة البودي (دار العين) أن أزمة الكتاب العربي هي أزمة قارئ، والمشكلة بالأساس هي أزمة توزيع، فالناشر الواعي المستنير موجود، وكذلك المؤلف أو المترجم، نعم هناك دور نشر لا يشغلها إلا الربح السريع، وتنتج كتبا مليئة بالأخطاء والتشوهات الفنية والطباعية، وهناك أيضا دور نشر كبرى عملاقة لا تعمل إلا على الرائج والمستقر ومضمون الربح والرواج، ولكن هناك دائما دور النشر المستنيرة الصغيرة والفقيرة غالبا، والتي تراهن على مغامرة الجديد والمغاير· وتعتبر معارض الكتب السنوية متنفسا للكتاب، ولكن عدم تنقل الكتاب العربي بحرية وسهولة بين الأقطار العربية أضعف صناعة الكتاب ووضع قيودا في سبيل رواجه وتسويقه·

هاشم: الناشر التاجر

يلخص محمد هاشم (دار ميريت) أزمة الكتاب العربي بأنها ثلاثية الأبعاد، الناشر حينما يتحول الى تاجر لا يشغله إلا الربح، فيروج لما هو مروج له أصلا من خرافة ودجل، ولا يغامر ابدا بمحاولة اكتشاف الجديد والمغاير وبالطبع المغمور، والقارئ حينما لا يقبل إلا على الكتب الصفراء والخرافة والتعصب الديني والمذهبي، ويخاصم كتب الإبداع الفني والفكري الجديد والمختلف، وهذا حال القارئ العربي الآن، والبعد الثالث هو المؤلف حينما يساير الموجة ويكتب ما كتب مبتعدا عن رغبة التجديد والمغامرة·
ويرى هاشم أن ظاهرة مساهمة المؤلف في تكاليف طباعة عمله ترجع مباشرة إلى السوق، أي كساد سوق الكتاب العربي خصوصا الأدبي، وعدم رواجه يضطر الناشر للتعاون مع المؤلف في تكاليف الكتاب·

أبوالمجد: أزمة ناشر بالأساس

محمد أبوالمجد (الهيئة المصرية لقصور الثقافة) يعتقد أن أزمة الكتاب العربي هي أزمة ناشر بالأساس، لأن الناشر هو صانع الكتاب والمتحكم في عملية انتاجه فنيا واقتصاديا وهو المتحكم في ترويجه· والناشر لديه امكانية تحريك ركود عملية النشر عن طريق المشاركة في المعارض، وتطوير آليات ووسائل النشر، واللجوء الى الطبعات الشعبية الرخيصة دون تفريط في الجودة الفنية·
أبوالمجد يرى ان الكتب الصفراء والجن والعفاريت موجودة ولكنها ليست طاغية، وإقبال الناشرين عليها يرجع لإقبال القراء عليها وابتعادهم عن الاعمال العلمية والفكرية الجادة· أما الاعاقة التي تمثلها القوانين والانظمة الرسمية فتأثيرها رقابي، يحد من حرية الابداع، لكنه محدود وغير مؤثر وفي انحسار مستمر في ظل رفع الرقابة على الكتب في مصر·
وبالنسبة الى معارض الكتب في شتى العواصم العربية، فهي تعد متنفسا مهما للكتاب وللتبادل الثقافي والمعرفي بشكل عام، برأي محدثنا، كما ان مواسم القراءة أو اقتناء الكتب صارت مرتبطة بمواعيد معرض الكتاب في أي عاصمة عربية، ولكن مازالت معارض الكتب محدودة في العالم العربي·

شبارو: الأزمة في التسويق

بشار شبارو (أمين عام اتحاد الناشرين العرب ـ الدار العربية للعلوم) يجزم أن أحوال الكتاب الآخذة في التردي على علاقة قوية بالأزمة التي تتخبط بها الأمة· مظاهر الأزمة ذلك التناقض الكبير بين ما هو رائج بأن العرب أمة تقرأ، والراهن المستجد الذي يعزز حضور الوجبات السريعة، تلك التي لا تسمن ولا تغني·
ويضيف: ''حيال أزمة الكتاب يجدر بنا عدم التنصل من لب المشكلة التي يتشارك المسؤولية فيها كل من الناشر والمؤلف والقارئ· هؤلاء مسؤولون عن تراجع عدد النسخات قيد الطبع مقارنة بعدد سكان الناطقين باللغة العربية· وكما هو معلوم فإن طبع كميات قليلة من المؤلفات ستكون تبعاته ارتفاع الثمن، الأمر الذي ينعكس سلبا على السعر للمستهلك· بفعل الأزمة اتجه العديد من الدور الى تسويق كتب تحمل عناوين جذابة، بغض النظر عن المضمون ودقة الإعداد والمصداقية· وهناك من لجأ الى الكتاب المترجم، ريثما تنجلي الضبابية التي تفاقم من عدد الخارجين عن نهج القراءة''· أما الحديث عن إقطاع ثقافي، فذلك، برأي شبارو، أمر منافٍ للحقيقة· ''الناشر انسان يعمل في التجارة ويخضع لقانون الربح والخسارة· أحياناً تثمر كتبه ومراراً تصاب السوق المستهلكة بالجفاف· حيال هذا لا بد من الاعتراف بأن الدول العربية مستهلكة وليست منتجة للورق والأحبار وأدوات الطباعة، كل ذلك يصاعد من الكلفة التي تقع على كاهل المؤلف والناشر والقارئ''·

صلاح: أمة تقرأ مما لا تكتب

وفقا لعز الدين صلاح (دار الهادي، لبنان) فإن الحديث عن أزمة الكتاب العربي يأخذنا الى مقولة شهيرة لجبران: ''ويل لأمة تأكل مما لا تزرع''· ويضيف: ''نحن في عالمنا العربي نقرأ مما لا نكتب، مع العلم بأن القراءة بأشكالها عادة مفيدة لكنها تصبح هدامة حين تحصر اهتماماتها بالخارج الذي لا يشبهنا ولا يحاكي مشكلاتنا· بدا السكوت على الظاهرة المرعبة كمن يبل يده في الجريمة·
لذلك خرقنا الصمت بناقوس خطر استدعى تنظيم مؤتمرات ولجان تنسيق عن أزمة النشر، بالتعاون مع جامعة الدول العربية ورعاية الأمين العام عمرو موسى· وضعنا نصب أعيننا مهمة بناء ثقافة هادفة في مواجهة النزعات الهدامة· يحثنا على الفعل أننا يوماً ما سيوجه السؤال الينا عما قدمناه للأجيال من بعدنا: هل تصدينا لشأن يعتبر رسالة أكثر منه تجارة؟ وهل شهدنا زوراً على الثقافة؟''·
الوجع الحقيقي في الحديث عن أزمة الكتاب يتمثل، وفقا لصلاح، بما يورده تقرير الأمم المتحدة: ''لا يتعدى اهتمام الانسان العربي بالقراءة خلال عام أكثر من نصف ساعة· في المقابل يقرأ الفرد في الغرب ما معدله عشرين يوماً بالسنة''· يحثنا التقرير على أن نكون أكثر مسؤولية في التعاطي مع شؤون النشر· وبخلاف السائد فإننا نغري الكاتب الذي نثق بكتابته لإنتاج المزيد من المؤلفات التي تليق بإدراجها في المكتبة العربية· نتولى طباعتها وتسويقها والترويج لها''·

دالي: التنوع ضروري

دينا دالي (دار الساقي) ترى أنه لا يوجد فعلياً أزمة بين المؤلف والناشر والقارئ، بل هي أزمة يمكن ربطها بعاملين اثنين هما: عدم وجود دعم من الحكومات العربية للكتاب، بإلغاء ما يسمى بالرقابة على المطبوعات في وزارات الاعلام، بالاضافة الى غياب شركات التوزيع التي تهتم وتعنى بالكتاب من حيث الإعلان والدعاية والتسويق· تلك الأزمة يمكن، برأي دالي، تجاوزها بالعمل الدؤوب من اتحادات الناشرين في العالم العربي للرقابة على نوعية وجودة المطبوعات، وعدم إعطاء ترخيص بإنشاء أي دار نشر لاتيملك المواصفات المطلوبة·
وبتطبيق قانون الملكية الفكرية، وللأسف في العالم العربي، يضطر الناشر أن يطلب من المؤلف مساعدته ودعمه المادي لإصدار كتابه، لكي يقوم الناشر بتوزيعه وتسويقه والدعاية له ومحاربة تزويره·

الجعيد: الرقابة والمصادرة

محمد الجعيد (دار رياض الريس، لبنان) يوضح أن الدار التي يمثلها تصدر ما بين 30 إلى 50 كتاباً في السنة· تتصدر العناوين قائمة موزعة بين السياسة والتاريخ والأدب والسيرة· أما الشعر فإنه يأتي في آخر الاهتمامات·
معاناة النشر في الدار العريقة تشبه، وفقا لجعيد، ما تواجهه الدور اللبنانية عموماً· فالدعم غائب برغم كون الكتاب رسالة· أما المؤلف الذي يحسب أن كتابه سيفجر قنبلة الموسم، تراه يحكي عن غبن يطاله، متغاضياً عن تكاليف المخرج والمدقق وجيش من العاملين في الدار·
جعيد يقول إنه برغم الأحوال الصعبة، تبقى الآمال معلقة على معرض بيروت العربي الدولي للكتاب· برأيي أن هذا المعرض مثمر لجهة التبادل الثقافي والمردود والنشاطات التي تنظم على هامشه· أما السوق العربي فأحواله في تراجع بفعل قيود الرقابة والمصادرة والتكلفة المرتفعة للشحن·

الأحمدي: غياب المؤسسية

الناشر السعودي عبدالرحيم مطلق الأحمدي صاحب دار ''المفردات'' ينتقد غياب المؤسسية في عملية النشر الخليجي قائلاً: ''يعتبر النشر والتوزيع عاملين أساسيين في الحركة الثقافية لأنهما القناة التي تنقل عن المثقفين إبداعهم، وتبثه بين الناس· وتنشط هذه العملية بالتناغم بين أطرافها (المبدع، المنتج، المتلقي) ويعتلي قمة هذه الأطراف طرف هام هو الراعي وبخاصة في دول مجلس التعاون التي لم تتسق فيها هذه العملية على الشكل الذي يجب أن تكون عليه، فمازال الراعي يرجع إليه لدعم عملية نشر الكتاب وإنقاذ تعثرها، بينما المفروض أن تكون المؤسسية هي المشرّعة والمخططة لهذا النشاط وغيره، وعليها تقع تبعاته، ولكن هذه الدول لما تزل في انطلاقتها نحو مستقبل زاهر وفي تقدم مستمر وسيتحقق لها الوصول إلى مرحلة اعتماد مؤسساتها على توجيه المسؤولين فيها واستجابة المستفيدين لتوجهاتها·''

اقرأ أيضا