الاتحاد

دنيا

المركز الوطني للتأهيل يعالج الإدمان من الألف إلى الياء

الدكتور أحمد علي يقوم بالعلاج النفسي لأحد المدمنين

الدكتور أحمد علي يقوم بالعلاج النفسي لأحد المدمنين

في مرحلة الاستكشاف أو لأي سبب من الأسباب، ربما يلجأ الفرد إلى تعاطي مواد مخدرة كالكحول والمخدرات، لكنه يفقد السيطرة على نفسه فيقع في حفرة الإدمان، تلك الآفة الخبيثة التي تصيب البعض لتعبث بأفكارهم وعقولهم وتهدد الأسر والمجتمع برمته· والإدمان مرض صحي واجتماعي متعدد الجوانب والآثار، وهو متواجد في الإمارات كما هو موجود في كافة أنحاء العالم، غير أن الإجراءات التي تتخذها الدولة في هذا الصدد كفيلة بالحدّ من الآفة والتقليل من مخاطرها قدر الإمكان·
ويعتبر المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي واحداً من الصروح التي شيدت للعناية بالأفراد، وانتشالهم من هاوية المخدرات والإدمان، حيث تم إنشاؤه خصيصا للعناية بالمدمنين وإعادة تأهيلهم ودمجهم في الحياة والمجتمع بصورة طبيعية، من خلال فريق طبي متكامل، يتكون من أخصائيين نفسيين واجتماعيين، وممرضين، وفريق للبحوث والتواصل الإعلامي مع المجتمع الخارجي· وقد قام المركز خلال السنوات الماضية بعلاج أكثر من 300 مدمن، تعاقبت إقامتهم على المركز، فضلا عن الحالات التي تم تحويلها من المراكز الصحية الأخرى، والحالات الخفيفة التي لا تستدعي الإقامة·
حول الإدمان، والدور الذي يقوم به المركز الوطني للتأهيل، تحدث الدكتور أحمد يوسف، المدير الطبي للمركز، وهو استشاري نفسي يتولى إدارة شؤون العلاج والتأهيل للمدمنين، بقوله إن الفريق العامل في المركز يتكون من قسمين أساسيين، هما: قسم العلاج وقسم التأهيل، اللذان يعملان بشكل متعاقب يكمل أحده الآخر، فبعد أن يصل المريض للمركز سواء المرضى الطوعيين الذين تقدموا من أنفسهم، أو الذين تحولوا من المنشآت الإصلاحية والعقابية، يتم عمل تقييم أولي لهم، ثم يتم عمل تقييم متكامل من قبل الفريق الطبي، الأخصائي النفسي السريري، الأخصائي الاجتماعي والممرض المسؤول، ليقوم كل منهم بتغطية الجوانب المتعلقة بتخصصه· هذا ويتم فحص المريض سريريا في البداية، لمتابعة وملاحظة كافة الأضرار الصحية التي أصابت جسده جراء الإدمان، فإذا كان المريض مدمن كحول، يتركز الهدف الأساسي للفريق الطبي على التأكد من عدم وجود الأعراض الانسحابية لديه، كالتشنجات أو نوبات الصرع التي تلحق به نتيجة التوقف عن التعاطي، بالإضافة إلى الأمراض المزمنة كأمراض الكبد والتهاب الكبد الوبائي، مع التركيز على الأمراض الفيروسية، وذلك لوصف بعض العقاقير الطبية المناسبة·
أما من الناحية النفسية، يضيف علي، فهنالك مجموعة من الأخصائيين النفسيين يتمثل دورهم في تقييم المريض خلال الأسبوع الأول لإقامته في المركز، التي تمتد إلى نحو 90 يوما، ثم يبدأ العلاج من الإدمان· وقد يستدعي الأمر في البداية وضع المريض تحت المراقبة ''الملاحظة''، ثم يتم التقييم باستخدام أساليب علمية تشمل قياسات نفسية لتوفير التشخيص، على أساسها تطبق أنواع العلاجات النفسية حسب حالة كل مريض، كالعلاج السلوكي المعرفي أو كيفية تلافي الانتكاسة·
والعلاج من الإدمان يستغرق مدة طويلة، وقد يلزم الأمر سنوات في معظم حالات الإدمان· ويؤكد الدكتور علي أهمية التركيز على الأضرار النفسية المصاحبة أو الناتجة عنه، كالقلق، والاكتئاب، والتي تؤدي للإصابة بأمراض نفسية كبرى كحالات الذهان، أي انفصام الشخصية وثنائي القطبية·
ويمتد علاج المدمن ليشمل تقييمه من الناحية الاجتماعية، حيث يقوم فريق الاخصائيين الاجتماعيين بالعمل خارج حدود المركز بالالتقاء مع أسرة المريض، والبحث في شؤون عمله، وبيئته المحيطة، ووضعه الاقتصادي والاجتماعي، واحتياجاته العامة، للعمل على إعادة اندماجه في المجتمع· في حين تركز الجوانب التمريضية على العناية الطبية بالمريض، حيث يوجد في المركز مختبر خاص مستقل بذاته، تجري فيه عمليات فحص عينات الدم والبول لدى المرضى بشكل دوري كل ثلاثة أيام، وإعطاء المرضى ما يحتاجونه من أدوية وعقاقير·
ويشير الدكتور علي، إلى أن أسباب الإدمان عديدة، وأهمها الذي يبدأ بسبب حب الاستكشاف أو في سن الاكتشاف وهو سن المراهقة، لكن من الثابت أن رفاق السوء عامل مهم جدا في الأمر إلى جانب العامل الوراثي الذي يمهد لذلك· فضلا عن توفر المادة المخدرة في البيئة، وكذلك قوة المادة في التسبب بالإدمان، مثل السجائر ''النيكوتين'' وهي أقوى مادة إدمان·
مرض مزمن
إلى ذلك، يقول الدكتور هشام فاروق العربي، رئيس قسم التثقيف الصحي والبحوث في المركز، إن التعامل مع مرض الإدمان أمر معقد ويتطلب وقتاً، كونه مرضاً مزمناً كمرض السكري على سبيل المثال، لكن هنالك نظام حياة متكاملا نعطيه للمتعاطي أو المدمن، إلى جانب الرعاية اللاحقة· مشددا على أهمية مشاركة الأسرة والمجتمع أيضا في الأخذ بيد المريض، ''فنحن نعمل مع الزوجات والأمهات وأفراد الأسرة بشكل عام لمساعدة المدمن وهذا جزء مهم من العلاج، وقد لوحظ أن المرضى الذين لديهم دعم أسري قوي لديهم فرص أعلى للنجاح''·
ويشير الدكتور هشام، إلى وجود عوامل ضامنة للفرد من الإدمان، منها الارتباط الأسري، فضلا عن الجانب الديني الذي يحتل أهمية كبيرة جدا في الحماية من الإدمان، فالدين سلاح قوي، والمهارة تكمن في كيفية استخدامه، وقد أظهرت دراسة علمية أجريت في الدنمارك لاختبار تأثير العامل الوراثي على الإدمان، حيث تم فصل توائم لأمهات مدمنات، وتم تربية فرد من التوأم في بيئة دينية، والآخر في ظروف غير دينية، فكانت النتيجة أن 40% ممن نشأوا في ظروف غير دينية قد أصبحوا مدمنين، مقابل صفر بالمئة للأشخاص الذين نشأوا في بيئة متدينة، وهذا يدلل على أهمية العامل الديني في تخفيض نسبة الإدمان·
ويتابع، إن الوقاية من الإدمان من أهم الأمور التي نعمل على إيجادها، بمعنى خفض الطلب على مواد الإدمان· وثمة برامج يتم تطبيقها في المدارس، كمهارات حياتية لتنمية إدارة الغضب، والتواصل الاجتماعي، وبرامج تختص بالمهارات وبالمعلومات عن المخدرات، وبرامج خاصة بالتكوين الانفعالي، فإذا تكاملت هذه البرامج يكون الطالب محصنا ضد المواد المخدرة، أو الانخراط في السلوكيات الخطرة· لافتا إلى أن منع التدخين في الأماكن العامة قرار جيد يقلل من إيجابية النظرة المجتمعية للمدخن تدريجيا، كما أن زوال الوصمة والحرج الاجتماعي تقوي الرغبة لدى المدمن في الشفاء من الإدمان·

دور الأسرة
يتمثل دور الأسرة في توفير القدوة الصالحة والنموذج الطيب للأبناء بالامتناع عن تعاطي أي من المواد المخدرة وعدم التدخين أمامهم أيضا· ولا بد للأهل، وخاصة الأم، أن تعرف مكان تواجد الأبناء والبنات طيلة الوقت ولا يعني هذا المتابعة بالكاميرا ولكن الدراية والتأكد من حقيقة تواجدهم في أماكن لهو بريئة·
فضلا عن الاهتمام بالجانب الديني وإبرازه وتحبيب الأبناء فيه، فالثابت أن المنتظمين في حضور الصلوات في المسجد أو أنشطة المدارس الثقافية والرياضية تقل فرص تعاطيهم للمخدرات· مع مراعاة أهمية الجلوس معا على الأقل مرة في اليوم لتناول وجبة مما يمنح الأبوين فرصة التعرف على هوايات واهتمامات الابناء وكذلك ملاحظة علامات التعاطي كرائحة السجائر والكحول· إلى جانب وضع قواعد سلوك منزلية مقبولة وتوضيح غير المقبول من أنواع السلوك ومن ثم التأكد من تطبيقها بصورة عادلة ومنتظمة· وإبداء الاهتمام بهوايات الأبناء والتأكد من ارتيادهم لأنشطة رياضية ثقافية يمكن قضاء وقت الفراغ فيها ومشاركتهم فيها كلما أمكن· ومتابعة تحصيلهم الدراسي، والتعرف على أصدقائهم وخلفياتهم الأسرية والتواصل معهم إن أمكن·


منزل منتصف الطريق

بما أن الإدمان يؤدي إلى أضرار مادية واقتصادية للمدمن فقد وفر مركز التأهيل خدمة ''منزل منتصف الطريق'' بالتعاون مع مؤسسة الإمارات، وهو منزل يقيم فيه المرضى الذين أثر الإدمان على أوضاعهم الاقتصادية والمالية بشكل مؤقت، خلال مرحلة بحثهم عن العمل لحين الحصول على وظيفة وسكن، واستقرار وضعهم المادي·

آثار اجتماعية

ذكرت إحصائيات دراسة أجراها مركز بحوث شرطة الشارقة أن قضايا المخدرات المضبوطة بدولة الإمارات قد تضاعفت بنسبة ،5 135% خلال 5 سنوات، بين عامى 1998 و·2002 وقالت الدراسة إن مواطني الدولة شكلوا أكبر نسبة من المتهمين فى هذه القضايا خلال الفترة المذكورة حيث بلغت نسبتهم 44%، فيما شكلت الفئة العمرية من 21 الى 30 سنة 46% من إجمالى المتهمين· موضحة أن أسباب هذه الزيادة فى جرائم المخدرات تعود لتعدد الجنسيات والانفتاح على العالم الخارجى، إلى جانب الطفرة الاقتصادية التي حدثت فى الدولة والتي ولدت الكثير من الآثار الاجتماعية المغايرة لقيم المجتمع وعاداته·

جهة مستقلة

يعتبر المركز جهة حكومية مستقلة، ولديه تنسيق مهم مع العديد من الجهات الحكومية الأخرى كالجهات الطبية والمستشفيات، ووزارة العمل، التي تساهم في توظيف المتعافين من الإدمان، وقد ساهم برنامج ''توطين'' في توظيف العديد من الأفراد الذين تخرجوا من المركز، حيث كانت أغلب الحالات تعاني من إدمان الكحول، وهي نسبة أكثر من متعاطي المخدرات في الإمارات، وكانت أغلب الحالات من الفئة الممتدة بين 30 و40 عاما· هذا ويتم تقديم الخدمات العلاجية الصحية والنفسية بصورة مجانية·
خطط للتوسعة
- تبلغ طاقة المركز الاستيعابية 28 سريرا، وتمتد إقامة المدمن إلى 90 يوما، هذا ويقدم المركز للمرضى المدمنين برامج يومية مختلفة، من أهمها الرياضة لإشغال الفراغ، والعلاج النفسي الجماعي والفردي، وبعض المهارات الأخرى كالكمبيوتر، ودروس في اللغة العربية والانجليزية، والعلاج بالفن، والموسيقى، يقدمها لهم أساتذة متخصصون تم التعاقد معهم لهذه الغاية· وهنالك خطط لتوسعة المركز، ليستوعب عددا أكبر يبلغ حوالي 200 شخص تقريبا·
تدمير الدماغ
أظهر الطب الحديث أن المخدرات والخمر تغطي المناطق المخيّة العليا الموجودة في الرأس وهي مركز الإرادة والتفكير والرؤية، أي ما يجمع باسم العقل· وقد يدفع إدمان المخدرات إلى الانتحار والتخلص من الحياة بفعل السموم التي تدمر الخلايا الدماغية العاملة لدى الإنسان، ومراكز الإحساس والتقدير في المخ·


مستوى عالمي

تأسس المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي عام 2002 تفعيلا لرؤية المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بأهمية الفرد وصلاحه، ويحظى حاليا بدعم كبير من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،''حفظه الله'' ومتابعة دائمة من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي ، وإشراف ورعاية متواصلة من سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة إيمانا منهم بدور العلاج والتأهيل في مكافحة المخدرات·
وقد أنشئ المركز بحيث يقدم كافة الخدمات العلاجية، والتأهيلية الخاصة بالإدمان، ليضاهي المراكز العالمية المماثلة، وفي هذا روعي استقطاب كافة العناصر من أطباء وفنيين على أعلى مستوى من دول عدة وبرامج علاجية متميزة· إلى ذلك فهنالك اتفاقية تعاون بينه وبين المركز الوطني للإدمان بلندن، كونه من أرقى مراكز الإدمان العالمية· كما يسعى المركز للتعاون مع عدة جهات عالمية في نفس المجال، ومنها قسم الإدمان بالمستشفى الجامعي لجامعة هارفارد- الولايات المتحدة الأميركية

اقرأ أيضا