الاتحاد

الملحق الثقافي

خمس دقائق حرب

العادات القديمة نفسها. العادات التي لم تتغيّر منذ سنوات: يخلد إلى فراشه في الحادية عشرة.
في الحادية عشرة وخمس دقائق سيسمع صوت الباب وهو ينفتح.
في الحادية عشرة وخمس دقائق وبضع ثوانٍ ستكون النوافذ مفتوحةً هي الأخرى.
بعد ثانيةٍ أو ثانيتين لن يكون ثمّة غرفة. ستختفي الجدران. ومعها السقف بطبيعة الحال. هكذا. بصمت. وعلى نحوٍ ليس عجائبيّاً بالضبط، لكنّه غير مفهوم. هكذا. دون أن يكون للأمر تفسيرٌ واضح.
في الحادية عشرة وسبع دقائق (أحياناً قبل ذلك، أي في الحادية عشرة وستّ دقائق) تشرق الشمس. يتعيّن عليه عندئذٍ أن ينهض من فراشه. ستكون إحداهنّ قد أعدّت له فنجان قهوته. نساءٌ مختلفات يتناوبن على أداء هذه المهمّة. لكلّ منهنّ طريقةٌ خاصّةٌ (فريدةٌ في الحقيقة) في إعداد القهوة. أحياناً لا تكون المرأة مرئيّة، لكنّه يعرف هويّتها من خلال النكهة التي تميّز قهوتها.
في الحادية عشرة والربع، يترك ورقةً للمرأة يحدّد لها فيها اسم المدينة التي سيمضي فيها يومه: (البوكمال، دمشق، دبي، الإسكندريّة، أثينا...)، ثمّ يغادر.
في الحادية عشرة والنصف تتّصل به المرأة. تخبره أنّه نسي ساعته في الحمّام:
ـ أنت مخطئة يا عزيزتي.. ساعتي معي..
ـ آه.. صحيح.. أعتقد أنّني دخلتُ حمّام بيتك في بغداد.. ما الذي جاء بي هنا؟!.
ـ لا بأس.
قبل منتصف الليل ببضع دقائق (دقيقتان أو ثلاث تقريباً) ستتّصل به المرأة ثانية:
ـ أراك تتقلّب.. يخيّل لي أنّك تتألّم.. هل أوقظك؟
ـ لا يا عزيزتي.. لا تقلقي.. أنا بخير.
لم يكن ألماً في الحقيقة. كلّ ما في الأمر أنّ حرارة الشمس هنا لا تطاق.. الحرارة العالية تجعل دماغه يغلي. هو يمسح عرقه فقط، فتظنّ أنّه يتقلّب..
عند منتصف الليل تماماً (أي في الثانية عشرة بالضبط) يعبر الشارع. ثمّة ظلّ في الجهة الأخرى. لكنّ الرصيف ضيّق. والزحام شديد. الأجساد تتلاصق. يضرب بعضها بعضاً. نفقٌ من اللحم البشريّ. نفقٌ طويل تنزّ جدرانه عرقاً برائحةٍ واخزة.
في الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق سيغادر النفق. سيجد نفسه أمام البحر. الحرارة هنا ألطف قليلاً. مشهد عاديّ جدّاً. ليس فيه ما يلفت الانتباه سوى أنّ السماء ليست زرقاء. هي زرقاء فقط عند النقطة التي تلتقي فيها بالبحر. لكنّها بعد ذلك تصبح خضراء. طبعاً هذه ليست دمشق ذات السماء الرماديّة، ولا بغداد ذات السماء الحمراء. السموات الخضر عادةً لا تُرى إلاّ في المدن المولودة حديثاً.
في الثانية عشرة وأربع عشرة دقيقة يأتيه اتّصالٌ من المرأة:
ـ أنت تتأوّه يا عزيزي.. هل تشكو من شيء؟
ـ لا أبداً.. لا شيء.. اطمئنّي..
ـ ألا أوقظك؟
ـ ليس بعد..
ما زال الوقت مبكّراً. ثمّة أصدقاء حميمون لا بدّ أن ينتظر ريثما يولدون، ليدعوهم إلى الغداء. ثمّ ينتظر ريثما يموتون، ليبكيهم. نساءٌ لا بدّ أن يحبّهنّ، ثمّ ينساهنّ. وأخرياتٌ لا بدّ أن يحبهنّ أيضاً، ثمّ لا ينساهنّ (يتذكّر منهنّ نكهة القهوة التي يقدّمنها على وجه الخصوص). قطيع غيومٍ لا بدّ أن يمرّ.
أنهارٌ في سنّ الشيخوخة. علب سجائر (GITANES) فارغة. إشاراتُ مرور برتقاليّة. ثمّة (إلى جانب ذلك كلّه) ثرواتٌ لا بدّ أن يجمعها، ثمّ ينتظر إلى أن تتبدّد تماماً..
العادات نفسها التي لا تتغيّر أبداً..
في الثانية عشرة وخمسٍ وثلاثين دقيقة، سيربّت أحدهم على كتفه. وعندما يلتفت سيرى المرأة بثياب نومها.
ـ أنت تعذّب نفسك.. صدّقني.. لن يكون لكلّ هذا أيّة فائدة.
ـ عودي إلى مكانك.. أرجوك.. أنت تفسدين كلّ شيء.
البحر كان هادئاً. لكنّه بدءاً من هذه اللحظة سيصدر أصواتاً تدلّ على أنّ حرباً ستندلع بعد قليل. مرتادو الشاطئ يتحوّلون إلى ما يشبه الديدان. ثمّ يدسّون أجسادهم في الرمل، متوارين عن الأنظار.
يصل المقاتلون.
ثمّ يصل أعداؤهم.
وفي الثانية عشرة وأربع وخمسين دقيقةً تبدأ المعركة.
في الثانية عشرة وتسعٍ وخمسين دقيقة تنتهي المعركة. والحصيلة مقتل المرأة التي كانت إلى جانبه.
يا لحظّه السيّء!!.. من سيوقظه بعد؟

اقرأ أيضا