الاتحاد

دنيا

صناديق الشكاوى والمقترحات تبحث عن رسائل.. وتتحول إلى ديكور!

أحد الشباب يضع شكوى بالصندوق

أحد الشباب يضع شكوى بالصندوق

صندوق صغير معلق أمام بوابة أي وزارة أو دائرة، عادة ما يكون قرب الاستقبال، لونه أبيض، يكون عادة مفتوحاً وبلا قفل، لا يحتوي على رسائل أو مقترحات لأنه من ضمن الصناديق المنتهية صلاحيتها. جميعنا يقف أمام هذه الصناديق طويلاً، سائلاً نفسه عن أهمية وجودها في أكثر من مصلحة حكومية، وما إذا كان ثمة مسؤول يعير ما في جوفها أهمية ما؟ أم أنها مجرد زينة وديكور لإيهام صاحب الشكوى بأن صوته مسموع؟! عبدالله حمد، من واقع تجربته ومعاناته الدائمة مع المنشأة التي يتعامل معها لإنجاز معاملاته، وهي غالباً ما تتأخر لعدة شهور، وقد يصل الأمر إلى أكثر من سنة، يقول وهو يبتسم ضاحكاً من شدة ضجره: «صندوق المقترحات والشكاوى كثيراً مانراه خالياً من الرسائل، لقد أصبحت خبيراً زيادة عن اللزوم في معرفة عقلية من يدير هذه المنشأة، حتى قبل أن أعرفه أو أتحدث معه».
يسترسل عبدالله واصفاً معاناته، بالقول: «عندما أعاني من أي مشكلة غالباً ما أذهب إلى هذا الصندوق الذي لا توجد فيه رسائل شكاوى منذ يوم أن وضع، العبارة التي تزين واجهته كتب عليها «صندوق الاقتراحات»، وهذا يعني إنك لن تجد من يسمع إلى شكواك، فشعارهم «لانسمع ولن نقبل أي شكوى». يتابع عبدالله مستهزءاً: «أما إذا وضعوا عبارة «صندوق الشكاوى»، فأنصحك، نصيحة لوجه الله، أن تبحث عمن يملك مفتاح الصندوق؟؟

مسألة ثقافة
من جانبها نهى الجشي (ربة بيت) تعلق على الأمر بالقول: «إن قبول الاقتراحات والشكاوى، أو قبول الانتقاد من الآخرين، يمكن اعتباره مسألة «ثقافة»، ونحن لم نتعلم مثل هذه الثقافة، فالجميع يعرف سلفاً ردة الفعل المتوقعة، والمستوحاة من مقولة «لاحياة لمن تنادي»، ولو كتبنا الكثير من الرسائل ثمَّ وضعناها في هذا الصندوق الذي غالباً ما يكون بالقرب من»صندوق القمامة الصغير»، فإنَّ مصيرها معروف، ذلك أنَّ أحداً لايحب أن يوجه الانتقاد إلى منشأة يعمل فيها، أو يتولى موقعاً قيادياً من خلالها».
وتلفت شيخة النعيمي( موظفة) إلى أنَّ هناك الكثير من صناديق الوزارات التي تملأها الاقتراحات والشكاوى. وتضيف:«لقد أصبح وجود تلك الصناديق البيضاء نوعاً من البرستيج، أي مجرد ديكور لا غير، حتى يقال عن دائرة ما إنها تملك صدراً رحباً، متقبلاً للانتقاد الذي يصب في مصلحة الدائرة».
وتتابع النعيمي قائلة: «من باب الفضول، فتحت أحد صناديق المقترحات الذي كان عليها الكثير من الغبار، وكأنه لم يُفتح منذ دهر، فوجدت رسالة واحدة، ابتسمت واعتقدت إنها تحمل مضموناً هادفاً وشكوى فحواها يتعلق بالدائرة، لكني انصدمت، فالظرف كان خالياً من أي رسالة، والمرسل مجهول الهوية، أحب أن يمزح مع مراقب الصندوق لاغير».

صناديق خاوية
بدورها تعلق على الأمر صباح راجح (مذيعة تلفزيونية) موضحة رأيها بالقول: «هذاالصندوق الذي كان يمتلئ بالأوراق الجادة عندما وضع منذ عدة سنوات، أضحى الآن خاوياً إلا من أوراق عابثة تزيد المشهد عبثية، وهذا دليل على فقدان الناس الثقة في وصول رسائلهم إلى من يريدون، وهو ما يجعل المسؤولين يتعذرون في عدم فتح هذا الصندوق باستمرار».
من جانبه، وبكل وضوح وصراحة، يؤكد فرهاد علي إن هذه الصناديق كاذبة غير مفعلة إلا في المطاعم.
وبرهاناً على جديته يقول: «بالفعل المطاعم لديها سعة بال في تقديم الأفضل لزبائنها، بينما يتجاهل الكثير من المنشآت والدوائر الرسائل التي وضعت في صندوق الشكاوى، لكن الرسائل التي تحمل مقترحات تصب في مصلحة الدائر تأخذ بعين الاعتبار، وتتم دراسة تلك المقترحات من باب الرقي وتطوير المنشأة إلى الأفضل».
أمَّا أبو سلطان فيؤكد نه لم يلجأ إلى هذه الصناديق في حياته، موضحاً:»بأنه لا يذكر ولا مرة ولو في مجرد التفكير في وضع اقتراح أو حتى شكوى داخل هذه الصناديق، كونه على يقين بأن الشكاوى الموضوعة في الصناديق لا تؤخذ مأخذ الجد، ولا تسترعي انتباهاً فعلياً لما فيها، فكيف بها تضع معاناتها بيدها مباشرة في سلة المهملات. فهو يجدها مجرد قطعة ديكور لتبيان أن الجهة تعتمد سياسة الباب المفتوح».

استهزاء وسخرية
بدوره يلفت قاسم هارون إلى تعرض صديقه لموقف حدث معه في أحد المطاعم، حين اكتشف وجود حشرة صغيرة تسرح وتمرح على الطبق. يقول هارون عن تصرف صديقه حيال ذلك:»طلب من الجرسون أن يستدعي مدير المطعم، فما كان من الجرسون الرد عليه باستهزاء وعدم مبالاة، ليقول له أنَّ المدير غير موجود، ولدى سؤاله عن صندوق الشكاوى، ردَّ الجرسون الصياح بصوت مرتفع وبكل سخرية: «ياشباب شوفوا مين يدله على الصندوق».
يصمت هارون ويضيف بالقول: «للأسف الشديد صندوق الشكاوى أصبح ديكوراً فقط، فمانراه إن البعض يقوم بتفريغ محتوياته من الرسائل، ليستوعب مخزوناً آخر من الشكاوى، وحتى لايقال عن إهمالهم لهذا الشأن». ومن واقعة تجربة أخرى تذكر سارة نورس(سكرتيرة) إنها تقدمت بشكوى على أحد مطاعم الوجبات السريعة، وخلال أيام بسيطة تم الاتصال والاعتذار لها. لكنها في المقابل تعتب على الكثير من الجهات الأخرى حين تقدم شكواها.
تسترسل نوره في حديثها قائلة: «الشخص منا قد ينتظر أياماً وشهوراً بحثاً عن حل لمشكلته، يعني بالعربي الفصيح شعار الكثير من الدوائر والهيئات والمنشآت وضع الصناديق «شكلاً فقط»، مؤكدين تلك المقولة «طنش تعش».

الباب المفتوح
يختلف جمعه الكعبي مع الآراء السابقة تماما في الشكل، وإن كان يتفق معها في المضمون، ويؤكد بالقول: «أن وجود هذه الصناديق في مداخل الهيئات الحكومية والشركات مظهر حضاري، فهي تدل على وعي المجتمع سواء كان المسؤول الذي يحرص على وضعها في منشأته أوالشخص الذي يدلي بصوته ورأيه وملاحظته عبرها. موضحاً الكعبي»بأن صناديق الشكاوى والاقتراحات في حد ذاتها ظاهرة جيدة، ومظهر صحي نظرا لأنها وسيلة جيدة لمد جسور الثقة بين المراجعين والمسؤولين. ولكن يتشرط التعامل معها بكل جدية».
وفي السياق ذاته يشير فتحي عياش إلى أن عصر صناديق الشكاوى انتهى تماما، وعلى الجميع سواء كانوا مسؤولين أو متعاملين أن يتبعوا سياسة الباب المفتوح واللقاء المباشر لعرض الشكاوى على الفور وحلها.

اقرأ أيضا