الاتحاد

دنيا

خديجة حميد: هوايتي علمتني الصبر والعطاء

 الشروع في نسج البساط

الشروع في نسج البساط

تمدّ يديها إلى الأرض الرملية بقوس قزح من الخيوط الصوفية، وتعيدها إلى محيط صدرها، تنحني عليها كأنها تدعوها لاحتضانها، مكررة الدعوة مرات ومرات، ناسجة للرمال الذهبية رداءً ملوناً من ''السدو'' تنجزه بحركة خاطفة ذهاباً وإياباً· بينما تسألها إحدى المتدربات ''اش رايج بمزوادي يا أم عبدالله'' وقبل أن تجيبها، تبادر أخرى باستشارتها ''ما ادري ليش السفيفة مالي مب قوية؟'' توضح لهن ما يرغبن، وتتابع عملها في حياكة ''السدو'' متعجلة انتهاء البساط الذي تصنعه، لرفعه عن النول قبل انتهاء ساعات العمل·
إلى ذلك، تعتبر صناعة'' السدو'' من الصناعات التقليدية القديمة، المزدهرة في المنطقة، نظراً لوفرة استخداماتها، فهي تشكل العنصر الأساسي في مكونات الخيمة ''بيت الشعر'' الذي يعد مسكناً متنقلاً لأجدادنا، فظروف الحياة في البيئة التي كانوا يعيشون فيها طلباً للكلأ والماء، أرغمتهم على إيجاد مستلزمات للبيت يمكن تحضيرها من المواد المحيطة بهم أنى ارتحلوا·
ترجمة الحنين
كانت المرأة قديماً تقوم بعمل ''السدو'' بألوانه المتنوعة ونقوشه الجميلة ذات الدلالات المستوحاة من طبيعة الصحراء بكل تفاصيلها، إذ تقول الوالدة خديجة حميد، أم عبدالله، (65 سنة): ''تعرفت على صناعة ''السدو'' في مرحلة متقدمة من عمري، بعد زواجي وإنجابي سبعة أبناء وبنات، أكبرهم يعمل الآن في القوات المسلحة، وأصغرهم معلمة صفوف ابتدائية· وشرعت بداية في تقليد بعض جاراتي ممن كن يتسلين بصناعة مفارش ووسائد صوفية من السدو، ليفرشن بها المجالس، سرعان ما تطورت لدي المحاولة وباتت هواية أعشقها إلى حد الاحتراف والتفوق عليهن بعد أن تعلمت منهن طريق حياكة السدو''، فقد كان حنيني الجارف إلى الماضي حيث أمهاتنا وجداتنا كن يقمن بحياكة السدو وتأمين مفروشات البيت البسيطة من نتاج أياديهن، هو السبب الرئيس الذي نمى بداخلي هذه الهواية، وحاولت التفرد في زخرفة ''السدو'' بنقوش جميلة مليئة برموز ومعان مختلفة تعبر عن هوية البيئة الصحراوية كنقوش الإبل والصقور ودلال القهوة''·
هواية ممتعة
ونمت الوالدة خديجة هوايتها تلك في مرحلة تالية، عبر انتسابها إلى دورة ''الحرف التقليدية القديمة'' في المركز النسائي بنادي التراث، فصقلتها بمواظبتها وصبرها على تعلم تقاليد الحرفة أكثر وأكثر، تقول: ''بعد تخرجي من الدورة، أنجزت قطعا جميلة تحاكي دلالات ضاربة جذورها في عمق تاريخ المنطقة، كنقوش القباب والهلال، وبعض الرسوم الهندسية من فن العمارة الإسلامية (العباسية والأموية)· وتفردت بين زميلاتي بهوايتي الجميلة التي أستمتع بها وأمارسها بحب لا منتهي، فحصلت نتيجة لذلك على شهادات تقدير إبان مشاركاتي في بعض المهرجانات المحلية، وحققت أحلاماً نسجتها بالسدو''·
وثمة تحضيرات تسبق ممارستها لهوايتها تلك، تشير إليها الوالدة خديجة، وتقول: ''لا أحبذ استلام كرات صوف ملفوف وجاهز، فقط علمتني هوايتي الصبر والعطاء والإتقان، لذا أقوم بنفسي في إزالة الشوائب وبقايا العشب التي تكون عالقة بصوف الأغنام، باستخدام أمشاط خشبية أسنانها حديدية، وأمشط الصوف كي تصبح أليافه صالحة للغزل، ثم أضع ألياف الصوف الممشط على ''التغزالة'' لأسحب الألياف منها وأغزلها، بعد أن أكون قد افترشت الأرض قبالة آلة النول، واتخذت وضعية جلوس مريحة، تساعدني في ساعات جلوسي الذي قد تستمر في كل مرة ساعتين متواصلتين''·
مواد خام
ويعتبر صوف الأغنام من أكثر الخيوط الأكثر شيوعاً لوفرته وحسن غزله ونسجه، فضلاً عن كون لونه الأبيض أكثر تفضيلاً لدى الناس، لذا تشيد الوالدة خديجة به، وتقول: ''يتصف صوف الغنم الأبيض بسهولة صباغته بأي لون· على عكس الوبر والشعر، وكذلك القطن أحياناً، فتستخدم بألوانها الطبيعية ولا تنجح صباغتها، فقد كان أهلنا في الماضي يستخدمون الأصباغ الطبيعية المستخرجة من الأعشاب الصحراوية، لكن حالياً تُشترى الأصباغ من الأسواق، أو تشترى الخيوط الصوفية والشعر مصبوغة آلياً''·
وثمة مواد خام أخرى تستخدمها بدرجة أقل في المشغولات الأخرى، تشير إليها الوالدة خديجة، وتقول:
''أستخدم ألياف شعر الماعز نادراً جداً، كونها طويلة ومتينة وصعبة الغزل، وتستخدم غالباً في حياكة بيت الشعر، لأن لونه الأسود يمتص الحرارة· فضلاً عن أن نسيجه قوي لا يرتخي، وشديد التحمل لعوامل الطبيعة من أمطار ورياح· كما أستخدم القطن، رغم افتقاره لمرونة الصوف، لكنه سهل الاستعمال، ولا يتلف بسهولة، وننسجه لمشغولات محددة بسيطة، توضع داخل المجلس، أو لزينة الهجن· وأستخدم أيضاً كمواد خام وبر الجمال المتساقط، فملمسه ناعم وأليافه عازلة، ولونه الطبيعي يعد عامل جذب''·
مشغولات عديدة
وتنتج السيدات العاملات في المراكز النسائية التي تعنى بالحرف التقليدية القديمة، آلاف قطع السدو سنوياً، تعدها للترويج الإعلامي والتعريف بالحرف القديمة في الدولة، أو للتسويق السياحي والتجاري، في إطار هدف أعلى وأنبل يتمثل في (إحياء تراث الأجداد والمحافظة عليه من الاندثار، ونشره بين المواطنين والمقيمين والسائحين على حد سواء) لذا تشيد الوالدة خديجة بهذا التوجه الرسمي في الدولة، كما تشيد بإتقان وبراعة السيدات العاملات في حرفة ''السدو'' وتلفت إلى أولوياتهن، فتقول: ''يشغلنا التعريف بالحرف القديمة في البلاد، ونشرها بين الناس، ولا نعوّل كثيراً على المردود المادي، فمعظمنا ميسورات بحمد الله ودعم شيوخنا الكرام وحكومتنا الرشيدة· ونولي إنجاز المشغولات كل عناية، إذ لا يقتصر هدفنا على التعريف بالحرفة القديمة فقط، بل تقديمها متقنة وأنيقة وجميلة، كي يستمتع بها من يقتنيها ويستخدمها طويلاً، ويدرك بالتالي أننا نعمل بشكل جيد ووفق معايير الجودة''·
وعن أهم تلك المشغولات المصنوعة من ''السدو'' ومسمياتها المختلفة، تقول: ''تأتي في مقدمة المشغولات، قطعة ''البساط'' أو ما يسمى في الخليج '' الساحة'' وهي المفارش التي تستخدم في فرش المجالس والديوانيات، وتصنع عادة من الخيوط المبرومة· وهناك ''المساند'' وهي عبارة عن وسادة أو ''تكية'' يستند إليها الجالسون في المجلس، ويتم تزيينها بـ''الخشام'' أي تطريز أطرافها لتعطي رونقاً جذاباً''· وهناك ''الدثارة'' وهي نسيج جميل وقليل السماكة، يستخدم كغطاء للنوم في الشتاء· وكذلك هناك ''الحقائب'' وهي قطعة معروفة من اسمها، كانت جداتنا يضعن فيها بعض الحلي التقليدية أو الدخون وأدوات الزينة· بينما يعد''بيت الشعر'' القطعة الأكبر من مشغولاتنا، فهو الخيمة والمسكن المتنقل لأهل البادية، ويصنع من الصوف أوشعر الماعز بلون أسود أو بني· وهناك ''المزواد'' وهو كيس كبير يستخدم لحفظ الملابس، له حياكة أعلى فتحة الكيس· يماثله قليلاً ''العدل'' وهو عبارة عن كيس كبير لحفظ الأرز أو القمح، وكانت العدول قديماً تصنع من القطن نظراً لمرونة خيوطه''·
أداء وعطاء
وتلفت الوالدة خديجة إلى توفر مشغولات عديدة أخرى من ''السدو'' بعضها ليست لاستخدام الإنسان، وهي: ''الشف'' عبارة عن نوع من أنواع المفارش مصنوعة بلون واحد، وعلى أطرافها نقشات ملونة توضع على الهجن -تحديداً- لتغطيتها وتضميرها خلال السباقات· بينما الخيول فلها ''السفايف'' الخاصة بتزيينها، وهي جدائل من خيوط محاكة بطريقة جميلة، ألوانها زاهية، خاصة بالرسن، ومنها أحجام أكبر تفيد في تزيين السرج· أما الخراف والأبقار، فلها قطعة ''العقل'' وهي عبارة عن مجموعة خيوط تبرم باليد، وتستخدم لربط الماشية''·
وتشير الوالدة خديجة إلى طريقة أدائها لمعظم تلك المشغولات التي تجيد إنجازها، وتكشف سر المهنة بقولها:
''خلال عملية الغزل ومن ثم النسيج، أستخدم (الفتلة المفردة) ويكون لها برمة حسب اتجاه دوران المغزل باتجاه عقارب الساعة أو بعكسها· فالبعض لا يعرفن أن قوة الفتلة تؤثر في مظهر النسيج! لأن الفتلة التي يكثر عدد برماتها في السنتيمتر الواحد تعطي نسيجاً أكثر قوة وتماسكاً، مما يبرز بوضوح إتقان النسيج وجمال النقوش''·
وتضيف ضاحكة تملؤها البهجة والاعتزاز: ''على الرغم من أن أبنائي أنهوا تعليمهم ويعملوا جميعاً ويتقاضوا رواتب عالية، قمت بتعليم بعضهم (إناث وذكور) أساسيات الحرفة''·
واختارت بذلك الوالدة خديجة، أداء واجبها حيال مجتمعها، وواصلت العطاء من خلال تعليم بعض أبنائها لحرفتها في أوقات فراغهم الصيفية، بدافع توارثها كهواية جيلاً بعد جيل·

آلة السدو

ورد في كتاب ''الحرف التقليدية الخليجية'' للباحثة هند يحيى اليحيى، وصف الآلة التي يتم عبرها إنجاز قطع ''السدو'' فهي تتألف من:
'' المغزل''أداة مصنوعة من الخشب، عبارة عن عصا ينتهي أحد طرفيها بخشبتين، طول الواحدة نحو 5 سنتيمترات، يتوسطها خطاف لبرم الصوف الملفوف، وتحويله إلى خيوط لجمعها على شكل كرات تسمى ''دجة''·
وهناك ''المدراة'' وهي أداة مصنوعة من الحديد أو الخشب على شكل أسنان المشط، لتسريح الشعر المتلبد·
بينما الصوف الملفوف يدار عبر ''التغزالة'' وهي عصا يلف عليها الصوف قبل غزله· وهناك ''النول'' وهو آلة الحياكة، أي ''السدو'' وهو عبارة عن خيوط ممتدة أفقياً على الأرض، موصولة بأربعة أوتاد على شكل مستطيل، توضع فوق'' المنشزة'' وهي قطعة خشبية مستطيلة ذات طرفين حادين، تستخدم لصف الخيوط على آلة ''السدو''· وهناك ''الميشع'' أي المكوك المصنوع من عصا خشبية يصل طولها إلى نحو 70 سنتيمترا، يلف حولها الخيط على شكل مروحي· بينما يقصد بـ''القرن'' قرن الغزال الذي يستخدم في فصل الخيوط عن بعضها ووضعها في تنسيق محدد خلال حياكة الزخارف، ويبلغ طوله نحو 15 سنتيمترا· أما ''المدرة'' فهي مقبض خشبي مثبت، له ذراع حديدي قصير ينتهي بطرف منحن يساعد في إنجاز قطع ''السدو''

اقرأ أيضا