الاتحاد

ثقافة

"أمير الشعراء".. قصائد تستلهم التراث وأخرى تشتبك مع الراهن و«روح التسامح» بلغة الموسيقى

شعراء الحلقة

شعراء الحلقة

أبوظبي (الاتحاد)

أحداث جديدة عاشها جمهور الحلقة السابعة من «أمير الشعراء» والتي انطلقت مساء أمس الأول، الثلاثاء، في تمام العاشرة ليلاً، وتمّ بثّها على الهواء مباشرة عبر قناتي الإمارات وبينونة، حيث استهلها العازف الإماراتي فيصل الساري بوصلة «روح التسامح». وبمرافقة الفرقة الموسيقية، عزف فيصل الساري مع أعضاء فرقة «أوركسترا ياس» مقطوعات موسيقية عدة جمعت الشرق بالغرب، ليس فقط على مستوى الآلات، وإنما على مستوى المقطوعات، فمزجت الفرقة بين موسيقى السودان وإثيوبيا وأرمينيا وأميركا اللاتينية وإسبانيا والهند والخليج، تأكيداً على أصالة وجمال ورفعة الهدف السامي لعام التسامح الذي اتخذته الإمارات عنواناً لها ولفعالياتها خلال هذا العام 2019.
وحضر الأمسية الحافلة بكل ما هو جميل شعراً وموسيقى، معالي الشيخ الدكتور سعيد بن طحنون آل نهيان، وعيسى سيف المزروعي، نائب رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، وسلطان العميمي مدير «أكاديمية الشعر»، وعدد من الدبلوماسيين وأساتذة جامعة الإمارات، وممثلون عن الجاليات العربية الذين جاؤوا مشجعين للشعراء المتنافسين في الحلقة.
وجمع «أمير الشعراء» الذي تنتجه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي، ليلة أمس الأول، خمسة شعراء مثلوا خمس دول، وهم: عائشة الشامسي من الإمارات، دينا الشيخ من السودان، عبدالمنعم حسن محمد من مالي، سلطان السبهان من السعودية، وعلي حسن سلمان من البحرين، الذين قدموا نصوصهم أمام أعضاء لجنة التحكيم المؤلفة من د. عبدالملك مرتاض، ود. علي بن تميم، ود. صلاح فضل.
وقبل بدء المنافسة بين الشعراء، أعلنت مقدمة البرنامج لجين عمران عن تأهّل الشاعر مبارك سيد أحمد من مصر بـ77 درجة بعد تصويت الجمهور، لينضم إلى زميلته الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري التي تأهّلت في الحلقة الماضية بفضل الدرجات الـ47 التي منحتها إياها لجنة التحكيم.

مالي.. إلى المرحلة النهائية
مفاجأة الحلقة تمثلت بتأهل الشاعر المالي عبدالمنعم حسن إلى النصف النهائي من المسابقة، والتي تشهد للمرة الأولى منذ انطلاقها، ليس فقط مشاركة شاعر من مالي، وإنما بانتقال الشاعر كذلك إلى المرحلة الأخيرة، وذلك إثر حصوله على 47 درجة من لجنة التحكيم.
وفي المقابل، بدأ بقية زملائه رحلتهم نحو التصويت، وهم: دينا الشيخ، سلطان السبهان، عائشة الشامسي، وعلي حسن سلمان، حيث سينتظرون نتائج تصويت الجمهور لهم والتي ستتم عبر موقع البرنامج أو عبر التطبيق الإلكتروني، وستصدر بداية الحلقة القادمة، وبناء على ذلك فإن الشاعر صاحب الدرجات الأعلى سينتقل إلى المرحلة الثالثة.

دينا تحاكي المشاوير
تحت عنوان «هجس المشاوير» ألقت الشاعرة دينا الشيخ قصيدتها. وحسب د. صلاح فضل فإنه من الجميل أن يكون شعر دينا مضمخاً بالحداثة ومفعماً بطرافة الانزياحات والتراكيب المختلفة. فابتداءً من العنوان هناك صوت هاجسٍ تمثّل في عنوان القصيدة. وبرأي د. فضل، فإن الشعر الذي يضمّخ بالحداثة يعاني من مشكلة في تراكيبه التي تظل معظمها ملغّزة، فتعمل على إشعال لغة التخييل. ظانّاً بأن دينا عندما قالت: (كان انصهاري على أَبوابِ صومعةٍ/‏‏‏‏‏‏‏ يُعيدُ زرقةَ بحرٍ أَقتفي جهتَهْ) فإن المتلقي لن يدرك ولن يتبيّن ما تريد من خلال تراكيب البيت، فالإبهام -كما أشار- مثل الملح، قليلٌ منه يصلح الكلام، والكثير منه يبقى معتماً.
د. علي بن تميم بدأ من حيث انتهى د. فضل، مؤكداً أن ما جاء في النص ينتمي إلى الشعرية الذهنيّة. كما لفته العنوان «هجس المشاوير» والذي يعتبر عتبة النص عادة، موضحاً أن الهواجس هي ما يدور في النفس من أحاديث، لكن ذلك لم يتجلّ في النص، وإن وردت مفردة «الهجس» المرتبطة بالمكان.
كما وجد د. بن تميم مشكلة أخرى تجلّت في قافية النص، فهي بهائها المسكّنة تقطع النّفس كثيراً. فيما المعجم الشعري في النص رومانسي بامتياز، وبأن ثمة الكثير من مفرداته ذات تاريخ كبير في الشعرية العربية، مثل (الضوء، صومعة، زرقة البحر، النوارس، الموج، الحلم، الموال، السوسنة). لكن هذا المعجم -أحياناً- يكون مخادعاً، أي لا يوصل إلى بصمة أسلوبية خاصة، بمعنى أن التشكيل في النص مخادعٌ، والعلاقة بين تلك المفردات عشوائية، كما في البيت (صفصافةٌ في ممرَّاتِ الوداعِ معي/‏‏‏‏‏‏‏كانت تُؤرِّخُ للنّسيانِ عنونتَهْ). ومع أن د. علي يرى أن الكتابة إنما هي ضرب من ضروب تدوين وتأريخ الذات من فقدان الذاكرة؛ إلا أنه طرح سؤالاً مفاده: كيف يمكن أن يكون لتأريخ النسيان عنوان أيضاً؟. ثم علق د. علي على إمكانية إشارة القصيدة إلى اغتراب الذات، وإن جاء في إطار اغتراب القصيدة نفسها عن مفرداتها، وعن علاقتها الحية مع القارئ.
من جهته بدأ د. عبدالملك مرتاض من عنوان القصيدة البعيد عن الشعرية. ثم أشار إلى مفردة (يغفو) التي وردت في النص، مؤكداً أن الأصح والأصوب (يُغْفي). وحول الصورة الفنية التي وردت في البيت الثامن (هل نلتقي في مزاداتِ الحياةِ؟ ومن/‏‏‏‏‏‏‏يُعيرُ موَّالنَا المجروحَ حنجرتَهْ؟) قال إنها من أروع الصور وأبدعها، مبدياً إعجابه بتوظيف دينا للحيز الشعري في البيت الأول (يسافرُ الضوءُ في هجسِ المكانِ هنا/ ‏‏‏‏‏‏‏حتّى يوُطّنَ في الأشياءِ فلسفتَهْ)، فتم ملء المكان بالقلق والهواجس ليصوّر الشخصية الشعرية وهي تتصارع مع نفسها فتهيم في وادٍ سحيق. أما الحيّز في شعر دينا، فهو موظف بعناية وكثافة.

سلطان يشتبك مع «أغداً ألقاك»
ثاني شعراء الأمسية كان سلطان السبهان الذي ألقى على مسامع المتلقين داخل مسرح «شاطئ الراحة» وخارجه قصيدة نهلت من أغنية أم كلثوم «أغداً ألقاك»، وجاءت بعنوان «إنّما الحاضر أحلى»، وهي التي وصفها د. علي بن تميم بأنها ذوبته تذويباً جميلاً، خاصة أن النص يشتبك مع نص الشاعر السوداني الهادي آدم، والذي شدت به أم كلثوم.
وقال د. علي بن تميم إن الاشتباك الموجود في النص مع نص الهادي آدم يدفعنا إلى الحياة من جهة، ويعري أطروحات الجهل والتعصب الكارهة لحياتنا هذه من جهة ثانية، مستعيداً بيت السبهان (من سمّموا التّاريخَ واجتَرحوا لهم/‏‏‏‏‏‏‏ديناً يبيعُ على الدّراويشِ السّرابْ)، مشيراً إلى أن الذين سمموا التاريخ كانوا قد اختطفوه قبل ذلك، والسبهان حسناً فعل، فالشعراء في «أمير الشعراء» يمتلكون الشجاعة لإعادة قراءة الإرث المضاد لخطاب التشدد. ومما لفت د. ابن تميم في النص علاقة الشاعر الفذّة مع الحلاج، وتلك شجاعة تحسب للسبهان وتُـحمد. وأضاف د. علي أن عبارة «أغداً ألقاك» تكاد تغدو أيقونة أو علامة مهمة من علامات النص بهدف تعرية مختطفي التاريخ، كما أن صورة كارهي الحياة تتضح في النص الذي تتجلى فيه أيضاً القدرة على تصوير ما يعرف بجماليات القبح. الجانب الفني للقصيدة تناوله د. عبدالملك مرتاض، فقال إن الإرهاب يستثيرنا جميعاً، وخاصة أنه موضوع الساعة. والقصيدة تعالج بحرقة وألم ظاهرة قتل الأبرياء في الإسلام، متماهيةً مع أغنية أم كثلوم «أغداً ألقاك». لكن د. مرتاض لم يجد علاقة بين موضوع القصيدة وموضوع الأغنية. وبشأن البيت (يستنبتون الكُرهَ باسم محمدٍ/‏‏‏‏‏‏‏ ومحمدٌ نهرٌ من التّحنان طابْ) قال د. مرتاض إن العجز لا يتطابق مع المستوى الشعري للصدر، وربما يكون البيت السابع من أجمل أبيات النص: (ومشوا على وجعِ الزّهورِ ليدركوا/‏‏‏‏‏‏‏ حُوراً يسيلُ على تخيُّلها الُّلعابْ). ثم ختم د. مرتاض بأن ما قدمه السبهان في الحلقة السابقة أجمل من النص الحالي الذي تغلب فيه النظمية على الشعرية، لكنه -أي د. مرتاض- أقرّ بشعرية الشاعر وبموهبته.
ومن أصداء أغنية رائعة من أغاني أم كلثوم؛ قال د. صلاح فضل إن الشاعر أقام تضاداً جوهرياً بين روح الفن والإبداع والشعر من جانب، وروح الكراهية والتعصب وضيق الأفق من جانب آخر.

عائشة تستعيد «اليوريد»
«طفلةُ اليوريد» كان عنوان النص الذي ألقته الشاعرة عائشة الشامسي، وأهدته لكل أطفال العالم، وللجدات كذلك. واليوريد أو الهوريد لعبة شعبية جماعية كان الأطفال في الإمارات يمارسونها مساءً في فصل الصيف، وتعتمد هذه اللعبة على مبدأي الاختباء والبحث.
بدأ د. عبدالملك مرتاض من توظيف الشاعرة ثلاث قيمٍ إماراتيةٍ تمثلت في الآس واليوريد وشجرة الغاف، لتصبح القصيدة ممثلةً للمحلية الإماراتية الجميلة. وأوضح أن إقامة نص شعري معاصر على أثر أنثربولوجي وفولكلوري ليس دائماً مما يستحب ويرتجى، ومع ذلك استطاعت الشاعرة تخريب تلك القاعدة لتقدّم نصاً شعرياً جميلاً.
وأشار د. فضل أن عائشة تغرف من كنوز الشعر عندما تعود إلى الطفولة، وإلى جمال وصفها لألعاب الصّبا (عيناي مغمضتانِ.. قلبي واحةٌ/‏‏‏‏‏ ‏‏ولها ظباءُ العينِ تعتمرُ)، موضحاً أن اعتمار ظباء العين فيه ذرة من الإبهام، لكنها ذرة مليحةٌ. أما لعبة الغناء فتعبّر عنها الشاعرة بلطف (تحت النّخيل أريقُ صوت طفولتي/‏‏‏‏‏ ‏‏أنشودةً أخرى سنبتكرُ). وبالرغم من ذاك التغنّي البهيج بالطفولة، إلا أن القطعة الشعرية تفتقد إلى شيءٍ من العمق، إذ من المفترض أن تذكّرنا -بعد أن نكبر- بالمفارقات الموجعة للتجربة الوجودية والإنسانية، لأننا ونحن نتذكّر الطفولة لا نستطيع أن نخلي وجداننا من كل ما امتلأنا به عبر مراحل الحياة، فهل نظل نلعب «اليوريد» طوال حياتنا؟ متسائلاً: أين أستاذة الجامعة -ويقصد بذلك الشاعرة - في النص. متمنيّاً لو أنها انتبهت إلى ذاك الأمر من المعادلة الشعرية.
وحول القصائد التي تسترجع الطفولة فإن الحنين يتجلى كما قال د. علي بن تميم. وبرأيه القصيدة التي قدمتها عائشة فعلت ذلك. ثم عاد إلى قصيدة «الجنوبي» للشاعر أمل دنقل (هل أنا كنتُ طفلاً/‏‏‏‏‏‏‏ أمْ أنّ الذي كانَ طفلاً سواي؟ هذهِ الصورةُ العائليّةُ../‏‏‏‏‏‏‏كانَ أبي جالساً، وأنا واقفٌ.. تتدلّى يداي). وعاد ثانية إلى «طفلة اليوريد»، القصيدة التي تركّز على مجموعة لقطاتٍ مرتبطةٍ باللعب بعيداً عن حضور الشخصيات البارزة، ما عدا الجدة. مستعيداً ما قاله أبو الطيب المتنبي الذي عندما تذكر جدته وتذكّر كذلك جدّه قال: (أحنُّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بها/‏‏‏‏‏ ‏‏وأهوى لمثواها التّرابَ وما ضَمّا).
وأوضح الناقد أن الشاعرة في قصيدتها أحسنت التقاط تلك اللعبة التي تقوم على الخفاء والتجلّي، تماماً كما تفعل القصيدة التي تخفي معناها تارةً، وتظهره تارةً أخرى، واصفاً ذلك بأنه إثمارٌ ماكرٌ شائق وجميل. وألمح كذلك إلى اللفتة الجميلة التي تجسدت ببدء القصيدة بصوت الناي، وانتهائها بشجر الغاف الذي يطلّ عليه نور القمر، لتضفي الشاعرة بريقاً على زمن الطفولة.

عبدالمنعم وعروة بن الورد
القصيدة التي ألقاها الشاعر عبدالمنعم حسن أهّلته إلى المرحلة الثالثة من المسابقة. وحملت عنوان «تمثال شمع لعروة بن الورد»، مستدعياً الشاعر من خلالها أمير الصعاليك عروة بن الورد كما أشار د. علي بن تميم. ورغم هذا الاستدعاء إلا أنها كانت أقرب في الإيقاع إلى يتيمة ابن زريق البغدادي (لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ/‏‏‏‏‏ ‏‏قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِنْ لَيسَ يَسمَعُهُ).
وقال د. ابن تميم، إن شخصية ابن الورد هي شخصية مكافحة، تؤمن بالتكافل المجتمعي وتشعر بالغربة، مضيفاً أن نص عبدالمنعم جميل يتنامى على نحو بديع وشائق، والشاعر يرسم معاناة عروة بن الورد الشخصية، والذي يبدو ظامئاً فيستفّ من تراب الأرض، وهو ما قاله الشنفرى في بيته: (وأستفُّ تُرب الأرضِ كي لا يرى لهُ/‏‏‏‏‏ ‏‏عَليَّ، من الطَّوْلِ، امرُؤ مُتطوِّلُ). وقد فضّل د. ابن تميم توظيف الشاعر بيت عروة بن الورد الشهير (أُقسِّمُ جسمي في جُسُوم كثيرةٍ/‏‏‏‏‏‏‏ وأحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ).
د. عبدالملك مرتاض تساءل عن علاقة القصيدة بموضوع عروة بن الورد إيقاعاً وموضوعاً. حيث رأى أنها أقرب إلى شخصية الشاعر أبي إسحاق علي بن عبدالغني الفهري الحصري، والذي يقول في قصيدته التي عارضها كثر من أمثال الشاعر أحمد شوقي (يا ليلُ الصَّبُّ متى غدُهُ/‏‏‏‏‏‏‏ أقيامُ السّاعةٍ موعِدهُ).
ووصف د. مرتاض لغة قصيدة عبدالمنعم بأنها عالية، وبأن صورها آسرة وساحرة، وتمنى لو أن الشعراء الشباب الذين يشاركون في المسابقة ينسجون مثلها.
د. صلاح فضل ألمح -من جهته- إلى جمال اختيار عبدالمنعم لأمرين، أولهما عروة بن الورد، وثانيهما أنه ترك حسه الموسيقي ينقاد وراء سلالة شعرية بديعة، تمثلت في السلالة التي بدأها الحصري، وتبعه كثيرون، وما لفت نظر د. فضل أن عبدالمنعم تناول أشياء كثيرة عن ابن الورد ونحت له تمثالاً من الشمع، من دون أن يذكر خاصيته الأساسية بكونه صعلوكاً في الجاهلية مثل روبن هود في الثقافة الغربية، فيأخذ من الأغنياء ليوزع على الفقراء، وهنا تكمن شهامة الصعاليك التي عبر عنها عروة في البيت (أقسِِّمُ جسمي في جُسُوم كثيرةٍ). ونظراً لجمال كلمات نص عبدالمنعم؛ فقد رأى د. فضل أن تمثال عروة كان يمكن أن يكون من المرمر الرائق، خاصة أن الشاعر اكتشف أحد أهم رموز الشعرية العربية عبر قصيدته.

حسن و«طرفة بن العبد»
جمهور الشعر ارتشف آخر رشفة شعر ليلة الثلاثاء الفائتة من قصيدة الشاعر البحريني علي حسن، الذي ألقى نصه «طرفة بن العبد في المدينة»، ووصف د. مرتاض النص بأنه جميل وبديع بما فيه من استحضار لرموز كثيرة في البحرين. ورأى د. صلاح فضل أن الشاعر علي طالما أنه من البحرين؛ فلابد له أن يستحضر طرفة بن العبد، عبقري الشعر وفلذة كبد الأرض المسحورة بالجمال في البحرين، لافتاً إلى أن الشاعر يلعب لعبة التناص مع لغة طرفة، عبر إدماج نصه الشعري مع ما جاء في مطلع معلقة طرفة الشهيرة (لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ/‏‏‏‏‏‏‏ تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ)، ليقول حسن ببراعة (ملهِماً لا يزالُ وشمُ يديْـها/‏‏‏‏‏‏‏كيفَ أنساهُ؟!/‏‏‏‏‏‏‏كيفَ لا أتذكّرْ؟!)، كما تتجلى شعرية حسن في القصيدة وهو يستلهم من بلده (حينما ودّعتُها وما ودَّعتني/‏‏‏‏‏‏‏صاحَ وجهُ المنامةِ: الله أكبرْ). والبيت التالي (غنّتْ الماءَ والظِّلالَ/‏‏‏‏‏‏‏فهبَّ الموجُ/‏‏‏‏‏‏‏والنّخلُ رفَّ/‏‏‏‏‏‏‏ والغيمُ أبحرْ). وأكد د. فضل أن شعر حسن يسيل عذوبةً وجمالاً، ويقطر حلاوة، حتى حينما يتذكر هوى الشباب فإنه يفعل ذلك بصورة بديعة تجلت في البيت الأخير (نورسا مرفأٍ/‏‏‏‏‏‏‏فتىً وفتاةٌ/‏‏‏‏‏‏‏ يا خليجَ البحرينِ لن نتأخّرْ).
د. علي بن تميم بدأ من الشاعر طرفة بن العبد الذي ينتمي إلى البحرين. ثم أشار إلى الحديث الوارد عبر ضمير الأنا، لكنه لم يتبيّـن إن كان ذاك الحديث على لسان طرفة أم أنه صوت الشاعر. وكذلك الأمر بالنسبة لحضور خولة في النص، والذي لا يتضح كثيراً، ولا يوضّح قضية العلاقة مع ضمير الأنا، فتأتي خولة في نهاية النص بشكل ملتبس. ووجد الناقد في القصيدة لحظة وداع تجلت في البيت (حينما ودّعتُها وما ودَّعتني/‏‏‏‏‏‏‏صاحَ وجهُ المنامةِ: الله أكبرْ)، وهذا ما ذكّره بمجنون ليلى عندما قال: (وأجْهَشْتُ لِلتَّوْبَادِ حِينَ رَأيْتُهُ/‏‏‏‏‏‏‏وهَلّلَ للرّحمنِ حينَ رآني). وختم د. علي بأن لغة النص عذبة وشفافة، وصوره تجمع بين الوجد والخوف والقلق.
من فيلم «رابعة العدوية» بدأ د. عبدالملك مرتاض، مشيراً إلى أن نص حسن يذكره به. إذ حاول الشاعر سرد أحداثٍ كما في البيت: (غنّتْ الماءَ والظِّلالَ/‏‏‏‏‏‏‏فهبَّ الموجُ/‏‏‏‏‏‏‏والنّخلُ رفَّ/‏‏‏‏‏‏‏ والغيمُ أبحرْ) وهو البيت الذي جمع فيه الشاعر ظلالاً وارفة، مع أمواج هائجة ونخل رافٍّ وغيم مبحر، فزاوج بين عناصر الطبيعة، ورسم صورة بديعة في ذهن المتلقي، إن كانت لا تُطرِب فهي تُعجِب. ووجد في النص إيقاعاً راقصاً مع صور فنية قليلة، رغم أن الشاعر حاول أن يمكر مكر الشعراء، ليلعب على الإيقاع أكثر من ابتكار التصوير الفني، ومع ذلك فإن شعره جميل، ورؤيته الشعرية محلقة في أعالي الفضاء المديد.
مع رحلة المجاراة ألقى الشعراء الخمسة أبياتهم التي جاروا من خلالها ما قالته الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، لتختتم لجين عمران الحلقة بالإعلان عن أسماء شعراء الحلقة الثامنة، وهم: أحمد محمد عسيري من السعودية، رابعة العدوية من الجزائر، عبدالسلام حاج نجيب من سوريا، ومحمد الأمين جوب من السنغال، وهبة الفقي من مصر.

اقرأ أيضا

زايد.. قوة الإمارات الناعمة