أعد الملف: مريم بوخطامين, هالة الخياط, شروق عوض, دينا جوني
التحرير: أشرف جبريل
الإشراف العام: راشد الزعابي, ناصر الجابري
الإخراج: صلاح اليافعي

قبل أن يتحدث العالم عن الاستدامة
وقبل أن تتصدر «حقوق الأجيال القادمة في الموارد» أجندات المنظمات والهيئات الدولية
كانت البيئة حاضرة في كل خطط البناء والتنمية منذ قيام دولة الاتحاد.. وكان الحفاظ عليها شرطاً أساسياً لتنفيذ المشروعات.
وأثمر هذا الاهتمام المبكر والفريد بحماية البيئة إنجازات غير مسبوقة، تدخل بها الإمارات العقود الخمسة المقبلة، برؤية استشرافية، ترتكز على التنوع الطبيعي الذي يميز الدولة، وتتعامل معه ميزة نسبية تدعم الاقتصاد الأخضر، وتنفذ استراتيجيات واعدة تستهدف عشاق الطبيعة وهواة الجمال الفطري في العالم، بمحميات الإمارات النادرة وموائلها الطبيعية الغنية بأنواع فريدة من النباتات والطيور والحيوانات.

شيخة الظاهري

تقليل الأكواب والصحون.. وتدوير عبوات المياه
كشفت الدكتورة شيخة سالم الظاهري أمين عام هيئة البيئة في أبوظبي أنه تمهيداً لإعلان إمارة أبوظبي خالية من «أكياس الاستخدام الواحد» بحلول 2021، بدأت الهيئة بالتعاون مع الجهات المعنية في القطاع الحكومي والخاص تطبيق سياسة خفض استخدام المواد البلاستيكية «وغير البلاستيكية» المستخدمة لمرة واحدة، وتغيير سلوك المجتمع نحو ممارسات أكثر استدامة خلال الخمسين عاما القادمة.
وأوضحت الظاهري في حوار مع «الاتحاد» أن التوجّه في المرحلة الحالية هو الدفع باتجاه استخدام المواد البديلة الصديقة للبيئة والمتوفرة في الأسواق. وسيتم صياغة تشريع من أجل الحدّ من المواد المستخدمة لمرة واحدة تدريجياً، ووضع رسوم عليها وصولاً إلى حظرها الشامل في 2021، بالإضافة إلى وضع الرسوم على عدد من المواد الأخرى ذات البدائل الآمنة المتاحة ومنع توزيعها مجاناً للمستهلك النهائي.
وفيما يخص الجدول الزمني لتطبيق السياسة، أشارت الظاهري إلى أن التطبيق سيكون على مدى سنتين «2020 - 2021»، بحيث يجري إعداد التشريعات وإطلاق الحملات الإعلامية للتوعية بالسياسة خلال العام الجاري، في حين يبدأ التطبيق الفعلي للإجراءات في العام 2021.
وأفادت الظاهري أن السياسة حددت 16 مادة بلاستيكية تستخدم لمرة واحدة، وتشكّل النسبة الأكبر من النفايات البحرية وفق الدراسات العالمية، سيتم استهدافها بدرجات متفاوتة خلال تطبيق السياسة.
وتتضمن أدوات تنفيذ السياسة محفزات لخفض الاستهلاك بالدرجة الأولى ووضع رسوم على بعض منها وتشمل هذه المنتجات الأكياس البلاستيكية والأكواب وأغطيتها وأدوات الطعام والصحون والعيدان البلاستيكية. أما عبوات المياه البلاستيكية فسيتم استهدافها عبر برنامج لاستردادها يكون مبنياً على المحفزات.
ولفتت إلى أنه سيتم وضع مواصفات لأكياس متعددة الاستخدامات ووضع رسوم عليها، مع دراسة إمكانية توفير الكيس برسم مادي عند شرائه في المرة الأولى، على أن يتم استبداله مجاناً من قبل منافذ البيع بالتجزئة. كما سيتم إعلان إمارة أبوظبي خالية من الأكياس البلاستيكية المستخدمة لمرة واحدة بحلول 2021.


وعن المواد البلاستيكية الأخرى والتي ستفرض الرسوم على استخدامها، أوضحت الظاهري أنه سيتم توفيرها فقط في حال طلبها ولن توزع مجاناً على المستهلكين. وسيستثنى من الرسوم علب الطعام والعيدان في مطاعم الوجبات السريعة إلى حين إيجاد البدائل المستدامة. وسيتم استهداف المطاعم ومزوّدي الطعام بحملات توعوية بشأن خطورة استخدام تلك المواد على البيئة. كما ستتعاون هيئة البيئة - أبوظبي مع الجهات الحكومية المعنية لتضمين اشتراط استخدام حافظات وعلب الطعام المتعددة الاستخدام ضمن قائمة الاشتراطات المفروضة على الشركات العاملة في المشاريع الحكومية.
وفيما يتعلق بعبوات المياه البلاستيكية المستخدمة لمرة واحدة، سيتم إطلاق نظام استرداد سيجري تعميمه على منافذ البيع بالاستناد إلى مبدأ المسؤولية الممتدة للمُنتِج، بهدف إنشاء نظام دائري مغلق للعبوات البلاستيكية بحلول 2021 مبني على المحفزات. وفيما يخص المواد الأخرى، مثل: أعواد القطن، وأكياس المقرمشات، ومواد تغليف، الحلويات، والمناديل المرطبة، والبالونات، وأعقاب السجائر وغيرها، فهناك حملات التوعية بشأن التخلص الملائم منها، وسيتم التعاون مع القطاع المعني بها على تصميم بدائل غير بلاستيكية ونظام حلقة مغلقة بحلول 2021. وأكدت الظاهري أن تطبيق هذه السياسة على مستوى إمارة أبوظبي سيضع حداً لتسرب النفايات البلاستيكية وتأثيرها السلبي على البيئة، كما تضع السياسة الإمارة على مسار الحلول المستدامة، لأنه من خلال خفض استهلاك المواد البلاستيكية المستخدمة لمرة واحدة، يتم خفض الانبعاثات بما يتوافق مع المعدلات المحددة وطنياً لدولة الإمارات بموجب اتفاقية باريس والمفعلة بتاريخ 4 نوفمبر 2016.
كما يساعد تحقيق أهداف السياسة في تحقيق مستهدف قطاع النفايات الحالي بتدوير 75% من النفايات الصلبة في أبوظبي.

طيف الأميري

المحميات مقصد سياح العالم
في إطار البحث عن حلول استباقية تواكب رؤية 2071، تسعى الإمارات إلى التوسع في إنشاء المحميات الطبيعية لحفظ التنوّع البيولوجي، وحماية النظم الأيكولوجية والموائل الطبيعية، وإعادة الأنواع المهددة إلى بيئاتها الطبيعية، بالإضافة إلى جذب المزيد من السياح المحبين لاستكشاف المعالم الطبيعية، مع وضع مبادرات مبتكرة طموحة لتحويل أراضي الدولة إلى مناطق بيئية مستدامة تضم أشكالاً وأنواعاً عدة من الكائنات الحية.
وتسعى الإمارات لتحقيق تلك الأهداف من خلال مواجهة الضغوط البشرية والطبيعية التي يتعرض لها التنوع البيولوجي وأنظمته الأيكولوجية البرية والبحرية، وفي مقدمة الضغوط التغير المناخي الذي يؤثر على قدرة الأنواع على التكيف، وتغيير استخدامات الأراضي، بالإضافة إلى التلوث الناجم عن الأنشطة البرية والبحرية، وتدهور التربة وزيادة نسبة ملوحتها وما يرافقها من تأثير على قدرة النباتات على النمو، والرعي الجائر والصيد الجائر، والتجارة غير المشروعة في بعض الأنواع.
وتتميز دولة الإمارات إلى جانب التنوع الكبير في التضاريس من سهول ووديان وجبال ومنحدرات وجروف صخرية وشواطئ جميلة، بثراء البيئة والتنوع الأحيائي، وهو ما يوفر لها فرصاً حقيقية في مجال تحويل هذه الطبيعة إلى واحد من أهم عناصر الجذب السياحي.
ويتزايد الاهتمام بالمحميات الطبيعية في الإمارات بشكل مطرد، حيث ارتفع عدد المحميات الطبيعية المُعلنة في الدولة نتيجة للجهود المبذولة في هذا الشأن من 19 محمية عام 2010 إلى 44 محمية في نهاية 2019، منها 16 منطقة محمية بحرية و28 منطقة محمية برية، وتبلغ مساحتها الإجمالية مجتمعة نحو 19.000 كليومتر مربع، وتشكل 15.07% من إجمالي مساحة الدولة، كما ارتفع عدد المناطق المحمية التي تم تسجيلها كمحميات أراضٍ رطبة ذات أهمية عالمية في إطار اتفاقية «رامسار» من محميتين عام 2010 إلى 10 محميات عام 2019، وحققت الدولة الهدف العالمي المتعلق بالمحميات الطبيعية، إذ تجاوزت مساحة المحميات البرية في الدولة 17%، من إجمالي المساحة في حين وصلت مساحة المحميات البحرية إلى 12.53%.

مقومات بيئية
وقالت طيف الأميري، مدير إدارة الاتصال الحكومي في وزارة التغير المناخي والبيئة: «إن دولة الإمارات تتمتع بمقومات بيئية تؤهلها إلى الاستمرار في جذب السياح المحبين لاستكشاف المعالم الطبيعية للدولة. إذ تستقطب المحميات الطبيعية التي تميز الدولة السياح من كل أنحاء العالم، بدرجة تفوق المستهدف في الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي، وبالإضافة إلى المحميات الطبيعية المعلنة رسمياً، هناك العديد من المناطق المحمية غير المعلنة رسمياً وتتمتع الكثير منها بسمعة إقليمية ودولية مرموقة، مشددة على أن تجربة الإمارات في مجال المحافظة على المناطق المحمية والموائل تجربة غنية، حيث حققت جهود المحافظة على الموائل وتوفير ملاذ آمن للأنواع البرية والبحرية المعرّضة والمهددة بالانقراض في دولة الإمارات، إنجازات مهمة، أهّلتها للاستمرار في احتلال المرتبة الأولى على الصعيد العالمي في معيار (المناطق المحمية البحرية) في مؤشر الأداء البيئي العالمي مؤخراً، وهو إنجاز نحرص على الاستمرار في تعزيزه من خلال تنفيذ المزيد من الإجراءات والتدابير لكل أنواع المناطق المحمية».
وأوضحت الأميري أن جهود دولة الإمارات للمحافظة على التنوع البيولوجي واستدامته تركزت خلال السنوات الأخيرة على حماية الموائل وتأهيلها والتوسع في إقامة المناطق المحمية، وحماية الأنواع المهددة بالانقراض واستدامتها.

سيف الغيص

3 سلوكيات مرفوضة مجتمعياً
بعيداً عن التحديات البيئية العالمية التي تشترك البلدان في إيجاد حلول لها كونها تمسّ الإنسان أينما كان، يتمنى العديد من الإماراتيين اختفاء 3 سلوكيات مرفوضة مجتمعياً هي تحطيب السدر وتدمير النباتات والمسطحات الخضراء والصيد الجائر، يقول المواطن سعيد حسن الشحي إن أكثر ما يقلقه هو التحطيب الجائر لشجرة السدر، والقطع العمد لأغصانها واستخدامها للطبخ والشواء والنجارة أحياناً، لافتاً إلى أن السدر من الأشجار المحلية المهمة ولها فوائد وخصائص علاجية وغذائية وجمالية كبيرة. وأشار إلى أن كل ما يتعلق بتلك الشجرة مهم ونافع سواء ثمرتها أو أزهارها أو أوراقها، منوها بأن نحل العسل يرعى عليها لإنتاج أغلى أنواع العسل لما له من فوائد صحية عالية.
بدورها، قالت الوالدة حمدة الحبسي من رأس الخيمة إنها تحزن كغيرها من المواطنين عندما تُقطع شجرة سدر للتدفئة في الشتاء أو للطهو في شهر رمضان .
ونوّهت بأن هذه الشجرة «مباركة» ومنقوع أوراقها يستخدم لعلاج أمراض الصدر والتنفس، والإسهال، وتقوية جهاز المناعة، وكانت تستخدم بعد طحن أوراقها لتجبير الكسور وعلاج جرب الجلد، وعلاج فطريات القدمين وغيرها، ناهيك عن ثمارها الطيبة.
وأضاف محمد خان أحد تجار وبائعي الحطب أن فترة الشتاء من أكثر الفترات التي يزيد فيها الإقبال واستهلاك حطب السدر، والتي يتم جلبها من المناطق الجبلية لمواجهة الطلب المتوقع عليها إلى جانب حطب شجرة «السمر» «والغاف». مشيراً إلى أن بعض الأهالي يقومون بتوفير الحطب بأنفسهم.
وقالت مريم السلحدي إن الدولة مهتمة بالحفاظ على الطبيعة والبيئة، مشيرة إلى أن عام 2018 شهد زراعة ما يقارب 1000 شجرة سدر في مختلف المناطق،بخلاف 1747 شجرة أخرى زرعتها إحدى المؤسسات، بهدف تخفيف 37 طناً مترياً من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
وأكد الدكتور سيف الغيص مدير عام هيئة حماية البيئة والتنمية برأس الخيمة أهمية شجرة السدر بيئيا وصحيا، موضحاً أنها تنتمي إلى الفصيلة النبقية، وهي أشجار دائمة الخضرة كثيفة ومتساقطة الأوراق وذات جذع متفرع لأفرع متعرجة يصل ارتفاعها من 3-9 أمتار. وأوضح الغيص أن الأجداد كانوا يستخدمون خشب شجرة السدر في صناعة السفن، ويستعينون به في علاج الحصبة والحويصلات الصفراوية ومشاكل المعدة، مؤكدا أن الشجرة الواحدة توفر قدرا من الأكسجين يعادل ما يستنشقه 10 أشخاص في سنة.
الهاجس البيئي الثاني عند المواطنين هو تدمير المسطحات الخضراء والنباتات بفعل السيارات أو الدراجات والشواء، ما يضر بعملية تنقية الجو وإزالة الملوثات.
ويوضح المواطن جاسم مروان الشحي أن مشكلة التفحيط تدمّر المسطحات الخضراء وتقتل الكائنات الصغيرة التي تقتات منها، لافتاً إلى أنه في فترة ما بعد الشتاء تبدأ الأعشاب وبعض الزهور في النمو في مناطق رأس الخيمة بشكل خاص والدولة بشكل عام، فيما تتسبب السلوكيات السلبية في قتل تلك النباتات، مطالباً بضوابط أكثر صرامة للمخالفين.
يوضح المواطن أحمد السويدي الذي يهوى صيد السمك أن أكثر ما يقلقه هو تحول رحلات صيد النزهة إلى صيد جائر، معبراً عن اعتراضه على من يصطاد أنواعا من الأسماك خلال فترة تكاثرها، وطالب بعدم التهاون في تطبيق الإجراءات القانونية على المخالفين لقانون منع الصيد أو جمع المحار.
وقالت هيئة حماية البيئة إن هناك رقابة مشددة على عمليات الصيد داخل الخيران التي تعد محميات طبيعية للأسماك، حيث تتخذها أماكن للتكاثر ووضع والبيض، بهدف الحفاظ على الثروة السمكية ومنع جميع أشكال الصيد الجائر. ولفتت إلى أن فرض الغرامات ساهم في خفض هذه المخالفات.

«كنوز الطبيعة» يدعم الاقتصاد الأخضر
أطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة مشروعاً وطنياً، يستهدف الاهتمام والترويج للسياحة البيئية في الإمارات تحت مسمى «كنوز الطبيعة في الإمارات»، الذي يعد منظومة مرحلية للترويج لمقومات السياحة البيئية في دولة الإمارات. وأكدت طيف الأميري، مدير إدارة الاتصال الحكومي في وزارة التغير المناخي والبيئة اهتمام الوزارة بالسياحة البيئية المستدامة، لدورها في حماية التراث الطبيعي والثقافي، وتعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر، والحدّ من التصحر والتلوث. ويشكل هذا النوع من السياحة المستدامة سوقاً تدعم الفنادق وشركات الطيران والشركات السياحية. ولفتت إلى امتلاك الدولة للعديد من المناطق المؤهلة لهذا النوع من السياحة، ومنها محمية مروّح البحرية، ومحمية المها العربي الطبيعية، ومحمية جبل علي البحرية، ومحمية رأس الخور للحياة الفطرية، ومحمية جزيرة صير بونعير، ومحمية وادي الوريعة الوطنية، ما يبشر بنتائج واعدة في ظل المحافظة المستمرة على تحقيق التنوع البيئي.

13000 مخالفة
حررت دائرة الخدمات العامة في رأس الخيمة، من خلال الدوريات الرقابية «راقب» 13 ألف مخالفة العام الماضي، بينها مخالفات الشوي المباشر على المسطحات والشواطئ. وأوضح عبدالله حمد الشحي، مدير وحدة الرقابة أن الدائرة تسير نحو 54 دورية تغطي المناطق البرية والشوارع الرئيسة والشواطئ ومناطق الكورنيش القديم وفي المعيرض والرمس، بالإضافة إلى كورنيش القواسم وشاطئ منطقة الندية وغيرها، لافتاً إلى أن المخالفات تتركّز بالتجاوزات البيئية.