الاتحاد

الاقتصادي

إنذارات الركود العالمي لم تنطلق رغم فوضى السوق

توقع الكثير من الأخطاء الاقتصادية في 2019

توقع الكثير من الأخطاء الاقتصادية في 2019

يتزايد قلق المستثمرين بشأن احتمال حدوث ركود في الدول المتقدمة، إلا أن العديد من الاتجاهات الاقتصادية لا تتلاءم مع الأنماط التي أدت إلى حدوث هبوط سابق.
الأسهم آخذة في الانخفاض، والفجوة بين الأوراق المالية طويلة الأجل وقصيرة الأجل في سندات الخزانة الأميركية تتقلص، وهي من العلامات البارزة في فترات الركود السابقة، كما انخفضت أسعار النفط بشكل حاد، ما يشير إلى ضعف الطلب العالمي ووفرة المعروض.
ومن بين اقتصادات الدول الصناعية السبع الكبرى، شهدت ألمانيا وإيطاليا واليابان انخفاضاً في النشاط الاقتصادي خلال الأشهر الثلاثة حتى سبتمبر الماضي. كما أن اقتصاد الصين، أحد محركات النمو العالمي، لا يختلف كثيراً عن الوضع المماثل في الدول الصناعية السبع الكبرى.
وتعد مخاوف المستثمرين من حدوث تراجع اقتصادي لا يعلم أحد مداه أمراً منطقياً، في ظل عدم اليقين الاقتصادي الذي يمر به العالم منذ فترة، ما يمثل تهديداً حقيقياً للمستثمرين.
وفي حين تم التوصل إلى هدنة في المشاحنات التجارية بين الولايات المتحدة ودول اقتصادية كبرى في آسيا والاتحاد الأوروبي، فإنه لم يتم التوصل إلى حل طويل الأمد.
في الوقت نفسه، تواجه المملكة المتحدة، التي لا تزال واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، خروجاً بشروط غير محددة وواضحة عن الاتحاد الأوروبي في مارس القادم.
وقام الخبراء الاقتصاديون في شركة «يو بي إس» بفحص 120 حالة ركود في 40 دولة مختلفة على مدار الأربعين سنة الماضية، للحصول على أدلة حول سلوك الاقتصادات قبل حدوث الركود.
وشمل ذلك الرصد الأوضاع في الأسواق المختلفة، على سبيل المثال، ما يحدث لإنفاق المستهلكين وأسعار المساكن والإقراض المصرفي والواردات والإنتاجية والعمالة.
وقال أرنيد كابتسن وبيير لافوركيد من شركة «يو بي إس»: «نكتشف أنه على أبعاد عدة، فإن سلوك البيانات على مدار الأرباع الأربعة الأخيرة في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان لا يتطابق تماماً مع أي من حالات الركود التي حدثت منذ عام 1980 وحتى اليوم».
وقال كابتسن، في مقابلة صحفية، إن النموذج يتوافق مع «التباطؤ الحاد» في النمو العالمي، ولكن ليس نهاية دورة الأعمال، فنمو الإنتاجية والإنفاق الاستهلاكي، على سبيل المثال، يميلان إلى التباطؤ قبل حدوث الانكماش.
وفي الولايات المتحدة تم رصد هذا النوع من السلوك. على سبيل المثال، ارتفع الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة بنسبة 2.9% في أكتوبر مقارنة بالعام الذي سبقه، مع تعديل التضخم.
وهذا بالتأكيد يعد أفضل من المعدل البالغ 2.4% خلال السنوات الأربع الماضية. إلا أنه في الوقت ذاته، كان النمو في إنتاجية العاملين في الربعين الثاني والثالث من العام المالي الأخير من بين الأفضل من حيث النمو.
أما في اليابان، فتتقدم معدلات العمالة بثبات، في حين أن الاستثمار في منطقة اليورو في ازدياد، وهو أمر لا يدل على قدوم انكماش وشيك، مثلما كان الوضع في الانكماشات التي وقع في الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية.
وبالفعل، عندما تكون هناك مؤشرات جلية لحدوث ركود اقتصادي وشيك، فإن الأمر لن يخفى على أحد وستكون هناك أسباب محددة لذلك.
في إيطاليا، أثارت مواجهة الحكومة مع الاتحاد الأوروبي بشأن ميزانيتها مخاوف المستثمرين ودفعت تكاليف الاقتراض الخاصة بها، إضافة إلى تكاليف الشركات. ويعتقد الاقتصاديون أن هناك مخاطرة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى حدوث انكماش في الاقتصاد الإيطالي خلال هذا الربع من العام المالي، وفي حالة حدوث هذا التراجع فإن مخاوف المستثمرين ستتزايد بشكل كبير، ما قد يفاقم من المعاناة الاقتصادية في إيطاليا، وربما يحجم المستثمرون عن ضخ الأموال للاستثمار هناك، حتى تتضح الأمور بشكل أفضل.
في غضون ذلك، حذر بنك إنجلترا من أن الخروج غير المنظم من الاتحاد الأوروبي سيترك البلاد في مرحلة تخبط اقتصادي ربما يطول أمده. مشيراً إلى أنه إذا حل الموعد المقرر لانفصال البلاد عن الاتحاد الأوروبي من دون التوصل إلى اتفاق واضح المعالم بين الطرفين، فإن إنجلترا ستترك في حالة ترنح ولو لبعض الوقت، من أجل التكيف مع التعريفات الجمركية الجديدة. هذا بالتأكيد سيكون له رد فعل سلبي على اقتصاد البلاد الذي يتوقع أن يشهد انكماشاً ملحوظاً في العام المقبل.
في كلتا الحالتين، من الواضح ما الذي يمكن أن يُسببه الركود، في إيطاليا وإنجلترا، فارتفاع تكاليف الاقتراض بشكل مفاجئ وفقدان الثقة من الواضح أنه سيتسبب في الركود في إيطاليا، والحواجز التجارية المرتفعة بشكل حاد والمتوقعة عقب الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في مارس القادم سيكون أيضاً له تأثيره السلبي وسيؤدي حتماً لركود.
بينما على الصعيد العالمي، فإن الحروب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة من جهة وعدد من القوى الاقتصادية في العالم سيكون لها أيضاً تأثيراتها السلبية المباشرة على النمو الاقتصادي العالمي، رغم أنه خلال الأشهر الماضية تقلص حجم المواجهة التجارية التي أطلق عليه الخبراء حرباً تجارية إلى خلاف تجاري، وربما يشهد حلاً قريباً.
وتوصل الاقتصاديون في «جي بي مورجان» إلى استنتاجات مماثلة حول توقعات النمو. وقاموا ببناء العديد من أنظمة الإنذار التي تطلق التحذيرات في حالة حدوث الركود الوشيك، ويستخدم هؤلاء الخبراء القياسات الاقتصادية العالمية وقياسات أوضاع الأسواق شرقاً وغرباً في تحليل سلوكيات الأسواق العالمية لمعرفة زمناً تقريبياً لاحتمال حدوث ركود عالمي واسع.
ويضع المؤشر الأميركي الذي يستخدم البيانات الاقتصادية فقط احتمالاً بنسبة 21% في التراجع خلال الأشهر الـ 12 المقبلة، مرتفعاً قليلاً في الأشهر الأخيرة، إلا أنه لا يزال دون المستويات التي وصل إليها في عام 2016.
والمؤشر الذي يستخدم سلوك السوق المالي، مثل تغيرات أسعار الأسهم والتغييرات في عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، يضع الاحتمال عند مستوى أعلى بكثير تصل نسبته إلى أكثر من 36%.
وقال بروس كاسمان كبير الاقتصاديين في «جي.بي مورجان»، إن بعض المؤشرات الاقتصادية التي تشير إلى الانتكاسات مثل التغير في هوامش أرباح الشركات تحسنت هذا العام، بدلاً من التدهور الذي كان متوقعاً لها من قبل.
وأضاف كاسمان: «نحن في تباطؤ، ليس هناك شك في ذلك، لكني لا أشعر أن هناك انهياراً وشيكاً قد يحدث، فالتأثيرات السلبية الأخيرة لم تصل بعد إلى أسس النمو الاقتصادي».
ويرى كاسمان أن نسبة عالية من خطر الركود لن تكون قبل 3 إلى 4 سنوات، موضحاً أن هناك مخاطر منخفضة في الأشهر الـ 12 المقبلة. وقال إن الأسواق قد تستجيب لهذا الخطر على المدى الطويل.
يذكر أن تقرير الوظائف الأخير في الولايات المتحدة والذي يعد إيجابياً بدرجة لافتة، قد بدد الكثير من المخاوف من الركود في البلاد. فقد أضاف أرباب العمل في الولايات المتحدة أكثر من 155 ألف شخص إلى كشوف مرتباتهم في نوفمبر الماضي. وكان هذا الرقم أقل خلال الأشهر السابقة، ما كان ينذر بالخطر.
وخلال 11 شهراً في 2018 توسعت قوائم الرواتب في الولايات المتحدة بمقدار 2.268 مليون وظيفة، وهي بالفعل أفضل من نمو الوظائف لعام 2017 بأكمله. مع ذلك، تراجعت أسعار الأسهم بعد صدور التقرير.
وما يثير مخاوف المحللين الاقتصادين بالنسبة للوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة أن النمو الأميركي مستمر لفترة طويلة تُعد الأطول في تاريخ البلاد، حيث من المعتقد أن استمرار النمو لفترة بالتأكيد يعقبه فترة من الركود. ولكن هذا الأمر ليس حتمياً، فلا يعني استمرار النمو لفترة أنه بالضرورة مقدمة لانهيار اقتصادي. فقد تمتعت أستراليا بالنمو الذي استمر لمدة ربع قرن.
وينتهي النمو عندما يحدث شيء خاطئ، مثل التضخم الذي يسمح له بالارتفاع أكثر مما ينبغي، أو فقاعة في أسعار المنازل التي تنهار وتهوي بالاقتصاد بالكامل، أو بنك مركزي يدفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع أكثر من اللازم.
لا يزال هناك الكثير من الأمور السيئة في الاقتصاد العالمي في عام 2019، بما في ذلك المواجهات التجارية بين الاقتصادات الرئيسة التي يمكن أن تتحول إلى حرب باردة جديدة. لكن دعنا نتفاءل من حيث إن البيانات الاقتصادية لا تقول إن المواجهات التجارية وشيكة، وبالتالي مازال هناك أمل في التوصل لتفاهمات بين الدول المختلفة في هذا الشأن.

بقلم /‏‏ بول هانون

 

اقرأ أيضا

احتدام الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين