الاتحاد

دنيا

الصقور·· شهب الأعالي

اقتناء الصقور وتدريبها هواية متوارثة

اقتناء الصقور وتدريبها هواية متوارثة

يطلق جناحيه في المدى، يصعد عالياً، ليفض شفافية الفضاء، وينفض نثار الغيوم عن ريشه، مقتحماً بنظراته الحادة لازورد الأفق، ثم ينزل كبرق على طريدته·
بينما ينطلق مالك الصقر والصقار، في رحلات القنص أو المسابقات، كل منهما يمارس تحليقه -أسوة بالصقور- بطريقة تعبّر عنه، ففي حين تحلّق نظرات المالك تطارد أجنحة صقره، تحلق البهجة في نفس الصقار لأن صقره عاد بالغنيمة، وكان الأسرع بين أقرانه في صيد الحبارى· فنجاح الصقر في مهمته يعني أكثر بكثير من قدرته على الانطلاق خلف الطريدة والإتيان بها، فالشعور بالفوز المقرون بالقوة والشجاعة، هو الرمز الأساس لدى هواة هذه الرياضة التراثية·
وقد أمكن ملاك الصقور في الإمارات، بفضل فطنتهم وتقديرهم لهذا التقليد التراثي، توجيه صقورهم ومساعدتها خلال وجودها مع المدرب، قبل وأثناء القنص· فهذا الحب لتلك الهواية- الرياضة المتوارثة جيلاً بعد جيل، دفعهم إلى التعامل برفق وعناية فائقة مع الصقور، وفي الإشراف على تدريبها الذي يعتبر من أفضل طرق التدريب بين مثيلاته عند أصحاب الهواية والممارسين لهذه الرياضة في العالم·
رياضة تراثية
إلى ذلك، يشير الباحث عبدالرحيم الحبوني، في كتابه ''الصيد بالصقور بين العلم والتراث'' إلى أهمية الصقور والقنص بالنسبة لمنطقة الخليج، لافتاً إلى نشأة هذه الرياضة التراثية ''يعود تاريخ رياضة الصيد بالصقور، إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث بدأ صيد الصقور في العراق على أيدي الصيادين العراقيين في المناطق الوسطى والجنوبية منها، وكان الصيد منذ ذاك الوقت يعتبر هواية لبعض الصيادين، ومصدر رزق لبعضهم الآخر، إذ أدى ذلك إلى انتشار عملية الصيد وامتدادها إلى الجوار الجغرافي في الجزيرة العربية ومنطقة الخليج في مطلع القرن العشرين، لكنها تنامت واتسعت منذ منتصف القرن العشرين، بحيث باتت الرياضة التراثية الأحب في المنطقة، بعد سباقات الهجن والخيل، تقام لها معارض ومهرجانات وفعاليات مختلفة تخدم انتشارها''·
ويستخدم الصقار مجموعة من الأدوات الخاصة بتدريب الصقور خلال تعليمها القنص، وهي بحسب إبراهيم العلي- بائع أدوات صيد، تتألف من (مخلاة وسبوق وتلواح ومرسل وراصد ووكر ومنقلة وبرقع) ويشرح استخداماتها قائلاً: ''يحتاج الصقار أثناء تدريب الصقر وكذلك أثناء الصيد إلى ''المخلاة'' وهي كيس قطني أبيض، مرفق به حمالة تمكّن الصقار من التحكم في طولها عندما يضعها على كتفه من خلال الفتحة الصغيرة المثبتة في طرف المخلاة ثم يعقدها لربطها· وهناك ''السبوق'' وهو خيط سميك ملون مصنوع من البلاستيك، طوله ما بين 40- 30 سنتيمتراً، عبارة عن قطعتين متساويتين في الطول، تربط من إحدى طرفيها أرجل الصقر، والطرف الآخر يثبت في ''المرسل'' وهو الجزء الثاني المكمل لإحكام القبض على الصقر خشية وثوبه أو هروبه، ويصنع من خيط أكثر سماكة من خيط السبوق، ويصل طوله نحو متر، ويتألف الخيط بدوره من ثلاثة أجزاء يفصل بينها مشبك من الحديد، تنتصفه صامولة معدنية، تدور في كل اتجاه ومركزها ثابت، تفيد في الربط بين وصلتي المرسل، وتتيح للصقر التحرك في كل اتجاه· وهناك ''التلواح'' عبارة عن جناح طير الحبارى يربط بحبل طويل، يستدرج به الصقر للطيران خلفه''· وأخيراً هناك ''الراصد'' وهو جهاز لتعقب الطيور، يستخدمه الصقار خلال رحلة القنص لمعرفة مسار صقره·
وثمة أدوات أخرى خاصة بتدريب الصقر، لكنها ليست من صلب عملية تدريبه، يشير إليها العلي، قائلاً: ''هناك ''الوكر'' الذي يصنع بأطوال مختلفة بحسب رغبه الصقار وحجم الصقر وطبيعة الأرض التي يدق فيها· وهو مجثم يربط إليه الصقر بغية الراحة أو النوم، مؤلف من وتد حديدي مكسو من منتصفه بالخشب، وقمة الوكر أسطوانية الشكل ومحشوة من الداخل بالقش الطري، ومكسوة من الخارج بالمخمل أو الجلد الناعم أو العشب الاصطناعي، ليتمكن الصقر من الوقوف عليه طويلاً دون أن يتعب· وهناك ''المنقلة'' وتعتبر الدرع الواقي لساعد للصقار من مخالب الصقر حين يقف عليها، وهو عبارة عن قطعة من القماش السميك محشو من الداخل بالخيش أو القماش الطري المكسو من الخارج بالمخمل، وتتيح له فتحة المنقلة أن يخرج أصابعه منها ليطعم صقره أو يمسكه أو يهدهده· وهناك ''البرقع'' وهو قناع جلدي أو مخملي بحجم وجه الصقر له فتحة صغيرة في منتصفه يخرج منها منقاره، يضعه الصقار على وجه صقره بواسطة العرف الذي يعلو قمة البرقع ثم يثبت بواسطة شدادتين تصنعان من نفس نوع الجلد، يتحكم الصقار بالبرقع من خلالهما''·
اختلاف القدرات
ويأتي تحلي الصقار الماهر بمراعاة دقة التدريب والتعرف إلى حالة صقره ومعرفة ميزاته والفرق بين صقره وباقي الصقور، ضمن أهم خصائصه كمدرب، يقول أحمد البلوشي- صقار: ''يقوم المدرب بتعليم صقر كل موسم، لأنه يحتاج مدة تدريب ؟؟- ؟؟ يوماً كي يستطيع معرفة مدربه وسماع ندائه وتلبية أوامره، ومن ثم اتقان القنص· فجميع الطيور تتلقى التدريب، لكن على الصقار المدرب إدراك الفوارق في طرق اصطياد كل صقر لطريدته، فهناك صقر يخشى مهاجمة الحبارى وهي على الأرض، لأنه يخشى عقص أرجلها القوية، أو أن تقذفه بسلاحها القوي اللزج ''طمل''· وهناك صقور تحب مهاجمة الطرائد في الجو، وتجيد مناورتها في أثناء التحليق والطيران، وتتحين الفرصة لاقتناصها· وهناك صقور تحب المهاجمة والمطاردة والانقضاض على الطريدة وهي على الأرض، فترهبها وتفقدها مقاومتها إلى أن تستطيع الفوز بها· فكل صقر يختلف عن الآخر في قدراته وإمكانياته، وهذا كله من الأمور الهامة المفترض أن يكتشفها المدرب في صقره''·
ويتضح أنه من خلال اكتشاف تلك القدرات لدى مختلف الصقور، يستطيع مالكو الصقور بدورهم معرفة أنواع الصقور وميزات كل نوع منها، وكيفية التعامل معها لئلا تجزع، لذا يحرص كل مالك على صقره ويرتبط به حدّ التعلق ؟أحياناً- أو الحزن عليه إذ ما أصابه مكروه·
يقول سالم المزروعي، مالك صقور: ''احتاج طيري إلى تدريب شهرين فقط، بعدها بات ينافس في مهرجانات خاصة بالصيد، ويسابق على المراكز الأولى، لكن موته فطر قلبي لأنني أحبه وأعتز به، وقد اقتنيت صقراً جديداً من نوعية مماثلة''·
فيما يقول صديقه هزاع المهيري- مالك صقور: ''بعد تدريب استمر نحو 40 يوماً، استطاع طيري ''اسمه النواف'' أن يتعرف علي كما يتعرف على الصقار، وبات يلتفت لي ويلبي أوامري خلال جولات صيد الحبارى''

اقرأ أيضا