الاتحاد

الملحق الثقافي

رجل المداهمة

عصام ترشحاني
إلى الفنان سعد يكن

(1)
بحرٌ صباحي يدخل للمقهى
وبأقمار يديهِ .. يبتكر المحارَ مجدَّداً
يراود الظلالَ من لهاثها
ويختلي بالزوبعة ..
هكذا سطور القوّة
تبدأ من الأشياء الخطرة ..
كم من الرغبات في الخطوة الأولى
لاكتشاف النار تحت قدميه ..
كم من البنفسج في رنين الشمعة الأخيرة ..؟
هل أنتظرُ في قصيدةٍ تحدّق بالوقت الشاذِّ ،
على مخملها ..؟؟
يستوقفني .. وركامي خيول زرقاء
يستوقفني صوتهُ .

في الهواء المعطرِ للوحة ..
في الوجوه التي نسيها الغبار
وأعمقَ من القبلة الحارّة ..
أعمق من صرخة الكأس
أتجمهرُ طويلاً قرب حطام اللون
خريفٌ.. رائعٌ هذه الموسيقى
التي تصدر من الأرواح كأنها أنفاسهُ
وهي تضمُّ صغار النجوم
هكذا ..
وهو يطارد شقيقة المحال
ويمسك بالبرق قبل الزّوال ..
هكذا .. ظلُهُ ..
يرمي المصابيح على النساء ...
وحين يفيض علينا ...
يتأهبُ للبراعم ..
أنتَ أيها الطيب الباهي بجميع لغات العالم
تتجول في فرشاتك الوثنية ..
كم هي جميلة .. وصغيرة تلك التي
تقطف ذهب الأنهار ... وعناقيد الليلِ
من كنايات الضوء والمقامات الضائعة
كم هي غزيرة .. وأنت وراء المطر
تفتح النوافذ
وتغتسل بالناي ..

لفضائك يا صديقي
صمتٌ مليءٌ بالأكواخ
ووجوهٌ.. نكملها نحنُ ونصغي لابتسامتها ..
لفضائك.. لذّةٌ نسمعها كل يومٍ
في أحلامنا..
وأميرةٌ فضيةٌ أوسع من الزمن ..
هل أُشوش شرفتي
وأقرأ ماءكَ في المرايا.
تحملني .. خرائب الخطوط بين أصابعك ..
وقبل أن تُصابَ بالهلع
إلى سفرٍ ..
يلتقط مسافته في قامة الوردة
تحملني إلى جسدٍ ناعمٍ
يترنحُ من العذوبةِ
ويشي بانخطافة للعدم ..
كيف لي .. أن أطلقَ الصهيل المؤجلَ
خارج حيزهِ ..
والمسوخَ إلى متاهتهم المرتعشة ..
ربما.. وأنت تحتضن بلهفةٍ
إيقاع وحدتك الغريب
تنتشل الصورة... من كابوسها
وتستدرج ما فرَّ من الأغنية
إلى مشارف الحياة ..
ربما.. والشمس في جوفكَ ..
تُشعل بنا كعادتكَ
مرارات المتعة في الغموض
لن أُراهن ..
أيها الذاهبُ في شتاءات البياض
فأنت من يفاجئنا خارج المساء
محتشداً بأحفاد الزرقة ..
أنت من يعطي الكلام
ولهَ البذرة وخضاب الوميض
تركض في مخيلة الأشجار
وكطفلٍ وحيد للهذيان
تلعب بحديقة الجحيم ..

(2)
يُحطم كلَّ شيء
ومن الجهة التي تُعذب ألوانها يبدأ رقصة ..
لنشوتهِ.. شجرٌ
يرسم الأطياف الباهظة
ويهبّ علينا..
لو نظرنا .. إلى الزهرة التي تتنزه حيث يقف
وترشقهُ بالزمرد
لوجدنا.. قلباً واحداً لعاشقين
لهما.. كل الزمن ..
إنّهُ.. بأجنحة أناملهِ
يٌجاسمُ الماء من رجيمه البعيد
يُغمد جرح ريشته في حنطة السراب..
وبسطوة ِسلطان ِحدسه،
يُفرغ الكائن من النار والهواء ..
يجعل رُعاة شعرِ اليباب
أشباحاً حمراء وبيضاء ..
وعلى القماشِ
دون توازن
بضربة الساحر
يُفلت الظلمةَ،
في عزلتهِ..
ويملأ الحرائق الباردة بالطيور
له مزاج النرجس الضليل ..
صوتٌ .. يدعو الفراغ إلى السجود
وقبل الريح يسرق حورية الظهيرة ..
فكيف لي .. أن أباغت قيلولة أرجوانهِ
وشريط أرقهِ المحروق .. ؟
كيف لي .. والشقائق الملحدة
تتراعش في شهوتهِ
وتمطر فوقي .. ؟
ثمة حلم .. وكآبة.. وهدوء ..
ثمة حنجرة ..
في حاشية الموج
ودخانٌ في فرجِ البحيرة
هل أقرأ اللهب المرتبك
وأضعُ غصناً في يَدَيْهِ ..؟
كأنهُ ..
شعاعُ دمٍ
يهاجم القلب ولا يُرى ..
فبأيِّ القديسين ..
أحرّرُ الغياهب
من شرنقته السوداء ..
دائماً ..
خارج مملكتهِ
يلبس الحزن من بهجتهِ
يعتقل الوقت والغرائز ،
والخيانة اللذيذة ..
من سرير الأسطورة
دائماً ..
يعبث بالمفردات المفترسة ..
يمجد الترف ..
وأشياءهُ المشاكسة ..
وكثيراً ..
ما يُجالس ركنهُ الصيفي
بغليونه الذي
يُدخّن الحب والموسيقى ..

هذا هو رجل المداهمة
بسيطٌ .. وعنيف
بصير بلا كتاب ...
ووطنٌ .. يبصر ما تلفظهُ الروح.

اقرأ أيضا