صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

ندرة المياه.. تتصدر تحديات التنمية بدول الخليج

محمد شمس الدين (أبوظبي)

باتت المياه تشكل أحد أكبر التحديات لأي دولة في العالم –مهما بلغ ثراؤها المائي- فالتغيرات المناخية تطرق الأبواب بلا هوادة عاما بعد عام، وازدياد احتمالات تلوث أو تلويث مجاري ومصادر المياه، أحد الأخطار القائمة، كما أن مخاوف نشوء حروب مائية باتت سيناريوهات على شفا التحقق، تسطع بوادرها متسارعة على الخارطة العالمية في اكثر من رقعة.
ولكن بالقفز فوق كل تلك المعطيات والمسلمات، فإننا نرى منذ عقود سيناريو مغايراً وأكثر تهديداً، تتضح تلك الحقيقة بجلاء حينما ننظر الى قدرات دول مجلس التعاون الخليجي، من الثروة المائية التي تبدو في أحسن الأحوال شحيحة، نتاجاً لوقوعها تحت وطأة طبيعة مناخية قاسية، ساهمت في ندرة المياه.
ولكن ما هي مسارات مجابهة تلك المشكلة، التي تتعقد يوماً بعد يوم، قياساً لازدياد عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي، والمرتبط بارتفاع مستويات المعيشية والاستقرار المجتمعي؟ وفي ظل الخطط والرؤى التنموية الطموحة التي تبنتها دول المجلس، لتعزيز مؤشرات ودروب التقدم الاقتصادي والتنموي خلال الأعوام المقبلة، إذ ان أغلب دول المجلس، اعتمدت رؤى قائمة على طرح مشاريع بنيوية وعمرانية ضخمة أنجزت منها قسطا وافرا، فيما يتم طرح مشاريع جديدة يوماً بعد يوم.
كما يثار تساؤل آخر ذو أهمية ودلالة بالغة، فهل ستستمر دول المجلس في الاعتماد على مصادر تحلية المياه التي تبدو الأكثر كلفة وتتصدر بها المرتبة الأولى عالمياً، رغم أن المنطقة تتصدر في ذات الوقت المرتبة الأولى ايضاً في متوسط استهلاك الفرد من المياه؟
واذا كانت المياه المحلاة تبدو في كافة الأحوال قدر دول المجلس، فهل ستشهد تغيراً في حجم تكاليفها الضخمة، بالنظر لبلوغ عدد محطات تحلية المياه في دول المجلس، نحو 61 محطة.

قضية عالمية
ويؤكد الدكتور محمد عبد الحميد داود، مستشار الموارد المائية بدولة الإمارات، أن قضية شح موارد المياه العذبة المتجددة باتت قضية عالمية، غير أنها تصبح أكثر تحدياً في المناطق الجافة، وذلك نظراً لأن المياه هي المكون الرئيسي للحياة وعصب التنمية، قبل أن تكون مورداً طبيعياً، ومع زيادة عدد السكان وما واكبه من زيادة مطردة في الاستهلاك، وزيادة الأنشطة الحياتية الزراعية، والترفيهية، والصناعية والتجارية، أصبح هناك ضغط متنام على موارد المياه العذبة. وأصبحت قضية شحَ المياه قضية عالمية، ومصدر قلق متزايدا فالدول التي لا تعاني من شح الكمية تعاني من تلوث وتدهور نوعية الموارد المتاحة.
وأضاف داود، أنه بالنظر لمكانة بلدان مجلس التعاون الخليجي على الخارطة العالمية، فهي تقع في الرقعة الأشد جفافاً، وتتصدر قائمة الدول الاكثر تأثراً بقضية ندرة وشح موارد المياه العذبة. ومع اكتشاف البترول في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وحدوث طفرة في التنمية السكانية ومعدلات التنمية في القطاعات المختلفة ومنها الزراعة والتوسع في الأنشطة الترفيهية والمسطحات الخضراء والتنمية الصناعية زاد الطّلب علي المياه بشكل كبير. والموارد المائية الطبيعية المتاحة في المنطقة محدودة وتتمثل في الخزانات الجوفية، والتي يعتبر معظمها غير متجدد وبعض الأودية ذات الجريان الموسمي نتيجة الأمطار في مناطق محدودة من الجزيرة العربية بينما لا توجد مصادر مياه عذبة دائمة الجريان كالأنهار.


فاتورة باهظة
ويشير الدكتور محمد داود، لبلوغ إنتاج دول الخليج العربي من مياه التحلية نحو 5 مليارات متر مكعب في عام 2016، حيث تم التوجه مؤخراً لطروحات ومفاهيم ناجحة، وهي ما يعرف بإدارة الطلب بدءاً من العام 2010، بهدف رفع كفاءة استخدام موارد المياه في المنطقة. كذلك فقد عانى قطاع المياه في دول المنطقة من ضعف الهيكل المؤسسي والأجهزة المعنية بإدارة المياه وحمايتها ناهيك عن ضعف أو عدم وجود القوانين والتّشريعات الرادعة للحد من الهدر والاستنزاف، وضعف الوعي بقضايا المياه ومشاكلها وأهميتها واقتصادياتها.
ونوه داود، للتقديرات المتوافرة والتي تشير لاستمرارية دول مجلس التعاون الخليجي في إقامة المزيد من مشاريع تحلية المياه وإنتاج الطاقة الكهربائية في السنوات القادمة حتى عام 2030 نظرا لزيادة الطلب على مياه التحلية إلى ضعف حجم الإنتاج الحالي، وهو ما يترافق مع اغلب رؤى دول المجلس التنموية، حيث يتوقع أن يصل حجم الميزانية المطلوبة نحو 30 مليار دولار بحلول عام 2030 لإقامة وتشغيل المزيد من محطات تحلية المياه. ناهيك عن استهلاك الطاقة والذي يصل إلى 30% من حجم الطاقة المستهلكة في بعض دول المجلس، كما يعد هو القطاع الأكبر مساهمة في الانبعاثات الغازية بنسبة 27% من إجمالي الغازات الدفيئة المنتجة في المنطقة. ويتفاوت حجم وتكاليف هذه المشاريع تبعا لطاقتها الإنتاجية ومناطق الإنتاج ونوع الوقود المستخدم ونوعية المياه المالحة والتقنية المستخدمة.
وأشار لبلوغ مستوى استخدام الفرد اليومي من المياه في القطاع المنزلي أكثر من 500 لتر يوميا مقارنة بمعدلات الاستهلاك العالمي التي لا تتجاوز 180 لترا على أقصى تقدير، وذلك نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة وعدم توافر مصادر ري إضافية لري الحدائق والمسطحات الخضراء بالمنازل. وقال إن القطاع الزراعي يستخدم نحو 60% من إجمالي الموارد المائية في المنطقة غير أن مساهمته في الناتج القومي لا تتجاوز 1.5% في دول المنطقة، وتصل نسبة الاكتفاء الذاتي من المنتجات الغذائية في المتوسط إلى 24%. لذا فقد أدى ذلك إلى اعتماد المنطقة على استيراد الغذاء من الخارج وواصلت فاتورة استيراد الغذاء الارتفاع حتى سجلت واردات دول مجلس التعاون الخليجي من الأغذية أكثر 53 مليار دولار أميركي في عام 2016، وفقاً لوحدة البحوث الاقتصادية التابعة لمجلة «إيكونوميست».

تقنيات ووفورات
من جهة أخرى يؤكد الدكتور وليد عبد الرحمن، نائب رئيس المجلس العربي للمياه، وأستاذ هندسة وإدارة موارد المياه في جامعة الملك فهد، أن دول مجلس التعاون الخليجي، والمملكة العربية السعودية وضعت قضية شح المياه كتحد رئيسي يواجهه بكل احترافية واهتمام، قادة وحكام دول المجلس «حفظهم الله تعالى» حيث تم تشييد العديد من المشاريع خلال العشرين عاماً الماضية ساهمت في التغلب نهائياً على مشكلة شح مياه الشرب العذبة من خلال مشاريع التحلية، فيما ساهم توطين واستقطاب التقنيات الحديثة في تحقيق خفض في مشاريع التحلية بنسبة 85% خلال الفترة الراهنة مقارنة بعقدي الثمانينات والتسعينات، وما زال السعي لتوطين اكتشافات حديثة مستمرا، ولا سيما النجاح في كافة دول المجلس في استخدام ما يعرف بتقنية التناضح العكسي، والصيانة والإحلال المستمرين للفلاتر والمكائن. واضاف الدكتور وليد عبد الرحمن، أن خفض التكاليف عبر توطين التقنيات الحديثة، امتد ليشمل خفض تكلفة الطاقة المستخدمة في عمليات التحلية.
واستبعد نائب رئيس المجلس العربي للمياه، أن تؤثر التغيرات الهيكلية التي تمر بها اقتصاديات دول المجلس في المرحلة الراهنة فضلاً على برامج ورؤى التنمية المستهدفة والحاكمة لسياقات التنمية، على خفض الانفاق على مشاريع المياه لأهمية المياه كعنصر محوري يرتبط بمجابهة متطلبات النمو السكاني والتوسع العمراني، بل يرى ان تلك التحولات ستساهم في تعظيم العائد المرجو من مشاريع المياه مع تخفيض الكلفة ورفع الجودة أو المخرجات النوعية وذلك لثلاثة مبررات منها التحول لآليات جديدة في عمليات التحلية المائية لاسيما استخدامات الطاقة الشمسية، مشيراً لمشروع عملاق في منطقة الجبيل لإقامة أول محطة للطاقة الشمسية في العالم لتحلية مياه البحر لتكون نواة لعدد من محطات التحلية على سواحل المملكة. فيما يكمن المبرر الثاني في بناء بلدان المجلس لقاعدة من العلماء والباحثين في قطاعات المياه، والثالث تأمين مصادر متجددة في أكثر من قطاع ذي صلة، مع توافر قدرات مالية ضخمة ورؤية تحديثية
وقال إن دول المجلس استطاعت تعزيز دور القطاع الخاص وإشراكه في مسيرة التنمية عبر برامج خصخصة ناجحة لاسيما التحول لخصخصة قطاع المياه، مشيراً لاطلاق يد القطاع الخاص عبر تعهيدات من حكومة المملكة العربية السعودية لتشييد وإدارة وصيانة وتوزيع المياه داخل المدن للمستهلكين، وهو ما يتوافق مع رؤية المملكة 2030، فضلا على نجاح ذلك النمط في دول المجلس الاخرى، وهذا سيقلل من الكلفة وكذلك سيرفع مستويات الجودة وتوطين الطرق الحديثة مما يعزز مفاهيم الاستدامة في إدارة أهم ثروة عرفها البشر.