الاتحاد

الملحق الثقافي

كأني أرى الناس من حِجر أمي!

شعر: أورهان ولي
ترجمة: محمد عيد إبراهيم


هل أنت حيٌّ؟
كنتُ ألحظُ قلبكَ خافقاً
ونحنُ نثبّت الذيلَ
بطائرةِ الشيطانِ التي ركّبناها معاً.
لم يخطُر ببالي ساعتَها
أن أُبلّغكَ عمّا أحسّ بهِ تجاهكَ
ويثورُ الآنَ عندي سؤالٌ: أأنتَ حيٌّ؟

صبح
أُقيمُ يدي على وجهِ البحيرةِ،
كالشجرةِ التي تزخرُ بالأغصانِ،
ثم أُحدّقُ في الغمامِ،
كناقةٍ تخبّ أمامَها في ضجّةٍ
كي تبلغَ الأفقَ قبلَ الغروبِ.

معيارية
أحبّ النساءَ الجميلاتِ،
وأحبّ النساءَ العاملاتِ
لكن أحبهنّ أكثرَ؛
النساءَ العاملاتِ الجميلاتِ.

حانة
لم أعُد أحبّها،
فلماذا أذهبُ للشرابِ
كعادتي كلّ ليلةٍ، وأفكّرُ فيها؟

قصيدة ذات أجراس
نحنُ العمالَ ذوي الياقاتِ البيضِ
بالتاسعةِ، الثانيةِ عشرةَ، بالخامسةِ
نهزّ أكتافَنا عندَ زاويةِ الطريقِ
واللهُ القديرُ يقضي مصائرَنا:
فنرقبُ إمّا جرسَ الخامسةِ
أو أولَ الشهرِ.

قصيدة ذات رفيف
تنبّهتُ ذاتَ صباحٍ فوجدتُ
الشمسَ في قلبي، وكنتُ أرفرفُ
كالطيرِ وأوراقِ الشجرِ في رياحِ الربيعِ
وأوصالي كلُّها في عجيجٍ.
أنا الآنَ كالطيرِ وأوراقِ الشجرِ،
كالطيرِ وأوراقِ الشجرِ.

سائراً بالطريق
سائراً بالطريقِ
لمحتُ نفسي أبتسمُ:
أخمّن، يظنّون أني جُننتُ
فأبتسمُ!

ناس
ليسَ دائماً، لكن حينَ أُدركُ
أنكَ لا تحبّني،
أودّ أن أراكَ
كرؤيتي الناسَ من حِجرِ أمّي
وأنا صغيرٌ.

قصيدة عن الوحشة
مَن لم يَعِش وحدَه لن يعرفَ
كم يلهمُ السكوتُ الخوفَ،
كم يتكلّمُ المرءُ مع نفسهِ
وهو ينقَضّ من مرآةٍ على مرآةٍ
بحثاً عن روحٍ تعيشُ معهُ؛
لن يفهموا مثلي.

خبز وسحابة
يا سيدي الطيّارَ،
لدينا طائرٌ، وشجرةٌ
فهبنا سحابةً لا تُساوي فلسَين.
بطل الرواية
مطرٌ ينقرُ بابَ خيمتي
هبّةُ عصفٍ من خليجِ ساروسَ
وأنا، بطلَ الروايةِ
على أكوامِ قشٍّ أنامُ
طيلةَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ
أُشعلُ زيتَ الزيتونِ بمنتصفِ الليلِ
وأَجهَدُ في أن أعيشَ حبكةَ الروايةِ
التي تبدأُ في مدينةٍ ما
ثم تنتهي
حيثُ لا يعرفُ أحدٌ
متى أو أينَ.
شجرتي
لو كانَ عندي شجرٌ آخرُ
بالحيِّ المجاور لكم
لما أحببتكِ هكذا.
ولو كانَ بمقدوركِ
أن تلعبي معنا “الرميةَ”
لأحببتك أكثرَ من هكذا.
يا شجرتي الجميلةَ!
آهٍ، علينا أن ننتقلَ
إلى حيٍّ آخرَ
بحلولِ وقتِ جفافكِ!

حلم
حلمتُ بأمّي وقد ماتَت
فصحوتُ باكياً:
تذكّرتُ صبحَ إجازةٍ
حينَ حدّقتُ في البالونِ
التي ضاعَت بالسماءِ
ثم بكيتُ.

لكم
لكم، زملائي البشرَ،
كلّ شيءٍ لكم،
لكم، كلّ ليلةٍ، وكلّ نهارٍ، لكم،
لكم، نورُ النهارِ، وضوءُ القمرِ لكم،
أوراقُ الشجر في ضوءِ القمرِ،
المدهشُ والحكمةُ في أوراقِ الشجرِ،
الأخضرُ غيرُ المتناهي في نورِ النهارِ،
الأصفرُ لكم، والورديُّ.
ملمَسُ الجِلد براحةِ اليدِ/ دفئهُ/ نعومتهُ،
والراحةُ في الرقادِ؛
لكم، التحيّاتُ كلّها
والصواري الهفهافةُ بالمرفأِ؛
أسماءُ الأيامِ، وأسماءُ الشهورِ
الطلاءُ الجديدُ على قواربِ التجذيفِ لكم
قدما ساعي البريدِ، يدا الخزّافِ
حينَ تعرقانَ على الجباهِ
الرصاصُ المنطلقُ بجبهاتِ القتالِ؛
القبورُ لكم، وشواهدُ القبورِ
السجونُ والقيودُ وأحكامُ الإعدامِ
لكم...
كلّ شيءٍ لكم.
..............
يُعدّ الشاعر التركيّ أورهان ولي (1914 ـ 1950) أسطورة غريبة، فقد ولد في إسطنبول، وكان أبوه قائد أوركسترا سيمفونيّ، كما سُجن أخوه عدنان الصحفيّ جرّاء كتاباته الثورية، وقد درس عاماً بقسم الفلسفة في جامعة إسطنبول ثم فصلوه 1935. وعمل مترجماً ثم ساهم في تأسيس مجلة أدبية باسم “يبرق” 1949. يحمل شعره سمة المفارقة الفنية البسيطة، مع أن حياته الشخصية بائسة. أما موته فكان مثل شعره مفارقة مضحكة مبكية: فقد سقط في بالوعة بالشارع، أُصيب من جرّائها بالتسمّم ونزيف في الدماغ، ومات في ريعان شبابه، غضّاً في السادسة والثلاثين. عُرفت عنه حماسته الجارفة لكتابة الشعر، من دون عناصر أسلوبية مفرطة أو صفات ذات حسّ جماليّ، فكان يفضّل الأداء الشعريّ الأقرب إلى الشعر الحرّ من دون إيقاع، أو القصيد النثريّ البسيط من دون تكلّف بلاغيّ أو ادّعاء استعراضيّ أو عاطفية ممرضة، وهي التي كانت سمة زمانه، لكنه فضّل الإصغاء إلى صوت نفسه ليكتب نفسه بنفسه، وهو ما جعله شاعراً طليعياً في زمانه وما بعد زمانه.

اقرأ أيضا