الاتحاد

دنيا

صافية القبيسي: التراث طموحي الدائم

نطمح لنقل تراثنا المحلي إلى العالم

نطمح لنقل تراثنا المحلي إلى العالم

طيلة ثلاثين عاماً، وصافية درويش القبيسي، تسعى في ميادين التراث، علماً وعملاً، فانتسبت إلى دورات متخصصة فيه، وعملت في مجاله سنوات طوال، اكتسبت خلالها خبرات ومهارات، وحازت على شهادات تقدير عديدة، إثر مشاركات لها في مؤتمرات ومعارض محلية ودولية، وجالت أوروبا مع معارض التراث الذي شغلها دائماً· وحاضرت وحضرت ندوات عديدة محلية وخليجية وعربية تتصل في مجالي عمل المرأة وتطوير التراث·
بدأت القبيسي رحلتها عام 1978 عبر الاتحاد النسائي العام، وكان عملها في مجال العلاقات العامة، إلى أن تم ترشيحها وثلاث من زميلاتها، من قبل سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام، لمنحة دراسية للحصول على دبلوم من إيطاليا في ''الإدارة والإنتاج وتطوير المعارض'' لتدعيم أساليب التعامل ونشر التراث عبر دراسة أكاديمية، وليس بشكل عشوائي·

واتبعت القبيسي عدة دورات تدريبية، إحداها في ألمانيا، من قبل منظمة العمل الدولية، إثر حصولها على الفرصة الذهبية التي قدمتها لها الوالدة فاطمة، للدراسة والتدريب، والتي لحقت بها فرصة أخرى رائعة، شكّلت لها ''فرصة العمر''· تشير إليها القبيسي قائلة: ''بعد اجتيازنا لعدة دورات تدريبية، منحنا -المغفور له بإذن الله- الشيخ زايد، فرص العمل، فقدم لنا رحمه الله 18 وظيفة في القطاع الرسمي، تشجيعاً منه لدخول المرأة مجال العلم والعمل، وللحصول على مردود معنوي ومادي''·
وواصلت القبيسي عملها كمديرة العلاقات العامة بالاتحاد النسائي العام إلى انبثق عن القسم مطلع التسعينات ''مركز الصناعات اليدوية'' التي أدارته بجدارة وأشرفت على معرضه الدائم· تقول: ''أشرفت على المركز عدة سنوات، اكتسبت خلالها خبرة كبيرة وتعرفت عن قرب إلى الحرف والمهن اليدوية· وكانت لي مشاركات كثيرة محلية وخارجية· أفادت تجربتي في مجال التراث· وقد استقطب المركز العديد من السيدات الحرفيات، وكن آنذاك يعملن بمكافآت شهرية، وكانت الوالدة فاطمة تزورنا دورياً لمتابعتنا وتشجيعنا، كما كانت سموها تصطحب ضيوف الدولة من زوجات الرؤساء والوزراء والدبلوماسيين، إلى ''المعرض الدائم'' حيث تعرض فيه المنتجات اليدوية· ليطلعن على المهن التراثية التي كانت سائدة لدى الجدات، وإبراز دور المرأة الإماراتية في إحياء تراث بلدها والمحافظة عليه''·
عشق لا ينتهي
أحبت القبيسي عالم التراث، بخاصة المهن القديمة، وذُهلت بالنساء اللواتي ينشرن عبق الماضي ويوميات الجدات، من خلال أصابع أياديهن المبدعة، تقول عن عشقها للتراث: ''إنه شجن وحنين إلى الماضي حيث جداتنا قمن بأدوارهن في رعاية الأسرة وتوفير متطلباتها، وكافحن كثيراً وصمدن في ظل ظروف حياة قاسية· لذا فإن أكثر لحظات حياتي سعادة تمثلت بلقاء الوالدات كبيرات السن اللواتي يمارسن المهن القديمة ويعملن على انتشارها''· وتلفت القبيسي إلى نقطة هامة قائلة: ''عشقي للتراث المحلي، ينسحب في جزء منه على تراث المنطقة الخليجية، إذ يعتبر التراث في الخليج مكملاً لبعضه، ويتماثل في كثير من التفاصيل، نظراً لتشابه البيئة والظروف، فالأساسيات متشابهة ومتطابقة، بينما الاختلاف في الأزياء ومسمياتها، وتفاصيل بسيطة أخرى''·
تطوير التراث
وتدير القبيسي حالياً قسم ''تطوير التراث'' المنبثق عن ''هيئة أبوظبي للثقافة والتراث'' التي تحرص على تنشيط وتشجيع المهن التراثية، بخاصة وأن مقر القسم في صرح ثقافي يستقطب يومياً مئات الأشخاص، من مشتركين في فعاليات الهيئة، ومتابعين لأنشطتها، وزوار من مختلف الجنسيات، فضلاً عن وفود سياحية يلفتها إبداع المهن المحلية القديمة·
ويهدف القسم من خلال فعالياته إلى خدمة تراث الدولة وإيصاله إلى كل بقاع الدنيا، تقول القبيسي: ''تتوفر في القسم ثلاث مهن رئيسة هي (السدو، الخوص، التلي) تتفرع عنها عدة حرف، فضلاً عن الأزياء ''الملابس التقليدية'' والحناء والعطور· يعمل القسم على إنتاجها بهدف ترويجها معنوياً وليس تسويقها مادياً، فهدفنا التعريف بتلك المهن القديمة، وبتراثياتنا التي نعتز بها، ونحب أن يأخذ السائح إلى بلده هدايا تذكارية عن بلادنا، لذا لا يهمنا المقابل المادي لأننا لسنا مؤسسة ربحية، وهذا ما يوجه إليه دائماً سعادة محمد خلف المزروعي مدير عام الهيئة، ويؤكد على أن خدمة التراث ونشره بين صفوف الإماراتيين والمقيمين والسائحين، هو الأصل لدينا· ومن هنا يُلاحظ أن أسعار منتجاتنا تكاد تغطي قيمة المواد الخام''·
وعن السيدات العاملات في القسم، تقول القبيسي: ''لدينا سيدات بارعات في عملهن، يمتلكن مهارات رائعة في إنجاز القطع التي يعملن عليها، ويتم دورياً تقييم أدائهن، والوقوف على تقنيات عملهن وطرق إنجازهن للقطع المشغولة·
وعلى الرغم من أنه بينهن من تعمل للكسب المادي، ومنهن من تعمل لتشغل أوقات فراغها، ومنهن من تعمل حباً بالعمل في مجال المهن القديمة، ومنهن من ورثت المهنة عن والدتها أو جدتها، لكن جميعهن يعملن انطلاقاً من حب تراث الدولة والحفاظ عليه''·
وتشير القبيسي إلى توفر قطع من المنتجات صغيرة الحجم، وتوضح السبب في ذلك، وتقول: ''يرغب السائح عادة، اقتناء أية رموز أو تفاصيل أو قطع تشير إلى تاريخ وتراث البلد، لكن يفضل أن تكون القطعة صغيرة (مجسم يحكي قصة) ليسهل عليه حملها بين أمتعته·
كما تمنحه فرصة شراء عدد أكبر منها كهدايا يصحبها معه للأهل والأصدقاء، لذا نتيح للسائح فرصة شراء تفاصيل الدولة التراثية بأحجام صغيرة، تلبي هدفنا ورغبته في آن معاً''·
تشجيع دائم
ويتم تصنيف منتجات قسم ''تطوير التراث'' وفق عدة اعتبارات، تشير إليها القبيسي، وتقول: ''ينتج القسم يومياً عشرات القطع، ما بين منتجات ''السدو'' ومنتجات ''الخوص'' ومنتجات ''التلي'' وغيرها· منها للهدايا، ومنها للترويج، ومنها للتسويق المحلي، ومنها للمشاركات الخارجية، ومنها لاستمرارية إنتاجها الذي يُشعر العاملات بأهمية عملهن، ويحفزهن على مزيد من الإنجاز والعطاء''· وتلفت القبيسي إلى ظاهرة إيجابية تخص القسم، تقول: ''جذب القسم فتيات يافعات وشابات يعملن ويتدربن على صناعة الكاجوجة وأعمال التلي، ويمارسنها كهواية لتزيين منازلهن، ويضعن عليها إضافاتهن ولمساتهن المعاصرة دون أن يفقدنها أصالتها ورونقها· لذا نحن في القسم نشجع ونستقبل الراغبات بتعلم هذه المهن من مواطنات الدولة، وغيرهن الراغبات في إحياء مهن الجدات''·
مشاركات وتطلعات
لا تقتصر جهود القسم على العمل اليومي داخل أركانه، بل ثمة مشاركات عديدة له محلياً وخارجياً، تشير إليها القبيسي، وتقول: ''شاركنا مؤخراً في مهرجان ''الظفرة ''2009 في المنطقة الغربية، عبر السوق الشعبي، وعرضنا منتجاتنا المتنوعة التي تنجزها السيدات العاملات في القسم، وتضمن منتجات الحرف التي يمارسنها بنماذج متعددة الأشكال والأحجام· كما أقمنا مسابقة ضمن فعاليات المهرجان، عرض خلالها المتسابقون منتجاتهم من التفاصيل التراثية التي أنجزوها يدوياً، وكنت ضمن لجنة التحكيم التي قدمت للفائزين عدة جوائز· وتضيف: ''قبل ذلك شاركنا في معرض الصين، وعرضنا منتجات العاملات بالقسم، التي أعجبتهم ولاقت استحسان الجمهور، بخاصة منتجات حرفتي ''السدو
والتلي''· وكذلك لدينا مجموعة مشاركات خارجية في إطار مشاركة الدولة في المعارض والتظاهرات الدولية''·
وعن تطلعات القسم المستقبلية، تقول القبيسي: ''قسم تطوير التراث ماض نحو تأسيس سوق لعرض وبيع المنتجات، أكبر من الوضع الحالي· وأتطلع في هذا السياق، إلى متابعة العمل والعطاء في ''هيئة أبوظبي للثقافة والتراث'' فأنا أعتز بوجودي ضمن كوادرها، وأعطي بكامل طاقتي ساعية لإيصال تراث بلدي إلى أبعد نقطة في العالم، لأقول: هذا جزء من بلادي فشاهدوه· فهمي الأول والأخير تنشيط وتطوير الصناعات اليدوية، وثمة أفكار وطموحات كثيرة في هذا المجال، سأسعى -بإذن الله- من خلال موقعي إلى تفعيلها''·
ولمناسبة السنة الجديدة، تتمنى القبيسي أن يعم الخير والسلام في العالم، وأن تحقق الإمارات المزيد من التقدم والازدهار على كافة المستويات، ومن ضمنها التراث، وتتمنى للهيئة التي تنتمي إليها مزيداً من التطور والتقدم في مشاريعها الثقافية التي تخدم إمارة أبوظبي

اقرأ أيضا