الاتحاد

دنيا

علي فخرو: لاحقتني الخيبات من برميل القمامة إلى الوزارة!!

علي فخرو

علي فخرو

أول ما يمكن استدعاؤه في الذهن عندما يرنُّ اسم مثل علي فخرو، هو أنه وزير التربية السابق في الحكومة البحرينية، وقبل ذلك وزير الصحة، والبعثي العائد مؤخراً إلى دهاليز العمل السياسي على وقع أعمدة الدخان المتطاير من حطام حزب البعث في العراق·
لكن ذلك ليس كل شيء عنه· إنها ألقاب أو علامات تعريفه الأخيرة، لا أكثر ولا أقل· وإذا ما تتبعناه من خلال سيرة الألقاب هذه، فإن علي فخرو، هو اسم يرتبط بتاريخ طويل من الخيبات· إن وراء كل لقب خيبة، ووراء كل باب استطرقه ظلت الخيبة تلاحقه، حتى وهو هارب منها·
يجب ألا نقع في الخطأ هنا· إننا نتحدث عن خيبات أحلامه· خيبات الأماني والرغبات التي حملها معه في كل لقب من ألقابه تلك· إن اللقب واجهة، أما الحلم فهو وجهة· وبين الواجهة والوجهة عاصر الانكسارات جميعها· لنبدأ معه، من ساعة أول لقب تحصل عليه وهو ''الأول على طلبة البحرين''·
كان ذلك في العام ،1948 حين أنهى دراسته الثانوية بتفوق متجاوزاً الصعاب التي كانت تحول دون مواصلته الدراسة والسفر إلى بيروت للتحصيل الأكاديمي· كان أبوه من أصل قطري، وكان هو، تبعاً لذلك، يحمل الجنسية القطرية· وكانت الحكومة من جهتها، تبتعث الثلاثة الأوائل البحرينيين فقط للدراسة في الخارج· ولما كان هو الأول والوحيد غير البحريني، فقد برزت المشكلة·
يقول فخرو واصفاً هذه اللحظات ''لقد حظيت قضية والدي القطري وجنسيتي القطرية بمناقشات عديدة حينها، ولعب الأستاذ أحمد العمران وزير التربية الأسبق دورا كبيرا في تدبير بعثة لي، وكان تبريره أنني الأول، وبالتالي فلا مجال لاستثنائي''·
هناك في بيروت، حيث كانت الجامعة الأميركية المهاد الجامع لكل تلوينات السياسة والأيديولوجيا ''البعثيين والقوميين العرب والكتائبيين إلى جانب الشيوعيين وقلة من الإخوان المسلمين'' اكتشف الشاب الذي غادر للتو مدرسة الهداية الخليفية مخلفاً وراءه ''برميل القمامة'' الذي كان يلقي من عليه الخطب الحماسية للطلبة، ''اكتشف'' الإطار الذي يمكن أن يودع فيه مشاعره التي انبثقت على خلفية احتلال فلسطين ·1948 يضيف ''كانت الجامعة الأميركية وقتذاك تجسد كل تلاوين العروبة وكل فسيفساء الأيديولوجيات المتحركة· وكنا بالطبع قريبين من هذا البحر الزاخر، فخاضه بعضنا (···) وبعضنا شرب منه وقد يكون منا من غرق فيه''·
كان قد ابتعث لدراسة الطب، وكانت تلك خطوته الأولى التي استفتح بها مجيئه إلى بيروت، وكانت خطوته التالية في مكان آخر تماماً، مغاير لما ابتُعث لأجله: السياسة غير المشاعرية ''العمل السياسي المنظم''· كيف؟·
يوضح ''قمنا بتأسيس حزب البعث ''···'' كنت أول طالب بحريني بعثي''· وبالنسبة إلى من ذهبا معه، ماجد الجشي وعبدالجليل العريض ''فلم يكونا يهتمان بالسياسة أو بالانضمام للأحزاب سوى بعض المشاعر المتعاطفة ''الجشي تحديداً''·
يتابع مفاخراً ''كنا ندعو للمظاهرات، وكنت ألقي الخطابات الحماسية، حتى أن أديب الشيشكلي الذي دخل بجيشه للجامعة السورية بعد الانقلاب مباشرة عام ،1949 لم يزعجه شيء بقدر ما أزعجته مظاهرتنا في الجامعة الأميركية وما قلته في خطابي ذلك اليوم'' حسب تعبيره·
أما عن علاقته بميشيل عفلق، فيقول ''كانت بيننا علاقة وطيدة، خاصة وقت بدء تكوين الحزب في بيروت، فكنت أجتمع معه كلما جاء إلى بيروت من سورية، أحيانا كنت أكتب ما يمليه علي من بيانات ومنشورات وفي كثير من الأحيان أكتب التوضيحات التي يقوم من جهته بنشرها''·
نشوة تأسيس حزب البعث والمظاهرات والخطب الثورية، لم تحل دون أن يصطدم فخرو الشاب بأولى انكسارات أحلامه· يقول ''بعد تأسيس الحزب، اتصل بي أحد الإخوة من القوميين العرب، كاشفا عن نيته ومجموعة من الطلبة تأسيس حركة جديدة، وهي حركة القوميين العرب لتحمل على عاتقها فكرة الوحدة العربية والحرية''· بماذا رد عليه فخرو؟ ''إن هذه الأفكار موجودة أساسا في حزب البعث، والباب مفتوح لمن يريد الانضمام، فما الغرض من ولادة حركة جديدة؟''·
يضيف ''كانت لديه بعض الاعتراضات على الحزب، وقلت له إن هناك إمكانية للتغيير بعد انضمامه والأخوة الذين معه، ذلك أن ولادة حركة جديدة يعد انقساماً ليس في مصلحتنا''· يتابع فخرو ''لم يقتنع وتم تأسيس حركة القوميين العرب''·
وهكذا جرت الأمور· رجل لايقتنع فتتأسس حركة· وفي المقابل، رجل يتطلع إلى الوحدة فتباغته انقسامات الوحدويين أنفسهم· لكنه، وعلى الرغم من ذلك، قرر أن يسير غير عابئ بجرح الحلم·
يقول فخرو ''كان ''الثأر'' هو نقطة الخلاف بيننا، فالإخوة في حركة القوميين العرب يصرون على مبدأ الثأر من الصهيونية، وفي المقابل كنا في حزب البعث نرى استحالة تحقيق هذا المطلب''·
يضيف ''استمر الحال على ما هو عليه إلى أن اتجهت حركة القوميين العرب إلى الماركسية، ولم يكن حزب البعث من جهته بمنأى عن ذلك، إذ بدأت تظهر فيه عناصر انتهازية وتخترقه عناصر أخرى لا تحمل من فكر البعث شيئاً'' وفق تعبيره·
لكن الخيبة الأكبر لم تكن هنا· إنها هناك في الحدث/ المثال الذي كان يُنتظر منه أن يحقق الآمال العريضة التي علقتها عليه أجيال من العرب الحالمين في الوحدة والتحرر·
ففي عام 1958 قرّر فخرو السفر إلى أميركا للتخصص في الأمراض الباطنية، وصادف هذا العام إعلان قيام الوحدة المصرية السورية· وليلتها، كان برفقة صديق له قريب، يقول ''كنت أؤكد لصديقي أن الوحدة المصرية السورية ستتسع لتصبح وحدة مصرية سورية عراقية، وحتما سينضم إليها الأردن، وستحاط إسرائيل بطوق لا يمكنها الخروج منه وستنتهي الصهيونية''·
سيذهب إلى أميركا، وسيظل هناك لثلاثة أعوام، وحين سيقرر العودة عام ،1961 سيأتيه ''خبر جهينة'' باليقين من الراديو·
وكما يستذكر ''فيما كنت أستمع إلى المذياع وأنا أخف ذاهباً إلى المطار على أبواب واشنطن، وإذا بخبر انهيار الوحدة المصرية السورية''·
يتابع بحرقة ''شعرت بالألم واللوعة ''···'' ذهبت إلى أميركا وحلم جميل يراودني، وعدت والحلم قد انهار''·
وإذا كان قد عثر للخيبات السابقة على ما يخفف من حدّة إيلامها، فإنه هذه المرة بدا مستسلماً تماماً ''زاد ألمي أن حزب البعث هو من وقع على وثيقة فك الوحدة وانهيارها، كان هذا هو السبب الرئيس وراء إعلان خروجي منه'' حسب تعبيره·
وفي البحرين التي عاد إليها متخففاً كثيراً من سطوة السياسة، مارس مهنة الطب لثلاثة أعوام· ولما لم يرتضِ لنفسه أن ''يكون طبيباً بسيطاً مثل باقي الأطباء الأجانب'' قرر العودة إلى أميركا ثانية للتخصص في أمراض القلب، ومن ثم عاد ثانية لينخرط في المهنة، لكن من واسع أبوابها·
ربما كان عمله في وزارة الصحة، هو الحلم الوحيد الذي لم يمن فيه بخيبة على رغم من أن وجهة نظره الشخصية تذهب إلى ناحية أخرى ''أنا طبيب فاضل'' كما سبق له وأن صرح· وستكشف عن ذلك حادثة رمزية بسيطة وقعت له في بواكير ممارسته للتطبيب· يقول ''عرض علي طبيب إنجليزي العمل مساعداً له· ولما كنت مقتنعاً من أنني متخرج من أرقى الجامعات، فقد رفضت عرضه، وهو ما استجر علي سخريته مني ''···'' قال لي، لن تجد مرضى على باب غرفتك، فقلت له·· سنرى''·
يضيف ''قامت وزارة الصحة بتخصيص مكتب له أمام مكتبه مباشرة ''···'' بادئ الأمر كانت الحشود تصطف أمام مكتبه، وبعد شهر واحد فقط انتقلت إلي، فيما ظل هو يفتقر إلى مريض واحد بحريني يعالجه''·
كلها عامان، ويسافر أيضاً إلى أميركا للدراسة· سيعود ثانية، ليصبح مديراً للخدمات ثم أخصائياً وأخيراً رئيسا لدائرة الصحة ''قبل الاستقلال''· وفي كل ذلك، يتابع ''كنت قومياً أمارس السياسة ولكن تحت مظلة مختلفة''· كيف؟·
يقول ''استطعنا انطلاقا من البحرين أن ندب الروح والحركة في مجلس وزراء الصحة في الخليج الذي كنت قد دعوت إليه، كما أسسنا المجلس العربي للتخصصات الطبية بناء على رسالة مني شخصيا''·
أما عن تركه لوزارة الصحة (1971 ؟ 1982) ليصبح وزيراً للتربية، يجيب فخرو ''كان ذلك بطلب مني شخصياً، كنت أميل إلى التعليم، وعندما كنت وزيرا للصحة أوليت اهتماما كبيرا للتعليم''·
يضيف موضحاً ''دخلت القطاع الصحي ولم يكن به بحريني واحد، وحين خرجت منه كانت هناك كلية العلوم الصحية التي أسستها، وهي تعتبر أول كلية للعلوم الصحية على أرض عربية، كما أسست كلية الطب التي تم افتتاحها في الوقت الذي كنت أتهيأ فيه للانتقال إلى وزارة التربية''· وزيراً للتربية (1982 ؟ 1995)، تابع علي فخرو رحلة إنجازاته التي سرعان ما سترتد وتعود إلى الالتحام مع مسلسل الخيبات السابقة·
يقول ''يكفي أنني قمت بسلسلة من الإصلاحات الجذرية، وما يحسب للحكومة هو أنها لم تعترض على الإصلاحات التي قمت بها، رغم أنني لم أكن وثيق الصلة بالمسؤولين الكبار''·
''نظام معلم الفصل، الساعات المعتمدة، تأهيل المعلمين، التفريع والمؤتمرات التربوية''، هي أبرز لمسات فخرو على وزارة التربية، لكنه وعلى الرغم من ذلك، يقول ''ارتأيت الخروج''· لماذا؟·
يوضح ''لقد أسست نظاماً في الوزارة يقوم على مكافحة المحسوبية، وهو ما أغضب كثيرين عليّ ، وضعت قوانين ومعايير شفافة تنظم عملية التوظيف والترقي، لكن ذلك لم يستمر في الفترات اللاحقة'' حسب تعبيره·
الآن، يستذكر علي فخرو أيامه في الوزارة جيداً، ويتحسر لأن ''النظام الذي أسسته أدخلت عليه تعديلات شوهته، فعادت الواسطة لتعمل من نظام أدخلته بنفسي''·
الآن أيضاً، لم تعد لدى علي فخرو الكثير من الأحلام، فلقد مضى زمن الأحلام الكبيرة، لكن شيئاً ما بداخله يبدو أنه ماضٍ في إعادته إلى ذلك الصبي المعتلي برميل القمامة في مدرسة الهداية الخليفية خطيباً في الطلاب عن نكبة فلسطين ·1948 هذا الشيء هو ما أطلق عليه مؤخراً التيار العربي الإسلامي، الذي أعلن عن أنه واحد من مؤسسيه في المنامة، يعود فخرو خطيباً، ولكن هذه المرة عن نكبة العراق 2003 وماتلاها·
غغ4 5غ الشعار الذي رفعه حزب البعث العربي الاشتراكي
غغ4{5غغ شعار حركة القوميين العرب











بعد 33 عاماً من رحيلها
كوكب الشرق تغني
من المنامة: الحب كده !

















المنامة - افتتح يوم الأحد في العاصمة (المنامة) معرض ''أم كلثوم·· الهرم الرابع'' الذي يضم مقتنيات كوكب الشرق أم كلثوم بالتعاون مع معهد العالمي العربي في باريس· وضم المعرض ،الذي أقيم على أرض أحد المجمعات التجارية ''مودا مول'' وفي حضور جمهور كبير من المواطنين والمقيمين العرب والأجانب ،عدداً من الآثار الشخصية للفنانة بينها المنديل الأحمر الشهير وخطابا موجها إليها من الملك فاروق وآخر من الزعيم جمال عبدالناصر· إضافة إلى الفساتين والأحذية التي كانت ترتديها في غضون حفلاتها وجهاز الجرامافون الكبير الذي استخدمته والأوراق الأصلية للقصائد التي غنتها موقعة بأيدي مؤلفيها مثل جورج جرداق ''هذه ليلتي'' وأحمد شوقي ''سلوا كؤوس الطلا'' وبيرم التونسي ''الحب كده''· إضافة إلى متعلقات كثيرة أخرى·
والبحرين هي المحطة الأولى للمعرض بعد باريس التي شهدت انطلاقته· ومن المقرر أن يستمر لغاية شهر مارس المقبل، على أن تكون مدينة أبوظبي محطته التالية، وفق ما أوضحت رئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث الشيخة مي آل خليفة صاحبة امتياز تنظيم المعرض·
وأشرف على تصميم فضاءات المعرض مدير التصميم في شركة ميلابلو انتيريوز عمار بشير، معتمداً على رؤية تقوم على التوفيق بين اللونين الأبيض والأسود إلى جانب الكرات الزجاجية، حوالي 1500 قطعة· في حين جرى تقسيمه إلى 4 فضاءات: الأول بعنوان ''المصرية'' ويسلط الضوء على شخصية أم كلثوم وأصولها الفلاحية· الثاني بعنوان ''الموهبة''، وجرى تخصيص الجزء الأكبر منه للجانب الفني: الموسيقى، النصوص وخصوصاً الصوت· فيما عرض القسم الثالث، وهو بعنوان ''الالتزام''، ويرصد مدى انغماس أم كلثوم في الحياة السياسية سواء بوصفها مناضلة من أجل حقوق المرأة أو كمحرك للوحدة العربية· وأخيراً جمع القسم الرابع، وهو بعنوان ''الميراث''، بورتريهات وأعمال أنجزت على شرف ''الست'' لفنانين عرب وأوروبيين كبار، بينهم عادل السيوي وحسام معروف ومحمد عمر خليل وعصام معروف وحسن شعلان وجيري فتروبا وإبراهيم الدسوقي وهدى لطفي ودرنو كرمين وآدم حنين وآخرون كثر·
كما عرض في غضون المعرض رسالة موجهة لأم كلثوم من قبل رئيس مجلس الوزراء في عهد الرئيس عبدالناصر بمناسبة تبرعها بمبلغ 1000 جنيه لصالح الجيش المصري· وأيضاً جواز سفرها الدبلوماسي وسجادة الصلاة خاصتها· وجاء في رسالة الملك الفاروق إليها ''من فاروق ملك مصر -بعناية الله تعالى- إلى الآنسة أم كلثوم إبراهيم·· تكريماً منا للفن الجميل، وتقديراً لما أديت من خدمات قد منحناك نيشان الكمال من الطبقة الثالثة''·
وكان معهد العالم العربي الذي يعد من أعرق المعاهد بفرنسا وتأسس العام ،1980 قد أقام في يونيو/ حزيران الماضي احتفالية خاصّة بمناسبة مرور 100 عام على ميلاد أم كلثوم و33 عاماً على رحيلها· وكانت عبارة عن معرض متنقل ضم إليه 33 قطعة من متعلقاتها، جرت استعارتها من معرض الآثار المصري والمعرض البريطاني، إضافة إلى المأثورات الشخصية للفنانة·








مهنة شعبية تقاوم الاندثار وسوقها لايزال يعجّ بمرتاديه










ليست دكاكين خردوات ولكنها سوق حدادة




























المنامة (الاتحاد) - التكنولوجيا والنهضة الصناعية ليستا كل شيء· على الأقل، حين تعرف أن بعض الصناعات الشعبية لما تزل تلاقي رواجاً· هل سبق وأن جربت الاستغناء عن قطعة غيار أصلية تنتجها إحدى وكالات السيارات الشهيرة بأخرى مصنعة محلياً بواسطة أدوات بدائية؟·
حسناً، إذا كنت قد فعلت ذلك لمرة واحدة في حياتك فإنك قد أصبحت أحد زبائن ''سوق الحدادة'' أعرق الأسواق المرتبطة بعالم المهن القديمة في البحرين، أو إحدى شبيهاتها في أيّ من بقاع العالم·
يشرف شاكر الحداد وهو شاب لم يجاوز عقده الرابع بعد، على إحدى الورش المتخصصة في فبركة الحديد اعتماداً على وسائل تقليدية· وقد ورث المهنة من أبيه منذ أن كان يرافقه صغيراً إلى محلته في المنامة العتيقة قبل أن يجري نقلها في العام ·1986 قال ''رغم كل شيء نبقى الملاذ الأخير حين ترتفع أثمان وكالات السيارات أو يتعذر على زبائنها الحصول على القطع اللازمة''·
في منطقة السيف، أكثر الأحياء التجارية الراقية غرب العاصمة المنامة تنتصب في شكل ذراع صغير، إلى جوار عشرات البنايات الشاهقة، عدد من الورش الصغيرة المتراصة، المصطبغة بلون دخاني أسود، والتي تؤلف في مجموعها ''سوق الحدادة''·
من لا يدقق جيداً، ربما ظن أنها حفنة من الدكاكين لبيع الخردوات تنهض على غفلة من سياج المعمار الحداثي النامي بغير حد· لكنها في الحقيقة، تشكل حاضنة لواحدة من أعرق الصناعات التقليدية التي لم تزل تقاوم قدر اندثارها: الحدادة·
يقضي شاكر الذي ينتمي إلى عائلة بحرينية كبيرة اكتسبت اسمها ''الحداد'' من العمل في مجال الحدادة، بمعية سبعة شغيلة آسيويين، معظم نهاره وجزء من فترة المساء في الورشة التي تعد المصدر الوحيد لمعاشه· قال ''لا أفكر أن أتركها، ففيها خير كثير''· حالياً تقتصر مهنته على الإشراف، واستلام الطلبيات من الزبائن، ومتابعة توضيبها مع الشغيلة في الورشة·
لكن هذه مرحلة متأخرة جداً بلغها· وقبل ذلك كان قد مرّ بجميع أطوار العمل في الحدادة، منذ أن كان مراهقاً حديث التخرج من الثانوية يرافق أباه الحاج مهدي الذي ورث هو الآخر المهنة عن آبائه، إلى ورشته في المنامة إلى جانب ورش بقية الحدادين· الأمر الذي ينطبق أيضاً على الحداد فاضل أحمد مكي· غير أن الأخير، وهو في الثلاثينات من العمر، لم يستنكف بعد من دورة الشغل أو يتراخى إلى الدعة خلف أحد المكاتب الملحقة بالمحل مقتصراً على دور إشرافي·
وأثناء زيارة محرر ''الاتحاد'' إلى ورشته ظهر مباشراً إلى جانب شغيله الآسيوي العمل بنفسه وراح يستطرق صفيحة حديدية طويلة فيما تولى الأخير عملية تحميتها· قال ''نتعب·· صحيح، لكن ليس ثمة ما هو أفضل من العمل الحر''·
ورغم أن الحدادة تقوم على وسائل تقليدية، إلا أن العصر ألقى بشيء من ظلاله عليها· فالمنفاخ اليدوي القديم الذي كان يستخدم في الإحماء حلّ محله الآن المنفاخ الكهربائي· والفحم الحجري الذي كان يستجلب في السابق من الأراضي المحاذية إلى شركة نفط البحرين ''بابكو'' حل محله الآن، وبعد أن لم يعد الأخير متوفراً، فحم ''خاقة'' الذي يجري شراؤه من سوق ''الكَراشية''، مثلما أوضح الحداد·
تنتج ورشتا شاكر وفاضل العديد من الأدوات، أغلبها من وسائل تحصيل المعاش في المهن التقليدية الأخرى، مثل محاريث الزراعة والمناجل و''المحاشّ''· وكذلك بعض لوازم الإبحار، مثل ''السن'' و''الباورة'' وهما آلتان تستخدمان بعد عقدها بالحبال لإرساء القوارب في عرض البحر أو على الساحل· فيما يتفرد شاكر بإنتاج بعض أنواع الـ''سبرينغ'' المستخدم في مكائن السيارات· وهو الأمر الذي يوفر له زبائن ''حتى من بعض الشركات الكبيرة'' وفق ما أوضح·
ولايخشى شاكر من المنافسة التي ربما شكلتها الصناعات المستوردة ''ذلك أن الأثمان التي نطلبها رخيصة جداً مقارنة بالصناعات الأجنبية''· وأضاف '' ثم أن مصنوعاتنا لا تقل جودة''·
زبائن كثر، بحرينيون وخليجيون يعدون من المرتادين الدائمين لسوق الحدادة· وحسب ما أوضح شاكر ''فالعمانيون يقبلون على شراء وسائل الزراعة بأنواعها، فيما يقبل السعوديون على وسائل الصيد''· يتابع فاضل ''كثير من المحلات الكبيرة تشتري من مصنوعاتنا ثم تقوم بتغليفها تمهيداً لطرحها بأثمان مغايرة عادة ما تكون أكبر''·
التكنولوجيا والنهضة الصناعية ليستا كل شيء· حسناً، هل صدقتم الآن!

اقرأ أيضا