الاتحاد

الاقتصادي

المخلفات البلاستيكية تساهم في إطالة عمر إسفلت الطرق في الهند

هنديان يسيران بعربات تقليدية خلال جو ممطر عبر أحد شوارع نيودلهي

هنديان يسيران بعربات تقليدية خلال جو ممطر عبر أحد شوارع نيودلهي

في تسعينات القرن الماضي، كانت شركة أحمد خان الواقعة في بنجالور بالهند تصنع من مادة البلاستيك مئات الآلاف من الأكياس ومواد التغليف الأخرى كل شهر التي كان مصيرها في نهاية المطاف إلى القمامة، أما الآن فينشغل أحمد خان في استعادة مخلفات المواد البلاستيكية من مقالب القمامة وصناديقها لاستخدامها في مشاريع صديقة للبيئة.
يسعى خان البالغ من العمر 60 عاماً إلى حل اثنتين من كبريات المشكلات في الهند: الشوارع المتدهورة الحالة، وتكدس مقالب القمامة بناء شوارع باستخدام البلاستيك المعاد تدويره من المخلفات.
وقامت شركته المسماة “كيه كيه لإدارة المخلفات البلاستيكية” فعلياً ببناء شوارع يبلغ طولها أكثر من 1200 كيلومتر باستخدام 3500 طن من مخلفات البلاستيك في بنجالور التي تُعد مركز التكنولوجيا والتعهيد في الهند.
من خلال خلط البلاسيتك بالإسفلت يشكل خان مركباً يسمى البيتومين المتبلمر الذي استعمل في رصف الشوارع يكسبها مقاومة ضد العواصف الجوية الموسمية والتآكل اليومي أكبر من عمليات الرصف التقليدية.
في ذلك، يقول أحد خبراء بناء الطرق في الهيئة الهندية المختصة: “إن عمر شوارعنا يكون عادة ثلاث إلى أربع سنوات في الأحوال العادية، ولكن البلاستيك زاد هذه الفترة سنة أو سنتين”.
تزيد تكلفة بناء شارع بخلطة بلاستيكية بنحو 3 في المئة عن بناء الشارع التقليدي، ولكن يقول خان إن تكلفة تلك الشوارع في الأجل الطويل تكون أقل كثيراً بفضل انخفاض نفقات الإصلاح وإعادة السفلتة.
ويقول خبراء إنه سيجري مزيد من المشروعات التجريبية المستوفية للمعايير الفنية في ولايات أخرى في الهند خلال الأشهر الستة المقبلة تحت إشراف الجهات الحكومية المختصة التي اعتمدت هذه التقنية عام 2004 عقب سنوات من التجربة والاختبار.
يذكر أن البيتومين المتبلمر ليس مركباً جديداً، وسبق أن استعمل في الرصف في دول أخرى غير الهند، ولكن جرت العادة فيما قبل على خلط البيتومين بمادة بلاستيكية جديدة مما كان يزيد من التكلفة مع عدم تحقيق فوائد بيئية، ولكن خان يستخدم مخلفات بلاستيكية منها الزجاجات ومواد التعبئة والتغليف، ولم تكن الهند (من كبار مستخدمي البلاستيك) ولغاية منتصف تسعينات القرن الماضي حين قررت الحكومة زيادة إنتاج البلاستيك على النطاق القومي بغرض تعزيز تنافسية الصناعات عالمياً، كما انتشر استخدام البلاستيك مع انتقال مزيد من السكان إلى المدن واستيراد مزيد من البضائع الأجنبية.
الهند التي اعتادت على تدوير أحجام ضخمة من نفاياتها لم تكن متأهبة للتعامل مع زيادة المخلفات البلاستيكية بما تشمل الأكياس المكدسة في مقالب القمامة التي يفيد بعض الخبراء بأنها ربما يستغرق تحللها 1000 سنة.
وفي عام 2005 بعدما فاضت الأمطار الموسمية في مومباي، أشار خبراء إلى أن الأكياس البلاستيكية تسببت في انسداد شبكة المجاري ومفاقمة آثار الفيضانات، كما أن في مناطق يرتادها السيّاح مثل جوا ترتب على استهلاك زجاجات المياه بكثرة في نشر المخلفات على الشواطئ لتؤذي المنظر من جهة وتهدد الأحياء البحرية من جهة أخرى.
حتى الأبقار الهندية التي تحظى بالتقديس في الهند لم تسلم من المشكلة، فعقب نفوق 3000 بقرة في لوكنو عام 2000، حققت المدينة في الواقعة ووجدت أكياساً بلاستيكية في بطونها مما دل بالتأكيد على أن الأبقار قد ابتلعت الأكياس أثناء رعيها في مواقع التخلص من القمامة.
يذكر أن حكومات بعض الولايات الهندية حظرت استخدام الأكياس البلاستيكية في السنوات القليلة الماضية ولكن بنجالور لم تفعل.
وقال خان: إنه لم يكن يتخيل أن يكون صاحب مشروع صديق للبيئة، ولكن بعد اكتساب المبادرات المقاومة للبلاستيكيات القوة في منتصف تسعينات القرن الماضي أدرك أهمية حجة مناصري الحفاظ على البيئة فبدأ يهتم بمشروعه، وقام من عام 1998 إلى 2000 بتطوير تقنيته وتجربتها في أكثر من 600 حفرة في الشوارع والطرق في جاياناجر إحدى ضواحي بنجالور.
وحين تأكد خان من جدوى مشروعه، بدأ يستعين بجامعة بنجالور ومعهد الطرق من أجل إجراء الأبحاث والحصول على الدعم، وعقب عدة سنوات تخللها العديد من اختبارات الطرق، فاز خان علي بأول عقد مع بلدية بنجالور لرصف 40 كيلومتراً من الطرق.
ثم انتشر نشاط خان في مدن وولايات أخرى ورغم أنه سجل تقنية الرصف البلاستيكي باسمه في الهند، إلا أن شركات أخرى تنسخ هذه التقنية وتستعملها دون اعتراض خان على ذلك طوعاً.
ومع حظر الأكياس البلاستيكية المفروض في العاصمة الهندية ومطالبة المحكمة الهندية العليا الحكومة بالبحث عن طرائق جديدة لاستخدام المواد البلاستيكية، تبدي بلدية نيودلهي اهتماماً بمشروع خان، ويقوم حالياً معهد الطرق بالتنسيق مع دائرة الأشغال العمومية في نيودلهي لبدء مشروع في المدينة باستخدام تلك التقنية.
يتولى جمع البلاستيكيات المستخدمة في مشاريع الطرق والشوارع عمال جمع القمامة الذين يشكلون عصب صناعة التدوير في الهند، هؤلاء العمال يجمعون القمامة من البيوت والمكاتب ويفرزونها بحثاً عن مواد يمكن بيعها لوسطاء متخصصين يقومون بدورهم ببيعها إلى شركات التدوير، وتبلغ أجرة جامع القمامة عادة أقل من دولار واحد في اليوم بحصوله على 8 روبيات لكل كجم (17 سنتاً) من المواد البلاستيكية مع تفاوت الأجر حسب نوع البلاستيك، بل إن خان يعرض عليهم لغاية 10 روبيات للكيلوجرام ضماناً لاستمرار التوريد وبالتنسيق مع حكومة بنجالور، قام خان أيضاً بإنشاء نقاط تجميع قمامة في المناطق السكنية. ويقول خان إن المخلفات البلاستيكية في بنجالور تبلغ نحو 35 طناً كل يوم منها 3 إلى 5 أطنان يستخدمها يومياً في بناء الطرق والشوارع.
يتم تقطيع المخلفات البلاستيكية إلى رقائق ثم يخلط 8 أطنان منها مع كل 100 طن بيتومين، وكل كيلومتر من طريق ذي حارة واحدة يحتاج إلى نحو (2) طنين من البلاستيك.
وبعد مرور خمس سنوات على قيام خان بسفلتة أول طريق بالخلطة البلاستيكية، أثبتت الطرق قوة تحملها ويعزو خان ذلك إلى أن للبلاستيك خاصية الترابط ما يزيد من قدرة البيتومين على التماسك عند درجات حرارة مرتفع، ولما كان البلاستيك مقاوماً للمياه، فإن الطرق لا تصبح “معجونة” بالمياه وبالتالي تقل فيها الحفر ولا يلزمها سوى صيانة تقل كثيراً عن صيانة الطرق التقليدية.
غير أن هذه التقنية لم تنتشر بعد في دلهي وربما بسبب ضخامة حجم مخصصات أعمال الطرق في الهند عموماً البالغة نحو 350 مليار روبية في العام، وخشية إلحاق خسائر بالشركات المتعاقدة أصلاً على أساس عمليات الرصف التقليدي، وكذلك ربما بسبب خشية حرمان مسؤولين بالحكومة من العمولات والرشاوى التي تدفع في الخفاء.
وبعض الخبراء يقول إنه يجب الاحتراس من تعميم تقنية لم تظهر مشاكلها بعد والتنبه أيضاً إلى احتمالات الغش عن طريق إضافة مواد غير البلاستيكية إلى البيتومين.
بل إن بعض خبراء البيئة يشككون في العملية بحجة أنه ينبغي الاهتمام بتقليص استخدام البلاستيك وليس البحث عن أساليب للتخلص منه.
ويقول خان إنه محبط بسبب بطء معدل استعمال هذه التقنية وإنه يتعين على الحكومة المبادرة بجعل هذه العملية إجبارية، يذكر أن خان أنفق نحو 325 ألف دولار في تمويل البحث والاختبار الابتدائي، أما فكرة أن يكثف الاهتمام على تقليص استهلاك البلاستيك، فيقول خان إنه من الصعب تصور عالم من دون بلاستيك.


عن “إنترناشونال هيرالد تريبيون”

اقرأ أيضا

السيارات الكهربائية على طريق خفض التكلفة