الاتحاد

دنيا

أطفال غزة يحلمون بطيور الجنة

آلة الحرب الإسرائيلية بخرت أحلام الأطفال

آلة الحرب الإسرائيلية بخرت أحلام الأطفال

''رضينا بالهم والهم ما رضي فينا''، هذا لسان حال الصغار في غزة، منذ أن وعوا إلى الحياة وهم لا يجدون حولهم سوى الفقر والحرمان، مدارسهم التي تبنيها لهم الأونروا متآكلة، لا حدائق ولا متنزهات، أباؤهم بالكاد يحصلون على لقمة العيش التي تسد رمقهم، أسعد الأطفال من ينال لعبة خشبية أو بلاستيكية، وفوق ذلك كله فهم يخرجون من مدارسهم ليهرولون في الشوارع طّباعة جائلين أو ربما كمتسولين، ورغم هذه الحال المرزية التي يعيشها الأطفال في غزة حيث الحصار الجائر الذي تفرضه إسرائيل عليهم، إلا أنهم كانوا يشعرون ببعض الأمل يتراقص ويعبث في قلوبهم الصغيرة، فطالما هناك حياة تدب في عروقهم، ربما جاء ذلك اليوم الذي يحصلون فيه على أدنى متطلبات الحياة، ربما يحظون بناد رياضي وربما ينال أحدهم وجبة غذائية متكاملة وربما يقبع الآخر أمام التلفاز بعد عودته من المدرسة·
وتبخرت تلك الأحلام حين اكتسحت آلة الحرب الإسرائيلية غزة بحواريها وفقرها وطالت الصغار قبل الكبار حسب الإحصائيات الواردة من الأونروا والصليب الأحمر، وكأن تلك الآلة تقصد أولاً وأخيراً إبادة الأحلام·
بضاعة رخيصة
فؤاد هو طفل من جنوب غزة وبالتحديد من مدينة خان يونس يقول: أنا كنت بأرجع من المدرسة وبأشتغل بياع متجول، بس كنت راضي وبأفكر يمكن يوم يجي، وأصير زي الأولاد التانيين اللي بأشوفهم في التلفزيون··
فؤاد استشهد والده قبل عامين في اشتباك مسلح وأصبح يتيماً، ولا مصدر دخل لأمه الأرملة وأخواته الصغار، فأصبح يعود من مدرسته يلقي بحقيبته جانباً ويحمل صينية من النحاس رُصت فوقها بعض البضائع الرخيصة، ويظل يدور على قدميه في الحارات ومحطات الوقود، حتى يأتي آخر النهار فيلقي بجسده الصغير على فراشه المهترى ويبدأ بنسج أحلامه فوقه·
يردف فؤاد: أتمنى يصبح لي سرير لأنام عليه، وأتمنى يصبح لي مكتب وجهاز حاسوب، أنا أرى هذه الأشياء في التلفاز وأظل أحلم بها حتى يغلبني النوم·
رفعت ليس أحسن حالاً من فؤاد، فهو يعود من مدرسته ليجد أمه قد قامت بسلق أعواد الذرة ووضعتها في إناء به بعض الماء الساخن، فيقف بها على ناصية الحارة ويظل ينتظر من يشتريها حتى يداهمه المساء وينخر البرد في عظامه الرقيقة فيعود للبيت، رفعت يقول: المهم كنا عايشين أما هذه الحرب فهي تقتل أحبتنا، استشهد عمي وعائلته، استشهد جارنا الطيب والذي كان يحسن لي كثيراً، وأنا منذ بدأت الحرب لا أنام، تلاحقني الكوابيس، أتخيل الطائرات تهدم بيتنا المبني من الصفيح في المخيم وأصبح متشرداً في الشوارع·
تقول إباء وهي في الثامنة من عمرها: هاي طياراتكم جبانة لأنها بتضربنا واحنا بنلعب، إباء تفخر بأنها تحمل هذا الاسم، كانت تهوى متابعة قناة طيور الجنة وتحفظ وتردد كل أغانيها في الساعات القليلة التي يصل فيها التيار الكهربي لبيتها الصغير فهي تتسمر أمام التلفاز وتحلم مع ''رغد وسارة وعصومي ووليد'' وهؤلاء من الأطفال الذين تراهم في قناة طيور الجنة، تحلم إباء بألعاب مثل ألعابهم وحدائق مثل حدائقهم ولكنها كما تقول: ماما علمتني القناعة أضع الآن ألعابي القليلة في حقيبتي المدرسية مع كتبي وأخفيها خلف باب البيت خوفا من قصف مفاجيء يضطرها وعائلتها للهروب، اباء تقول: مابدي أموت قبل ما أسافر على عمان وأزور قناة طيور الجنة، ''اباء هذه إبنة مراسلتنا سما حسن''·
إياد ''السقا الصغير'' يقول: تركت المدرسة مبكراً بسبب فقر أبي وبحثت عن مهنة تساعد عائلتي الكثيرة العدد، حتى استطعت أن أعمل في بيع الماء العذب على عربة يجرها حمار حيث تفتقر بيوت غزة للماء الصالح للشرب، في كل صباح أنطلق وأدور على البيوت لأزودها بالماء، كنت أرى البيوت الفخمة وأرى البيوت المتواضعة وأحلم بأني اعيش في بيت فخم ولا أبيع الماء كما أفعل، ظهري يؤلمني بشدة من حمل أوعية الماء الثقيلة ولكني كنت أشعر بالسعادة أما الآن فلا أشعر إلا بالخوف، أشعر بالخوف أن أصبح أشلاء متناثرة وأنا أتجول بعربتي، وأشعر بالخوف أن ينهدم بيتنا وتموت كل عائلتي وأنا خارج البيت فأصبح وحيدا في هذه الحياة، الخوف ولا شيء غير الخوف يحيط بي، لم أعد افكر بأمر آخر·
مشاريع شهداء
وحول الأثار النفسية المدمرة لهذه الحرب على أطفال غزة يتحدث الأستاذ درداح الشاعر أستاذ علم النفس في جامعة الأزهر في غزة فيقول:أن أطفال غزة هم في الواقع من أكثر أطفال العالم بؤسا ولم يحصلوا على أدنى حقوقهم، ولكنهم تربوا أن يكونوا رجالا منذ الصغر لأن الظروف السياسية لوطنهم تحتم عليهم ذلك، ولكن ما يحدث الآن أقوى من أي قدرة على التحمل لأن اسرائيل تستهدف المدنيين بصورة لا توصف، وهذا سيترتب عليه في المستقبل بظهور الأمراض النفسية والعصبية لدى الصغار الذين يرون مشاهد القتل والموت والدمار بأعينهم وليس على شاشات التلفاز، فمن الطبيعي أن تنتابهم أعراض التبول اللاإرادي، والكوابيس والتهتهة في الكلام وفي المدى البعيد يحدث معهم استرجاعاً بصرياً للأحداث/ التعبير عن الأحداث من خلال الألعاب والرسومات· ويترتب على ذلك:
- حدوث نسيان أو خلل في ترتيب الأحداث·
- زيادة الخوف والتوتر: الخوف من النوم بمفرده والخوف من المدرسة·
- تراجع في السلوك: الخوف من الظلام والالتصاق الشديد بالوالدين ومص الأصابع وفقدان التحكم في الإخراج·
- ضعف المستوى الدراسي وضعف التركيز· - زيادة الغضب والعنف ومشاعر الإحباط وكذلك السلوكيات المتمردة وسلوكيات ضد المجتمع وبالذات في المراهقين·








القصف يعود بأهل غزة إلى أجواء باب الحارة
البوابرجي يعود للخدمة ويحيي ماضي مهنته























غزة- كنت أراه يجلس وحيداً في زاويته الشهيرة والمعتادة على ناصية أكبر شارع رئيسي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يمتلك كشكاً صغيراً متآكلاً، يحكي قصة زمن مضى واعتقد الجميع أنه لن يعود، وكنت أسأل نفسي حين أمر من أمامه وأجده وحيداً يتشاغل بعمل ما: متى سيقبع هذا الرجل في بيته، فنحن في عصر ''البوتاجاز'' والميكرويف''؟؟
ولكن الزمان أبى إلا أن يرجع للوراء لنتندر قائلين: لقد أصبحنا نعيش أجواء باب الحارة ولا ينقصنا إلا العقيد أبو شهاب لعل وعسى يحل المشكلة، نعم فقد عاد الزمان وعاد البوابرجي وأصبح يشهد كشكه الصغير طلباً من الزبائن ومن جميع المستويات·
يتحدث عم أبو ابراهيم فيقول: منذ زمن بعيد لم يقف أمامي هذا العدد من الزبائن الذين يطلبون تصليح بوابيرهم، البعض منهم يطلب مني أن أشرح له طريقة استخدام البابور، فهذا الجيل هو جيل البوتاجاز ولايعرفون التعامل مع البوابير·
الحاجة أم الاختراع
نعود لترديد هذا المثل الذي أصبح متداولاً في غزة لدرجة الملل، البوابرجي يقول وهو يرقب الطائرات فوق رأسه: تعلم الناس كيف يتعاطون مع عدم وجود الوقود، فهناك المازوت الذي يتم تهريبه عبر الأنفاق بين مصر وغزة، فيضيف له المواطنون ملح الطعام وينتظرون فترة من الزمن، حتى يتحول لكاز أبيض يصبح صالحاً للاستخدام في تشغيل البوابير التي عفا عليها الزمن· استخرج الناس من بيوتهم البوابير القديمة والتي كانوا يحتفظون بها كنوع من التراث القديم، فبحثوا عنها في سراديب بيوتهم وأقبيتها وأحضروها لي بعد أن نفضوا عنها الغبار، وطلبوا مني تصليحها وجعلها صالحة للاستخدام·
البابور أم الحطب
يقول البوابرجي: يبقى استخدام البابور أفضل بكثير رغم متاعبه ومساوئه الصحية أفضل من استخدام الحطب والنار في طهي الطعام، فالناس يعيشون في شقق حيث لا توجد امكانية لإشعال الحطب لطهي الطعام كما كان يحدث قديماً، مما جعل خيار البابور أفضل من لاشيء، فقد تعب الناس من تناول المعلبات أو أن بعضهم لايملكون ثمن شرائها وكثيرا لاتتوافر المعلبات بسبب الحصار·
وعلى جانب البوابرجي تقف أم حسام امرأة أربعينية وتطلب منه أن يصلح لها بابورها وتقول: منذ أسبوعين لا يوجد عندنا غاز في البيت، ولا حتى كهرباء، تعب أولادي من الطعام المجمد والمعلبات وأصبحوا يشتهون طبقاً من الأرز أو المعكرونة، فلم يكن أمامي سوى البحث عن البابور في بيتي والمجيء به لعم أبو ابراهيم لتصليحه· ويلتقط عم أبو ابراهيم الحديث من أم فادي فيقول: تأتي لي كل يوم زوجات صغيرات السن يمشين على استحياء، يطلبن مني أن أشرح لهن طريقة عمل وتشغيل البابور فهن لم يعاصرنه إطلاقا·
لابديل عن البابور
يتحدث عيسى صاحب محل لبيع الفول والفلافل فيقول: توقفت عن تقديم الفول والفلافل بسبب عدم توفر الغاز في غزة علما أنه يعتبر الوجبة الرئيسية لفقراء غزة، ولكني قررت استخدام البابور فجئت لعم أبو ابراهيم حيث أصلحت عدة بوابير قديمة عنده، وعدت لممارسة مهنتي وتقديم خدماتي لزبائني·
ويعود البوابرجي للحديث قائلا: بقاء الحال من المحال والله سبحانه وتعالى يغير ولا يتغير فقد مرت علينا أيام من القحط، والآن لا أستطيع أن ألبي طلبات الزبائن وخاصة من النساء ·
معاناة زائدة
أم عمر ربة بيت تتحدث عن معاناتها مع البابور وتقول: لا أستطيع أن أضعه في شقة مغلقة فأطفالي صغار ويعبثون به وكأنه كائن غريب يرونه لأول مرة ، كما أن الغازات والروائح المتصاعدة منه خانقة وضارة بالصحة وتعرض حياة الصغار وحياتي للخطر ·
لا بديل
تتحدث أم عاطف: لا بديل أمامنا ونريد أن نطعم صغارنا، سنموت جوعاً لو لم نستخدم البابور، أعتقد أنها تجربة رائعة بأن نشعر كيف عاشت أمهاتنا وجداتنا·
في السياق ذاته فإن أهل غزة لا يفتأون يسخرون من معاناتهم ورجوعهم بالزمن إلى الوراء فيقولون: نحن نعيش أجواء مسلسل باب الحارة على الواقع ، فقد عدنا إلى البابور والحطب، وأصبحت حياتنا قاسية·
ولكن في النهاية كل شيء يمكن احتماله في حال توفر لهم الأمن والأمان، فالموت من طائرات ودبابات وبوارج العدو تلاحقهم ليل نهار، لتحرمهم حتى من طعام بسيط على البابور

اقرأ أيضا