الاتحاد

ثقافة

بيوس الثاني عشر.. البابا المختلف عليه

مكتبة الفاتيكان الرسولية.. هنا تختبئ أسرار البشرية (الصور من الأرشيف)

مكتبة الفاتيكان الرسولية.. هنا تختبئ أسرار البشرية (الصور من الأرشيف)

إميل أمين

لمَ تبقى البابوية وأحاجيها دوماً مثيرة للكثير من التساؤلات، وملفاتها دافعة في طريق الاستفهامات، وما بينهما تبقى أسرارها مغلفة في ألغاز، بعضها موصول بأسرار الأرض، والآخر بالسماء؟ الجواب بيسر شديد؛ لأنها المؤسسة الرسمية الأقدم في العالم، وهي السلطة العليا على رأس الكنيسة الكاثوليكية. إنها المؤسسة الوحيدة التي ازدهرت في العصور الوسطى، ولعبت دوراً رائداً في النهضة الأوروبية، وهي أحد اللاعبين الرئيسيين في حركة الإصلاح الديني والحركة المضادة له، وفي الثورة الفرنسية، وعصر الصناعة، ونشوء الشيوعية وسقوطهما. وطوال قرون استخدم البابوات كل نفوذهم المركزي بهدف البناء على النتائج الاجتماعية لأحداث تاريخية متكشفة، مستفيدين بالكامل من وضعهم الأدبي والروحي.

يحدثنا المؤرخ البريطاني الشهير توماس بابنغتون ماكولي (من أعمال القرن التاسع عشر) عن البابوات، وكيف عرفوا أن يضعوا الكنيسة في قلب الأحداث، تماماً كما عرفوا كيف يحدّون من دورها، وشدد على قدرة الأحبار العظام على اختيار حركات اجتماعية جديدة استمرت بالنشوء على مر القرون، وعلى تكيف الكنيسة معها.

(1)
لم تنفصل السياسة عن الدين يوماً ما، وطوال عمر البابوية كانت السلطة الروحية متشابكة مع الحضور المادي،لاسيما في أوروبا القديمة والوسطى. كان الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت يعتبر أن البابوية «إحدى أفضل الوظائف في العالم»، ودعاها أدولف هتلر «إحدى السياسات الدولية الأكثر خطورة ودقة». لقد شبه نابليون قدرة بابا واحد بقدرة جيش مؤلف من 200.000 رجل. في الواقع، كان للبابوية على مرّ التاريخ مظهران: مظهر القيادة العالمية للكنيسة الكاثوليكية، ومظهر إحدى أفضل المنظمات السياسية على وجه الأرض.
بينما كان البابوات يمنحون بركتهم لجماعة المؤمنين بيد، كانوا يستقبلون باليد الأخرى سفراء أجانب ورؤساء دول، ويرسلون موفدين وسفراء بابويين في مهام خاصة.
حمل هذا النفوذ على اعتبار البابوات (كهنة الأمراء)، أكثر منهم (ممثلي المسيح على الأرض)، هكذا رأى البعض، فيما اختلف البعض الآخر في أزمنة أخرى، معتبرين البابوات مثالاً للقداسة والطهر، وتاريخ البابوية زاخر بهؤلاء.
في كل الأحوال، وبدءاً من القرن الثامن كان نفوذ البابوية السياسي يتمدد حول العالم، وحتى عام 1931 كان جزء من عمل البابوات إضفاء طابع السلطة الرسمية على بياناتهم، الأمر الذي تعزز من خلال إنشاء إذاعة الفاتيكان، فحققوا اتصالاً مباشراً ومتواصلاً مع العالم، ما جعل هذه الأمنية أمراً واقعاً.

(2)
قبل نحو أسبوعين تقريباً كان البابا فرنسيس بابا روما، الرئيس الروحي لمليار وأزيد من ثلاثمائة مليون كاثوليكي، بحسب آخر تعداد عن كاثوليك العالم، يستقبل مسؤولي وطاقم «أرشيف الفاتيكان السري»، جرى اللقاء في الرابع من مارس على وجه الدقة، ويومها أعلن عن قراره فتح الأرشيف السري المتعلق بحبريَّة البابا بيوس الثاني عشر ( 1939 – 1958)، وذلك في الثاني من مارس 2020.
التصريح المتقدم للبابا فرنسيس يضعنا أمام استحقاقات عميقة لتساؤلات حول عدة نقاط في المقدمة منها: «ماذا عن هذا الأرشيف؟ وهل هو جزء منفصل عن مكتبة كبرى لها سمعة وشهرة عالمية هي مكتبة الفاتيكان التي تفوق مكتبة الكونجرس من حيث أهمية ما فيها من وثائق أصلية ومستندات تاريخية، جمعها الأحبار الكبار عبر قرون طوال؟ ثم من هو البابا بيوس الثاني عشر، ذاك البابا الذي يقف له يهود العالم بالمرصاد، ويكيلون له الاتهامات انطلاقاً من أنه الرجل ذو الرداء الأبيض الذي صمت في مواجهة الهولوكوست النازي؟ ويقر يهود آخرون حول العالم لا سيما من الأميركيين بأنه الرجل الذي أنقذ الآلاف منهم من هولوكوست هتلر ولا يزالون منقسمين؟ وأخيراً: لماذا يفعلها فرنسيس الآن وقد صمت من قبله عدة بابوات، ولم يُقدَّر لأحدهم أن يقوم على هذه المغامرة لإظهار الحقيقة؟
(3)
مكتبة الفاتيكان الرسولية Biblioteca Apostlica Vaticana، أسسها البابا نيكولاس عام 1451، وكانت تضم 1160 كتاباً فقط، منها 400 باللغة اليونانية، لغة العلم في ذاك الزمان. وبحلول عصر النهضة قرابة عام 1481 نمت المكتبة وأصبحت تضم 3500 كتاب، وفي عام 1571 احتفظت المكتبة بأول دليل للكتب الممنوعة، وبدأت البحث عن مخطوطات من البلدان الشرقية، خاصة العربية التي كانت معرضة دائماً للحرق بفعل المتزمتين الذين حرقوا كتب الفلسفة بشكل خاص، وكتب الفكر والأديان بشكل عام.
أما الآن فيوجد في مكتبة الفاتيكان أكثر من مليون كتاب وسلسلة مطبوعة، و75 ألف مخطوطة سريانية وإثيوبية، عبرية وفارسية، عربية ويونانية ولاتينية، تاريخ أقدمها يعود للقرن الثاني الميلادي، علاوة على 65 ألف مجلد، و8 آلاف معجم، و 23 وحدة أرشيف، و100 ألف خريطة ورسم وحفرية، و330 ألف عملة معدنية، ووسام يوناني وروماني وبابوي، ويدخلها كل سنة ستة آلاف مجلد.

(4)
كتب مكتبة الفاتيكان الرسولية ليست قاصرة على المسيحية، فبجانب كتب التوراة والإنجيل، وعلوم اللاهوت والقوانين الكنسية يمكن للباحث أن يجد أفضل الأعمال الكلاسيكية اليونانية واللاتينية، ناهيك عن كتب التاريخ والفلسفة، وفنون قرون النهضة الأوروبية التي استعانت بها الترجمات من العربية إلى اللاتينية، ونصوص البابوات ومستشاريهم، بالإضافة إلى ما تركه الرحالة من الأدباء والفلاسفة القادمون إلى روما من مخطوطاتهم فيها، وشملت مخطوطات القرن الرابع عشر على سبيل المثال: كتابات جاليليو الرائعة، وإبداعات أرسطو، وإلياذة هوميروس، ويوهانز روسوس، وبارتولوميو فيتو، ورسائل محاربي طروادة، وتصميمات جيوفاني لورينزو، لميدان سان بيترو. كما تضم المكتبة كذلك أعمال عميد الباروكيين بينزيني، ومخطوطة الشاعر الإيطالي بيتراك التي احتوت قصيدته الريفية اللاتينية، وقواعد الدو ماينزو الأكاديمية، وأعمال روجر بيكون، ومخطوطات الفيلسوف بيكو ديلا ميرندولا، وسيرة حياة أباطرة الرومان، وعلماء عصر النهضة.
ماذا عن نصيب العالمين العربي والإسلامي من مكتبة الفاتيكان؟
الشاهد أنها تضم مخطوطات الرازي، وابن سينا، وابن رشد، والغزالي، وابن الهيثم والفارابي، وفي عصر النهضة الأوروبية ترجمت مخطوطات عربية طبية عديدة من العربية إلى اللاتينية.

(5)
(الأرشيف السري للفاتيكان)؛ كيف ظهر هذا الاسم للوجود، بوصفه الجزء الذي يحتاج من يدخله أن يكون له شفيع من القديسين في السماء، وبحسب التعبير الدارج Abbiamo Un Santo nel Paradiso.
يمكن القطع بأن الاضطرابات السياسية المستمرة، التي كانت غالباً ما ترغم البابوات على الانتقال السريع، وربما الهروب، قد حالت دون وصول وثائق تستحق الذكر، من فترة العصور الوسيطة المبكرة.
لكن في كل الأحوال، بدأ طرح الأرشيف البابوي بالمعنى الدقيق للكلمة، بعد أن أقامت حكومة الفاتيكان جهازاً إدارياً مركزياً في القرن الثالث عشر.
كان البابا بولس الخامس (1552 – 1621) قد قام في القرن السابع عشر بجمع الوثائق التي تستحق الأرشفة من مكتبة الفاتيكان، وكان عددها نحو ثلاثة آلاف وثيقة، ومن أهمها القرارات الرسمية البابوية، واللوائح المهمة، وأمر بتخزينها في الأرشيف. حتى عام 1798 كانت الوثائق الأكثر أهمية في تاريخ السلطة البابوية يتم الاحتفاظ بها في (برج الملائكة) ذلك الضريح الذي أنشأه القيصر الروماني هادريان على الجانب الأيمن من نهر «التيبر»، خوفاً من أن تقع في أيدي أعداء البابوات.
في عام 1810 أمر نابليون بنقل الأرشيف السري للفاتيكان إلى باريس، وأعيد إلى روما بعد خمسة أعوام بنقص شديد، غير أن محتوياته لم تكن كل ما في ذلك الأرشيف بل ربما نسخ منسوخة لحماية الأصل، وبقيت وثائق الأرشيف السرية شاهدة على القرارات المصيرية التي أصدرها الأحبار الكبار على مدى أكثر من أربعمائة عام، وتقع في 52 ميلاً من اللفافات ونحو 35 ألف وثيقة ومخطوط، ويقع مركز الأرشيف بالقرب من مكتبة الفاتيكان، وقد كان قسماً منها حتى القرن السابع عشر قبل أن يتم فصله.

(6)
في عام 1998 تم فتح كافة الأرشيفات السرية أمام الباحثين، بما فيها «اللائحة السوداء»، التي يصدرها الفاتيكان بأسماء المؤلفين المحظورين من القراءة والنشر، والتي تشمل أكثر من ستة آلاف اسم كان منها على سبيل المثال: مارتن لوثر، كالفن، إراسموس فون أمستردام، ملك بروسيا فريدريك، ليسينغ هانيه، تولستوي، كارل ماركس، أدلوف هتلر، سيمون دي بوفوار وصديقها سارتر، وجاليليو الذي اكتشف عام 1616م أن الشمس، وليس الأرض هي مركز مجرتنا، على خلاف ما كانت الكنيسة ترى.
التعبير بالإنجليزية عن الأرشيف مضلل، ويفتح المجال في واقع الحال لفكرة المؤامرة، فطالما كانت هناك أسرار Secrets، فلابد أن تكون الأسرار من عينة معرفة الفاتيكان بأشكال حياة أخرى على الأرض، أو موعد يوم القيامة. ولعل الخلط هنا نابع من كلمة لاتينية واحدة أسيء فهمها Secretum، وفتحت الباب أمام التأويلات والاسم الصحيح باللاتينية هو: Archivum Secretum Apostolicum Vaticanum والذي يفيد معنى السجل التاريخي للأحداث المهمة والمثيرة للاهتمام في مسيرة البابوية التاريخية، فالكلمة اليونانية Scretum تتم ترجمتها خطأ إلى السري، ولكنها تعني بشكل أدق «الشخصي»، ولم يعد الأرشيف بالفعل سرياً منذ عام 1881، عندما فتحه البابا ليو الثالث عشر، أمام الباحثين.
غير أن ذلك وكما أسلفنا لا يعني سهولة الدخول إليه، فالباحثون يعبرون بوابة سانت آن المحمية من قبل الحرس السويسري، ثم يمشون عبر Cortile del Belvedere، ذلك الممر الهندسي الرائع من أعمال النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، بشرط الحصول على تصريح يتطلب تجديده كل ستة أشهر، علماً بأن الصحفيين والطلاب والباحثين الهواة غير مرحب بهم، وبعد دخول الشخص، يمنع عليه التصفح، بل يطلب وثائق محددة مستخدماً كتالوجات ضخمة بعضها مكتوب بخط اليد باللغة اللاتينية أو الإيطالية، ويسمح لهم بطلب ثلاثة مجلدات في اليوم ليس أكثر، وإذا أدركوا أن ما يبحثون عنه غير موجود في الملفات التي طلبوها ولو بعد دقائق، فلا يستطيعون فعل أي شيء، ويضطرون للعودة في اليوم التالي، ما يشكل تحدياً للباحثين الذين يلتزمون بمواعيد محددة، أو الذين يسيرون لمسافات طويلة، كما يمنع إدخال الهواتف المحمولة، ويسمح فقط بإدخال أجهزة الكمبيوتر الشخصي المحمول وليس الثابت.

(7)
يبحث العالم في هذا الأرشيف، عن كل ما يرغب ويشتهي من وثائق ربما حفظها البابوات بشكل أفضل مما هي عليه في بلادها الأصلية، ومثال ذلك وثائق طلاق هنري الثامن ملك إنجلترا من زوجته كاترين الارجوانية، والرفض البابوي الذي أدى لانفصال إنجلترا عن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية.
نجح الناشر الإيطالي سكرينيوم، ومقره مدينة البندقية الإيطالية، في إخراج نسخة طبق الأصل عن العريضة التي تقدم بها لوردات إنجلترا في عام 1530 إلى البابا لإقناعه بالسماح للملك هنري الثامن بالطلاق من زوجته.
الرسالة تعرف باسم: أمر ملائكي «Cousa Angelica» ومحفوظه في الأرشيف منذ حوالي 500 سنة، واستخدمت الشركة الناشرة مهارات عمال زجاج البندقية لإعادة إخراج 85 ختماً على الرسالة، وأعلنت أن النسخة التي يحتفظ بها الفاتيكان، محفوظة بطريقة أفضل من الأصلية الموجودة في الأرشيف الملكي في «كيو» لأنها تضررت واختفت الأختام من عليها، ويشار إلى أن رد البابا كليمنت السابع السلبي آنذاك على الرسالة دفع بهنري الثامن إلى إعلان انشقاقه عن روما، والبابوية، كي يتمكن من تطليق كاترين زوجته، والزواج من ماري بولين، لتنجب له ابناً ذكراً يرثه.

(8)
في الثامن من مايو 2007 كان مجمع الكرادلة في حاضرة الفاتيكان يبحث في تاريخ وحياة البابا بيوس الثاني عشر، من أجل إسباغ درجة القداسة عليه، ذلك الاجتماع الذي يعرف في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بأنه البداية عبر مرحلة «التطويب»، اعترافاً من الكنيسة بحياة الفضائل المسيحية التي عاشها بطريقة بطولية، وذلك بعد دراسة ستة مجلدات تضم أكثر من ثلاثة آلاف صفحة عن حياة الحبر الأعظم السابق والتحديات التي عاشها وعبر فوق آلامها.
بعد وقت قصير من الإعلان الفاتيكاني، حث إبراهام فوكسمان، رئيس الرابطة الوطنية الأميركية لمكافحة التشهير ADL، وأحد الناجين من المحرقة النازية، البابا بندكتوس السادس عشر، على تعليق ذلك الإجراء، بحجة أن بيوس الثاني عشر قد قصَّر في مواجهة النازية، وصمت إزاء المحرقة، ولم يقم بما يكفي لبسط الحماية على يهود أوروبا عامة، وإيطاليا بنوع خاص.
لم تكن تصريحات فوكسمان صادمة للفاتيكان والبابوية؛ فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبعض يهود العالم ينظرون لبيوس الثاني عشر نظرة الشك والريبة، ناهيك عن الاتهامات.

(9)
ولد أوجين باتشيللي في روما في 2 مارس 1876، في عمق المؤسسة الكاثوليكية، فقد كان والده، فيليبو باتشيللي، عميد المحامين في الديوان البابوي، وسِيمَ كاهناً في عمر الثالثة والعشرين، وأصبح أستاذاً للحق القانوني، وتالياً أستاذاً للدبلوماسية، ومعاوناً لأمين سر الدولة البابوية، وفي عام 1917 أرسله البابا بندكتوس الخامس عشر إلى ميونخ قاصداً رسولياً، ثم قاصداً رسولياً في برلين ليستمر هناك حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1929 عينه البابا بيوس الحادي عشر، كاردينالاً وأميناً لسر الدولة، أي رئيس وزراء للفاتيكان.
شغل بيوس الثاني عشر منصب البابوية ما بين الأعوام 1939 و1958، باذلاً جهداً كبيراً للحفاظ على استقلال الكنيسة الكاثوليكية أثناء الحكم الفاشي في إيطاليا، كما كان موقفه مضاداً للنازية بوضوح عندما كان كاردينالاً، وفيما شغل منصب وزير خارجية الحبر الأعظم، عرف بموقفه المعادي للنازية، فقد استقبل وزير خارجية هتلر في روما بفتور شديد، كما شجب ضم ألمانيا للنمسا عام 1939، الأمر الذي أدى إلى عدم ارتياح ألمانيا لاختياره بابا في عام 1939، وخلال سنوات الحرب اشتهر بمجهوداته لتخفيف المعاناة عن ضحايا الحرب، الأمر الذي كان محل تقدير الكثيرين.
دأبت خُطب بيوس الثاني، على التركيز على مستقبل الإنسانية بعد الحرب، وعلى ضرورة القضاء على النزعة القومية، تلك التي كانت السبب الأول والمثير للحرب.
كتب البابا بندكتوس السادس عشر في الذكرى الخمسين لوفاة بيوس الثاني عشر يقول: «لابد أن نفكر جيداً في الأوقات الصعبة التي عاشها بيوس الثاني عشر خلال فترة حبريته، كانت كلمة الله نوراً لدربه، المسيرة التي قام باتشيللي خلالها بتعزية النازحين والمضطهدين، وبمسح دموع الألم والبكاء على ضحايا الحرب، كانت مسيرة على درب السيد المسيح رسول السلام والمحبة على أرض السلام».
لكن ذلك لم يشفع له عند البعض من الجانب اليهودي، فقد علا صوت حاخام حيفا الأكبر في 2007 «شائر يتشوف كوهين» مندداً بأن «بيوس الثاني عشر لم يرفع صوته للذود عن اليهود وتخليصهم من المحرقة».

(10)
الذين لديهم علم من كتاب «سيرة ومسيرة بيوس الثاني عشر» يعرفون الفضائل التي قام بها بالفعل من أجل يهود أوروبا، فقد سمح لهم باستخراج شهادات معمودية غير حقيقية، لينقذ أرواحهم، فالكاثوليك كانوا في مأمن من بطش هتلر وموسوليني، كما وزع التأشيرات لليهود من أجل مساعدتهم على الدخول إلى بلدان أخرى، وأمر رؤساء الأديرة بفتح أديرتهم ومنازلهم لإخفاء يهود أوروبا وغيرهم من ضحايا النازيين والفاشيين، بل أكثر من ذلك؛ فقد خلع بعض الرهبان الكاثوليك في أوروبا في ذلك الوقت ملابسهم وأعطوها لليهود إمعاناً في حمايتهم.
غداة وفاته كتبت صحافة العالم كله بما فيها أميركا عن وفاة «مقاتل من أجل السلام»، الأمر الذي تجلى بالفعل في رسائله لأعياد الميلاد 41 و 42 و 43، والتي ندد فيها بالنظريات التي تنسب التفوق إلى «عرق معين»، مشيراً إلى أن مئات الآلاف من الناس وبدون أي خطأ من ناحيتهم، فقط لأسباب تتصل بالجنسية أو العرق يساقون إلى الموت.
ظل بيوس الثاني عشر لسنوات عديدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية يحظى بقدر عظيم من الشعبية حتى بين أفراد الجاليات اليهودية، ثم انقلب التيار أثناء الستينيات بعد نشر مسرحية «النائب» لرالوف هوكوث، والتي شكلت نقطة الانطلاق للتحقيق المحموم في سمعة بيوس الثاني عشر.
في نظر المراقب المحايد، أثناء الأربعينيات كانت الحرب في الأساس حرباً شنتها النازية على الشيوعية، وكانت أوروبا هي الغنيمة، والحقيقة أن الديمقراطيات الغربية، كما يقر بذلك أغلب المؤرخين الآن، لعبت دوراً ضئيلاً نسبياً في الصراع العسكري المهول، وكان البابا يعتقد أنه كان عليه إما أن يدين هاتين القوتين الشموليتين، أو لا يدين أياً منهما.
كانت أي إدانة من جانب بيوس للشيوعية، لتتلقفها الدعاية النازية لدعم جهود هتلر الحربية، وكانت إدانة النازية قد تفسر عن طريق الخطأ باعتبارها هجوماً ليس ضد النازية، بل ضد ألمانيا في صراع الحياة أو الموت الذي كانت تخوضه ضد نظام ستالين الشيوعي.

(11)
هل لو كان بيوس الثاني عشر تكلم بشكل مباشر وأدان النازية علناً، هل كان له أن ينقذ المزيد من يهود أوروبا؟ يشكك المؤرخون في ذلك، فيما يذهب بعضهم إلى العكس، أي أنه لو فعلها لربما كانت ردود الفعل النازية ازدادت ضراوة، وألحقت الأذى بمن ساعدهم البابا بيوس من يهود العالم.
في السادس من نوفمبر 2011، أعلن المؤرخ الأميركي غاري كروب أنه عثر على رسالة كتبتها امرأة يهودية أكدت أن عائلتها أنقذت من الموت المحتم خلال الحرب العالمية الثانية بفضل تدخل الفاتيكان.
تقول المرأة اليهودية التي تقيم حالياً في شمال إيطاليا، إنها التقت بالبابا بيوس الثاني عشر في عام 1947 مع أمها وأقرباء لهما، وتم اللقاء بحضور المطران جيوفاني مونتيني، الذي أصبح لاحقاً البابا بولس السادس (1963 – 1978)، وتقول إنها سمعت عمها يقول للبابا: «أنقذتنا من الموت، ورأيتك بزي راهب فرنسيسكاني»، ثم نظر إلى مونتيني الواقف إلى جانب البابا وقال له: «وأنت كنت ترتدي زي كاهن، وتمكنت من إخراجي من الغيتو اليهودي في روما، واصطحبتني إلى الفاتيكان، وقال له مونتيني: أرجو منك ألا تكرر ما قلت».
يستلفت الانتباه أن المؤرخ الأميركي غاري كروب يهودي الديانة ويقول في تصريحات له: أنا يهودي، تربينا على كره اسم بيوس الثاني عشر، كنا مقتنعين بأنه معاد للسامية، وبأنه عميل نازي، كما كنا نصدق كل ما قيل عنه، ويتابع كروب قائلاً: عندما بدأت أطلع على الوثائق العائدة لتلك الحقبة أصبت بصدمة، ثم تحولت الصدمة إلى غضب شديد، إذ عرفت أنني كنت ضحية للكثير من الأكاذيب.
ما قاله كروب تؤكده معلومات عما أطلق عليه «شبكة بيوس السرية لصالح اليهود»، والتي لا يزال أحد أعضائها حياً إلى الآن، وهو الكاهن الإيطالي؛ جيانكارلو تشينتيوني والذي أشار إلى قيام وزارة الخارجية الفاتيكانية، بتأمين جوازات السفر والمال للعائلات اليهودية للتمكن من الهرب من ألمانيا عبر إيطاليا أولاً، ومن ثم عبر سويسرا ولشبونة، لقد كان بيوس الثاني عشر يقدم المساعدة بوساطة كهنة من خلال «جماعة القديس رافاييل»، ومن خلال الجمعية الألمانية «الكلمة الإلهية» في روما.

(12)
ما الذي يسعى إليه البابا فرنسيس من خلال الإعلان رسمياً عن فتح أرشيف بيوس الثاني عشر؟
في استقباله للموظفين الذين عملوا طوال سبع سنوات على إعداد أرشيف البابا الراحل للعرض، والذي يتكون من 16 مليون ورقة وأكثر من 15 ألف مغلف و2500 كراسة، وصف فرنسيس سلفه بأنه«كان شخصية انتقدت أحياناً مع بعض الأحكام المسبقة أو التضخيم، إلا أنه عرف المحافظة على الشعلة خلال الفترات الأكثر ظلاماً».
بقراره هذا يعلن فرنسيس أن الكنيسة لا تخاف من التاريخ، بل على العكس تحبه، وترغب في أن تحبه أكثر وبشكل أفضل، كما يحبه الله».
في أواخر فبراير شباط الماضي التقى فرنسيس بعثة خاصة من مؤسسة Pave The way foundation والتي كرست الكثير من جهودها للبحث في علاقة بيوس الثاني عشر باليهود في زمن النازي.
في ذلك اللقاء سلم مدير المؤسسة الدكتور «بينيت سولبرغ»، للبابا الوثائق الأساسية التي تخبر كيف أن البابا بيوس الثاني عشر، كان قد تصرف لوضع حد لاعتقال اليهود في روما (نحو 847 ألفاً) في 13 تشرين الأول 1943.
ومن بين الأوراق التي سلمها سولبرغ للبابا فرنسيس، ثمة نسخة عن مذكرات تعود لسنة 1943، كتبت فيها راهبات أغسطينيات: «اليوم طلب منا الأب الأقدس حماية اليهود الإيطاليين، وسمى من يؤوونهم».
شهادة أخرى حصل عليها البابا فرنسيس، من القائد الإيطالي لروما المحتلة الجنرال «كارل وولف»، وهي وثيقة تشير إلى الخطط التي أملاها هتلر على وولف لاجتياح الفاتيكان، واختطاف البابا بيوس الثاني عشر، واقتياده إلى ليبنشتاين المدينة الألمانية، حيث كان سيقتل.
هذه الخطة عرف بها البابا بيوس الثاني عشر في أيلول 1943، قبل شهر على اعتقال اليهود، وبعد أن أدرك البابا مخطط الاجتياح، كتب استقالته معلناً أنه إن تم اجتياح الفاتيكان، فسيعتقل النازيون «أوجينيو باتشيللي» وليس البابا، وأمر في حال الاختطاف، أن يترك الكرادلة بروما ليتمكنوا من انتخاب حبر أعظم جديد وتشكيل حكومة منفى في البرتغال.
جاء قرار فرنسيس انطلاقاً من أن البحث الجدي والموضوعي سيلقي الضوء على أفضل لحظات هذا البابا، وبالتأكيد على لحظات الصعوبات والقرارات المضطربة، والتريث الذي قد يبدو للبعض تردداً أو ممانعة، مع أنه كان في حينها محاولة للحفاظ على المبادرات الإنسانية والدبلوماسية المخفية.
بعد ثمانية عقود بالتمام من انتخاب بيوس الثاني عشر، ونحو ستة عقود من وفاته، ستفتح ملفات حبريته أمام الباحثين، لينتهي فصل من فصول العلاقات اليهودية – الفاتيكانية المتوترة، إلى تفاهمات أكثر ودية، أو العكس، وفي كل الأحوال ستكون فرصة جيدة لمعرفة أبعاد المشاهد التاريخية في تلك الفترة، ولتمهيد الطريق لإعلان قداسة بيوس الثاني عشر بكل تأكيد.

 

اقرأ أيضا

زايد.. قوة الإمارات الناعمة