الاتحاد

ثقافة

الإنسانية تعيش «حالة طوارئ»

الديموقراطية ينتظرها مستقبل مظلم

الديموقراطية ينتظرها مستقبل مظلم

الفاهم محمد

جورجيو أغامبين، واحد من أهم الفلاسفة الإيطاليين الذين سطع نجمهم في الفلسفة المعاصرة في الآونة الأخيرة، خصوصاً في الفلسفة السياسية، وذلك من خلال مفهوم بات يستعمل اليوم على نطاق واسع، كمفهوم أساسي في توصيف الوضع السياسي المعاصر، ألا وهو مفهوم «حالة الاستثناء». وهو نفسه العنوان الذي يحمله الكتاب الذي ظهر بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالتالي كما لاحظت جوليانا سوكوتو، واضعة مقدمة الكتاب، أنه يبدو كرد فعل على حالة الاستثناء التي أعلنها جورج بوش، عندما أنشأ معسكر غوانتانامو كسجن خاص واستثنائي للتعامل مع الإرهابيين، غير أن قيمة الكتاب تتجاوز بكثير مجرد الارتباط بإجراء سياسي خاص فرضته الوقائع والأحداث. ثمة شيء يقع في عمق الأنظمة الديمقراطية، شيء ينمو في أحشائها مثل الدودة في الثمرة. وهو ينذر بإمكان انهيار مدوٍ لهذه الأنظمة.
يستدعي جورجيو أغامبين العديد من التخصصات، مثل علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ والقانون، كل ذلك لكي يقول لنا إن ما اعتبر حالة استثناء لم يكن بالفعل كذلك، بل هو القاعدة الأساسية التي ميزت الحضارة الغربية، وبالخصوص خلال المرحلة الحديثة منها. ولكن ماذا يقصد أغامبين بحالة الاستثناء، وبأي معنى يكون الفعل القائم على الحجز والإقصاء والاستبعاد هو المميز لطبيعة الممارسة السياسية الديمقراطية؟

مفهوم حالة الاستثناء
يدخل أغامبين في حوار عميق مع المفكر والفيلسوف النازي كارل شميث حول مفهوم حالة الاستثناء التي كانت تدل عند هذا الأخير على تعليق القانون الذي قد يقوم به الحكم بغرض المحافظة على السيادة. إن مثل هذا التعليق يتعارض بطبيعة الحال مع دولة الحق والقانون، باعتبار أن هذه الدولة نشأت نتيجة تعاقد بمقتضاه يكون الحكم ملزماً باتباع القوانين التي تم تشريعها بشكل مستقل، أي باعتماد مبدأ فصل السلطات. فكيف يمكن لهذا الحكم أن يقوم بتعليق القانون وتجاوز المؤسسات الشرعية السائدة. إننا نعلم أن مثل هذا الفعل هو ما قام به أغلب الحكام المستبدين والديكتاتوريين الذين ما أن يصلوا إلى الحكم حتى يصدروا «مراسيم قانونية» توقف الحريات الشخصية، والمثال الواضح الذي يتناوله أغامبين في هذا السياق هو هتلر ذاته، حيث يعتبر أن: «دولة الرايخ الثالث {ألمانيا النازية} برمتها دولة خاضعة لحالة استثناء، امتدت لاثني عشر عاماً» (ص 44).
ولكن إذا كان هذا الأمر يبدو مفهوماً بالنظر إلى الطابع الاستبدادي للحكم النازي، فإن ما هو غير مقبول هو أن تحضر هذه الممارسة السياسية حتى داخل الأنظمة الديمقراطية. فحالة الطوارئ وتعليق القوانين، باتت حالة جارياً بها العمل بشكل علني أو ضمني. هكذا يؤكد أغامبين أن «حالة الاستثناء تميل على نحو متزايد لطرح نفسها كنموذج مهيمن للحكم في السياسة المعاصرة» (ص 44).
إن ما يريد أن يقوله أغامبين هو أن حالة الاستثناء أصبحت هي القاعدة العامة التي نعيشها، ورغم كل التبريرات التي تقدم حولها من أجل شرعنتها إلا أنها تظل في نظره: «ليست حالة للقانون بل إنها فضاء بلا قانون» (ص 127)، والأفظع هو أنها لم تنتج فقط من داخل الأنظمة السياسية الاستبدادية التي تقوم بتعليق العمل بالقانون. نحن نجدها تسكن بطون أغلب الدساتير الديمقراطية مثل دستور الثورة الفرنسية والدستور الإيطالي والأميركي وغيره، بل أكثر من هذا يقول أغامبين فإن: «حالة الاستثناء قد بلغت اليوم أقصى انتشار لها على مستوى العالم» (ص 192).
إن حالة الاستثناء لا تلغي القانون، ولكنها تبقي عليه جامداً معطلاً، أو هي تستخدمه بشكل مغاير لما وجد من أجله. بمعنى أنها تتلاعب به، لذلك يتنبأ أغامبين بمستقبل قاتم للأنظمة الديمقراطية: «سيأتي يوم تلعب فيه الإنسانية بالقانون مثل أطفال يلعبون بأشياء متعطلة ومهملة، ليس بغرض إعادتها إلى استخدامها التقليدي، بل لتحريرها تماماً ونهائياً من هذا الاستخدام» (ص 151).

الإنسان المستباح
لا يمكن فهم حالة الاستثناء دون ربطها بمفهوم الإنسان المستباح. يعود أغامبين لتأصيل هذا المفهوم من خلال الحضارة الرومانية، حيث كان الأموساكير Homo sacer هو ذلك العبد المهدور دمه والذي يجوز قتله، لأنه لا ينتمي سياسياً للسيادة القانونية. وبشكل موسع يمكن للفظ أن يعني كل حالة بشرية تقع على هامش المجتمع والقانون وخارج السيادة، والتي يصعب استيعابها سياسياً، ومن ثمة يجوز التضحية بها، دون أن نكون معرضين لأي مساءلة قانونية أو أخلاقية.
حالة الاستثناء التي يقدمها مثال الإنسان المستباح هذه هي ما سيتكرر لاحقاً خلال معسكرات الاعتقال النازية. ثم ستعود من جديد في الوضع الذي فرضه الرئيس الأميركي بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي بمقتضاها تم الزج بعناصر تنظيم «القاعدة» في معتقل غوانتانامو، حيث سيفقدون أية صفة قانونية تجعلهم أسرى حرب. وهي أيضاً حالة جسدها اللاجئون السوريون عندما وجدوا أنفسهم عراة من أي غطاء سياسي. ويجسدها كل يوم الآلاف ممن يجدون أنفسهم من دون أوراق للهوية، حيث ترفض الأنظمة السياسية الاعتراف بهم. إن هدف السياسة هو أن تشرع قوانينَ تستوعب الحياة، غير أنها في هذه الحالة تقرر من هم هؤلاء الذين ينبغي أن ينالوا هذه النعمة، ومن يجب استبعادهم وطردهم.
هنا قد تجرد السياسة الإنسان من كل صفة أو هوية معينة، ويصبح جسده مستباحاً عارياً أمامها. إن هذا هو ما تناوله أغامبين في كتابه: «الإنسان المستباح، السلطة السيادية والحياة العارية» الذي صدر سنة 1995. حيث يؤكد أن «الأموساكير» يقدم لنا مثالاً عن الوضع البشري الذي يوجد عليه الإنسان اليوم، كإنسان خارج أي سياق قانوني، أو أية قاعدة أخلاقية أو دينية، وهذا بالضبط هو ما يجعله مستباحاً.
إن السياسة حسب أغامبين تقيم حداً فاصلاً بين الوجود السياسي/‏‏‏ البايوس BIOS وهي الحياة الاجتماعية الخاضعة للسلطة السياسية والقانونية، والتي تظل تحث المراقبة والانضباط. وبين الزوي zoé أي الحياة المستباحة العارية التي تنفلت من رقابة القانون. إن هدف السياسة إذن كما هو الأمر عند فوكو هو التغلغل في الشرائح الاجتماعية المنفلتة، وتحويلها إلى أجساد طيعة خنوعة. ومثلما هو الأمر في مثال سفينة الحمقى عند ميشيل فوكو التي تبعد المجانين خارج الجسم الاجتماعي، يجب كذلك استبعاد الإنسان الحرام، وطرد هذه الحياة العارية التي لا تنضبط لأي سلطة سيادية. إلا أن أغامبين يذهب أبعد من فوكو عندما يؤكد أن هذا المنطق الإقصائي الذي يفصل بين البايوس والزوي، أي بين «الجسد السياسي» و«الجسد العاري» ينذر بانهيار شامل للنظام الديمقراطي، بل وبالاتجاه «نحو الحرب الأهلية العالمية» (ص 193).
إننا نعلم جميعاً أن الديمقراطية تعاني تعثرات كثيرة وعيوباً عديدة، لكننا في الآن ذاته على يقين من أن هناك العديد من الدول قد قطعت أشواطاً بعيدة في البناء الديمقراطي لنظامها السياسي، وأنها ما زالت مستمرة في تحسين أدائها، على اعتبار أن السياسة هي اختراع دائم للعدالة الاقتصادية والاجتماعية. غير أن ما يرمي إليه أغامبين هو شيء آخر تماماً. إنه لا يشير إلى حالة الاستثناء كما لو أنها مجرد عيب بسيط في التطبيق، يمكن تفاديه عن طريق التمسك بقوة القانون بدل توقيف العمل به. وما يود أغامبين أن يؤكد عليه هو الإفلاس الكلي للمشروع الديمقراطي الغربي. إن النازية ومعسكرات الاعتقال، ليست مجرد خطأ عرضي في الممارسة السياسية، بل هي تضرب بجذورها في أعماق الحضارة الغربية منذ اليونان وإلى يومنا هذا. وفي نظر أغامبين تقوم النظم القانونية والسياسية الغربية على دعامتين متناقضتين، لكنهما في الآن ذاته متضامنتين، بحيث تكمل إحداهما الأخرى (ص191). الأولى هي العنصر المعياري القانوني. والثانية هي العنصر اللامعياري واللاقانوني. وهكذا فالقانون معرض دوماً لكي يعلق ويتحول إلى لا قانون، وفي هذه الحالة: «يتحول النظام القانوني والسياسي حينئذ إلى آلة قاتلة» ص (192).

مستقبل مظلم
هكذا عندما ننصت للفلسفة السياسية عند أغامبين يرتسم أمامنا مستقبل مظلم للنظم الديمقراطية. إن مخاوف أغامبين قد تكون مبررة، نظراً لمؤشرات عدة نعيشها في الوقت الراهن نذكر من بينها ما يلي:
1 - السلطة المطلقة التي فرضتها العولمة والتي حولت الدولة/‏‏‏ الأمة من كيانها السياسي باعتبارها سيدة قرارها، كي تصبح مجرد جهاز إداري مهمته تسيير دواليب الإدارات العمومية، بينما السياسات الأساسية تملى عليها من فوق، أي من طرف الدوائر والهيئات المتحكمة في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية.
2 - تجرد السياسة المعاصرة من القيم الأخلاقية والمثل الإنسانية العليا، وطغيان قيمة الربح الاقتصادي والمصالح الضيقة. لقد أصبح رجل السياسة تابعاً لرجل الاقتصاد، لذلك فإن عالماً يقوده الاقتصاد ومنطق الربح، قد يفتقد إلى أي قيم أخلاقية وإنسانية. ونحن نرى اليوم عن كثب كيف أن معظم القطاعات الحيوية في المجتمع الغربي يتم خوصصتها، فالدولة ترفع يدها تدريجياً عن الصحة والتعليم وبقية القطاعات المنتجة، وتتحول فقط إلى جهاز تنفيذي، مهمته فرض السلطة وضبط الشرائح المتضررة ومنعها من الاحتجاج، لذلك لا غرو أن يحذرنا جورجيو أغامبين من كون الأنظمة الديمقراطية تتحول بشكل حثيث إلى أنظمة شمولية.
3- إن السياسة اليوم لا تطالب بتغيير الأوضاع القائمة، بل فقط بتدبيرها. ولذلك لم تعد الدولة موجودة من أجل حل الأزمات، وإنما مهمتها اقتصرت في عصر العولمة {كحالة قصوى بلغتها الحداثة} على التعامل معها وتسييرها.
وما نحن في حاجة إليه هو إعادة الاعتبار لدور الدولة، ذلك أن تحويل العالم إلى سوق مفتوحة دون وجود لكيان سياسي منظم، لن يقود سوى إلى انهيار كلي للحضارة المعاصرة. ونحن نعيش حالياً في زمن العولمة ولكن من دون عولمة حقيقية، أي من دون أن تصبح قيم الديمقراطية والحرية والمساواة والسلام هي القيم الأساسية التي يقوم عليها الحاضر. إن ما تتم عولمته اليوم هو الأزمات الاجتماعية، والفقر والهشاشة والتجارة اللاقانونية، كل ذلك بسبب استحواذ فئة صغيرة من الرأسماليين المتنفذين على معظم خيرات الأرض. وما دام أن معظم شعوب الأرض ستعيش حرماناً متزايداً، فإن ردود الفعل قد تكون جامحة وتكثر الاحتجاجات والثورات، ما يدفع بالدولة الحديثة إلى التخلي عن طابعها الديمقراطي، وتشديد قبضتها على الناس وضربها بالحريات العامة عرض الحائط.
ونتيجة كل هذه الأوضاع يؤكد أغامبين أن ما نعيشه هو أقرب ما يكون إلى حالة طوارئ. إن الجسد السياسي اليوم أصبح جسداً معولماً، أي إنه من فتح على شبكة واسعة من الاتصالات، ولذلك من الصعب السيطرة عليه بفضل ممارسات سياسية ضيقة تميل إلى الانكفاء على ذاتها. ونتيجة لهذا الوضع الجديد من المحتمل جداً أن يعرف المستقبل العديد الظواهر الاجتماعية الاستثنائية، والعديد من الأجساد المستباحة التي يصعب استيعابها ضمن الآلة الديمقراطية.

 

اقرأ أيضا

معادلة سرية عالمية للحضارات