الاتحاد

ثقافة

دافنشي.. مريض عصابي

ليوناردو دافنشي

ليوناردو دافنشي

عز الدين بوركة

تكمن عظمة وعبقرية ليوناردو دافنشي في كونه استطاع أن يزاوج بين فن الرسم والعلوم الأخرى التي برع فيها، بل إن مجموعة من ابتكاراته وتصاميمه قد سبقت عصرها، ما جعله يدخل في خلافات مع من عاصره، لدرجة اتساع الفجوة بينه وبينهم. وما تزال أعمال دافنشي تلقى صدى واسعا وانبهارا واهتماما مهيبا من قبل العالم بأسره، بل إن مجموعة من أعماله لا تقدر بثمن، وقد حظي عمله الصباغي «بورتريه المسيح» بحفاوة كبرى بعدما تم اكتشافه مؤخرا، وقد تَوَّجَهُ متحف «اللوفر أبوظبي» باحتفال كبير وهو يضعه على جدرانه الداخلية. وما دراسة فرويد لهذا العبقري إلا من باب سبر أغواره العميقة وذكرياته الدفينة بغية الأسباب والدواعي التي جعلت من ليوناردو ما كان عليه، انطلاقا من طفولته، حيث يدرس هذا المحلل النفسي مرحلة الطفولة لدافنشي الطفل مستندا على أقصوصة تحكي حلماً كتبها في إحدى مخطوطاته، مفككا علاقته بأمه وأبيه لمعرفة تداعيات هذه العلاقة على أعماله، وهو ما نحن نحاول هنا الاقتراب منه.
تتعدد التوجهات الفكرية التي دخلت في علاقة دراسية وتحليلية مع الفن والرسم، مثل السوسيولوجيا والفلسفة وحتى علم البيولوجيا، ويبقى التحليل النفسي من أكثر المجالات إثارة للجدل، من بين كل تلك الحقول المعرفية التي تناولت عالم الفن والأعمال الفنية من منطلق دراسة شخصية الفنان وحياته ونفسيته. ويأتي كتاب سيغموند فرويد «دافنشي، دراسات تحليلية لذكريات طفل»، والذي أصدره سنة 1910، وترجمه إلى العربية الحسين خضيري عن دار الربيع سنة 2015، من بين الكتب السيكولوجية الفنية التي أحدثت جدالا واسعا في عالم الفن والتحليل النفساني في الآن نفسه. إذ لأول مرة يتطرق محلل للحياة النفسانية لفنان قصد قراءة أعماله، بل انطلاقا من حلم في فترة طفولته. وقد استند هذا الفيلسوف النمساوي على نصّ من مذكرات الفنان الإيطالي الشهير، ورد فيه: «بدا الأمر وكأنه قُدّر لي من قبل أن أشغل نفسي بالنسر على نحو تام، حيث أتى إلى عقلي كذكرى مبكرة للغاية، حين كنتُ في مهدي، ساكناً، أتاني نسرٌ، هبط إليّ، فتح فمي بذيله وضربني عدة مرات بذيله على شفتي» (1). وهي ذاتها الأقصوصة التي استشهد بها سكوناميليو من مخطوط أتلانتيكوس.
يتعلق الأمر إذن، بدراسة نفسية سيراتية، أو ما نُطلق عليه بـ «التحليل النفسي التاريخي»، حيث يتطرق فرويد لمرحلة طفولة دافنشي، والتي يعتبرها مرحلة فارقة في حياة هذا العبقري، إذ ألقت بظلالها على باقي مساره واختياراته الفنية والعلمية. فحسب صاحب «تفسير الأحلام»، حينما يحاول كُتّاب السيرة الذاتية فهمَ حياة البطل فإنه لا يجب المرور صامتين عبر النشاطات أو المميزات الجنسية للشخص محل الفحص، مثلما يحدث في معظم السير الذاتية في تكتم وتكلف للحشمة إذا ما كان عليهم التحدث عن عادات جنسية غريبة (2). إذ أن العديدين من معجبي ليوناردو المحدثين حاولوا محوَ الوصمة المزعزعة التي علقت بشخصيته، كما يخبرنا فرويد (3). وإن كان هذا الفيلسوف واحد من هؤلاء الذين فتنتهم أعمال هذا الرسام النهضوي. لهذا فهذا المؤلَّف لا يُعدّ كتابا قرائيا بسيطا في سيرة عبقري، بقدر ما يحاول أن يفتح نوافذ مغلقة في حياة دافنشي انطلاقا من عالم الحلم، الذي يرى فيه سيغموند أنه مفتاح الولوج إلى الأعماق المظلمة لكل شخص.

عن هذا الكتاب
داخل هذا الكتاب يضعنا فرويد إزاء دراسة تحليلية نفسانية وقراءة نقدية وتاريخية لأعمال ليوناردو دافنشي، الذي رأى فيه «مظلوم عصره»، إذ إن أول الأسئلة التي تطرق إليها فرويد، في تحليله لسيرة هذا العبقري، تكمن في عدم قدرة مجايليه على فهمه واستيعاب عظمته. حيث أن ليوناردو لم يكن مشغولا بهَمّ الفن فحسب، بل كان يؤرق مضجعه أسئلة وإشكالات علمية متعددة متعلقة بعلم الهندسة والنبات وغيرها، ما جعله في آخر حياته ينزاح قليلا عن فن الرسم، وينكب على تصميم ابتكاراته التي كانت تتجاوز ذلك العصر. ويرجح صاحب كتاب «موسى والتوحيد» أن اهتمام ليوناردو بالعلم وانصرافه عن الفن رويدا رويدا ــ خاصة بعد فقدانه دعم لودوفيكو مورو دوق ميلان ــ سارع في مد الفجوة بينه وبين معاصريه. فما الذي يا ترى بالتحديد، أبعد شخصية صاحب لوحة «العشاء الأخير» عن الفهم من قبل من عاصره؟
يجيب فرويد قائلا: «من المؤكد أنها ليست الجوانب التي تتعلق بمقدرته ومعرفته، التي أتاحت له أن يُنصِّبَ نفسه عازفاً على آلة القيثارة التي ابتكرها بنفسه، في بلاط لودوفيكو، أو التي أتاحت له أن يكتب إلى نفس الشخص ذلك الخطاب الملحوظ الذي تباهى فيه بمقدرته كمهندس مدني وعسكري» (4).
فدافنشي الذي يقول عنه ج. بورخاد بأنه «ذو هيئة يمكن التنبؤ بها، لكن من المحال سبر أغوار عمقها»، يخبرنا عنه فرويد بكون البطء الملفت في أعماله منذ بدايته أثبت أنه علامة في كبحه ونذيرا بتحوله من فن الرسم (...) وإنه هو ذاته البطء الذي حدد عدم الفهم للوحة العشاء الأخير (5). بل إن جل أعمال دافنشي الصباغية اتسمت بنوع من التشفير يحتاج إزاءها المرء إلى بحث عميق وتحليل حصيف لإدراك خباياها وما تخبئه من أسرار سبقت عصرها.
تقع دراسة فرويد لسيرة دافنشي على مدى ستة فصول، حيث يقارب في الفصل الأول الوازع الذي دفع دافنشي من الانتقال من عالم الفن إلى عالم العلم. وفي الفصل الثاني تطرق إلى الكاتب إلى الأبعاد التي حددت ميولات دافنشي الجنسية، والتي كانت نتاج علاقته القوية بأمه وكما فترة فراقه عن أبيه في السنوات الأولى من طفولته، أما في الفصل الثالث فيكمل الباحث استرسال تفسير الحلم دارسا أسطورة النسر الفنتازية وامتدادها في حياة عبقري الرسم. ويذهب في الفصل الرابع إلى تحليل لوحتي: «الموناليزا» و»القديسة آن» انطلاقا مما توصل إليه في باقي الفصول السالفة. في الفصل الخامس يستند فرويد على إحدى الملاحظات التي دونها ليوناردو عن موت أبيه بيير دافنشي، وعلاقته المتوتر معه. وانطلاقا من ما سماه «المواظبة»، أي سمة التكرار فيما خطه دافنشي بيده، سيحلل «كبت ليوناردو لمشاعره»، وهو ما يلقي بظلاله أيضا على أعماله الفنية التي تتسم بعض شخوصها ب «الخنثوبة». بينما يذهب سيغموند إلى تركيب كل ما سبق في آخر الفصول.

دافنشي الأنثوي

استهلّ فرويد كتابه إذن بالتأكيد على أن دافنشي تمتع بعدة مميزات وصفات محددة ومضبوطة، والتي جعلت منه عبقريا ومنحته العظمة التي اتسم بها في التاريخ الفني وعالم الرسم بالتحديد. إذ اعتبر سيغموند أن أولى هذه الصفات هو ما سماه بـ «رهافة الحس الأنثوي» (6) التي تمتع بها صاحب لوحة «القديسة آن». وقد بنى هذا الفيلسوف نظريته هذه انطلاقا من تحليله للحلم الذي رآه ليوناردو الطفل، إذ أنه ربط العلاقة القوية التي جمعت الرسام الشهير بأمه مع النسر في الرؤيا، إذ أنه طائر خنثوي (ليس بحاجة لأب) مثله مثل طائر الفينيق الأسطوري. مستنتجا بأن هناك رابط بين ابتسامة الموناليزا الغامضة والسلوك الأنثوي لدافنشي. حيث إنه، كما يذهب صاحب الكتاب، «يملك البحث النفسي تحت تصرفه، تاريخ حياة الشخص، الذي يحتوي أحداثاً عرضية وتأثيرات بيئية، وبمعنى آخر ردود أفعال الشخص. بناءً على معرفة التقنية النفسية فإنه يبحث الآن شخصية الفرد من ردود أفعاله ديناميكياً، ويضع قوى دوافعه النفسية مثلما يبحث تحولاتها الأخيرة وتطوراتها» (7) . ويذهب فرويد بعيدا إلى حد التعليق على مستويات من الأفكار الجنسية المتولدة عن الطفولة وتجارب الأطفال الأولى التي تبدأ من سن ثلاث سنوات. إذ يخبرنا فيلسوف «اللاشعور» إن النقطة الجوهرية في شخصية ليوناردو والسرية فيها، سيبدو أنها تكمن في الحقيقة في استخدام النشاط الطفولي الفضولي في خدمة الاهتمام الجنسي القادر على إنتاج الجزء الأعظم من شهوته الجنسية بوصفها حافز الاكتشاف (8). وهو الأمر الذي سيقود الناقد والمؤرخ إيدم سولمي إلى الاعتقاد بأن أبحاث ليوناردو بدأت مع فنه، لقد حاول تحري صفات وقوانين الضوء، واللون والظلال والمنظور كيما يتأكد من كونه أستاذا في تقليد الطبيعة وتصبح لديه القدرة على إرشاد الآخرين. وقد وضع ليوناردو دراسة عن الطبيعة باعتبارها مبدأ الفن.. ثم أصبحت الدراسة فيما بعد مهيمنة (9).
يرى فرويد أن حتمية السلوك هي العامل الأساسي في عملية التحليل النفسي لأي عمل فني، إذ إن أفكار المبدع وعواطفه وتصرفاته وأفعاله في لحظة معينة، تتوقَّف تماماً على تطوُّر دوافعه الشخصيَّة وتشكيلها، خلال الخبرات التي سبق أن عانى منها، كما أنها تتوقَّف على كيفيَّة إدراكه الموقف، وهذا المبدأ الأساسيُّ يؤدِّي إلى تأكيد الدور المهمِّ الذي تقوم به الطفولة في مراحلها الأولى. وتنقسم لنوعين أساسيَّين في تكوين الشخصية: فمن جهةٍ هناك النزعات الغريزيَّة، وأهمها العدوانيَّة والجنسيَّة، ومن جهةٍ أخرى طبيعة الموقف السيكولوجي والإنساني.
وهو والأمر الذي حدا بهذا العالم النفسي إلى دراسة الأبعاد الجنسية التي راكمها ليوناردو في طفولته والتي في نظره، كان لها أثر كبير على مستقبل هذا العبقري وخاصة في اختياراته الفنية وميولاته الجنسية. وإن يعتبر أن مشهد النسر (في الحلم) ليس جزءاً من ذاكرة ليوناردو، لكنها فانتازيا شكّلها مؤخراً وصدّق أنها آتية من طفولته. إذ إن ذكريات الطفولة لدى الأشخاص عادةً ليس لها مصادر مختلفة كحقيقة واقعة، وهي ليست راسخة من تجربة كالذكريات الواعية من زمن النضج، وحينئذ تتكرر، لكنها لا تخرج إلا في مرحلة متأخرة حين تكون الطفولة بالفعل قد مضت، وتصير ماضياً، وحينها تتغيّر وترتدي مظهرا آخر وتصبح في خدمة ميل متأخر، لذا فإنها لا تتمايز عن الفنتازيا بدقة (10). وكقاعدة فإن بقايا الذاكرة، والتي ليس يعيها هو نفسه تُخفي أدلة لأهم ملامح نموه النفسي (11).

آثار الحلم.. حضور الأم
ولأن الإبداع هو تحقيق للجوانب اللاشعورية في حياة الفنان، كما يؤكد فرويد، وانطلاقا مما سبق، سيتخذ هذا المحلل من لوحة «القديسة آن» منطلقا لدراسته للحلم وآثاره على أعمال ليوناردو، إذ سيصف فيها نسرا تتبع خطوطه (إنه الذكرى الواعية التي تحدث عنها)، حيث نرى النسر مُشكّلاً من ملابس المرأة (مريم العذراء) بينما يتجه ذيله صوب فم الطفل (المسيح)، وأحد أجنحته عند قدم المرأة. بهذا الوصف يستخرج فرويد أثر الحلم الذي حكاه ليوناردو في أعماله. إذ يقدم لنا عنصر النسر المحتوى الحقيقي لذاكرة ليوناردو في فنتازيا طفولته (12). بينما وانطلاقا من اللوحة المشار إليها فاستبدال الأم بالنسر يوضح لنا افتقاد الطفل للأب وشعوره بالوحدة مع والدته (13). حيث إن دافنشي الطفل كابد آلام هجران والده له في السنوات الخمس الأولى لطفولته والتي يرى فيها فرويد بأنها حاسمة في تحديد شخصية الفرد. ويضاف إلى ذلك السنوات الأولى التي أوكل فيها إلى زوجة أبيه رعايته... ما قد يكون هو سبب تأجيج ميول ليوناردو إلى التمرد على الأب. فأيّاً كانت مشاعر ليوناردو تجاه والده، فهو يحاول قمع هذه المشاعر، لأنه يعتقد أنه ليس من المفترض أن يشعر بهذه المشاعر (14).
ولا يستقر حضور النسر في حلم ليوناردو دافنشي عند كل هذا المعطى، بل إن ذيله الذي أدخله في فم الطفل، هو عودة إلى ذكريات الرضيع ليوناردو، بل إنه يرتبط ارتباطا وثيقا بما شكله المصريون القدماء عن أسطورة النسر، الذي كان يمثل الأنوثة، بل إنهم لم يكونوا يتصورون في النسر إلا الأنثى. وإن كانوا يشكلون الإلهة موت Mut، الإله الأم، برأس نسر وجسد ذكوري؛ ومن باب ما يتحد فيها من صفات الأمومة والأبوية، وهو عينه ما يتمثل في فنتازيا ليوناردو. وقد انتقل هذا التصور إلى علوم الطبيعة في تلك العصور، حيث كان يُصور النسر على أنه كائن خنثوي، مثله مثل الخنفساء، التي كان يُظن أنها تُلقح نفسها عبر الريح. وهو ما يرتبط بحلم ليوناردو وتفسيره، حيث أن هذا العبقري ظل طيلة حياته مرتبطا ارتباطا قويا بأمه، التي تكاد تحضر في ذهنه في مقام العذراء، وخاصة وأنه لم يعرف حرارة الأب إلا في عمر خمس سنوات.
ما سيقود فرويد إلى دراسة ابتسامة نساء لوحات ليوناردو دافنشي وخاصة لوحته الشهيرة «الموناليزا» أو «الجيوكاندا»، إذ إنها ابتسامة ثابتة على شفاه ممتدة ملتوية، والتي تعد سمة من سمات ليوناردو ويشار إليها بـ «الليوناردية» (15). وكما يقول غروير Gruyer: «مضت أربعة قرون تقريبا منذ أفقدت الموناليزا كلّ هؤلاء الذين نظروا إليها لبعض الوقت صوابهم». انها ابتسامة لم يفك أحد لغزها. وقد تأثر ليوناردو بابتسامة الموناليزا حد أنه يمكن إدراك السمة التقليدية للجيوكاندا في لوحة «المعمدان» في متحف اللوفر. ومن المحتمل أن ليوناردو قد كان مفتونا بابتسامة الموناليزا، لكونها أيقظت شيئا ما في ذكرياته وفي نفسه، شيئا ما كان نائما في ذكرياته القديمة، حيث إن ابتسامة الجيوكاندا استعادت ذكرى ولدته، من الطبيعي أن نعي أنه قد دُفع أولا لإنتاج مجد الأمومة، وليعيد إليها الابتسامة التي وجدها في السيدة البارزة (16). وألم يقم دافنشي بجنازة مهيبة في حق والدته المتوفاة، بعد فراق طويل بينهما؟ كأننا به يُخلدها عبر تلك الابتسامة.
سينتهي إذن فرويد إلى استنتاج مثير للجدل، حيث أنه سيعلن أن الإنتاج الفني للرسام العبقري ليس إلا انعكاساً لمرضه العصابي. إذ كما يقول صاحب الكتاب، بالتركيز على ليوناردو علينا أن نصوّر رؤية أن الحادث المتعلق بكونه مولود غير شرعي، وتدليل والدته له استحضر الأثر الأكثر حسماً على بنية شخصيته ومصيره الأخير، عبر حقيقة أن الكبت الجنسي الذي تبع مرحلة الطفولة جعله يُصعّد طاقته الجنسية إلى عطش نحو المعرفة، وحدد ذلك عدم نشاطه الجنسي طيلة حياته كلها (17). فرغباته المكبوتة إذن -حسب رأي فرويد- تحوّلت إلى دوافع حفزته إلى الانغماس في البحث وإشباع الفضول. وإن عارض كثيرون هذا المعطى، لكن بلا دراسات مباشرة أدحضته أو فندته، واصفين سيغموند بأنه محتال كان يرمي إلى بلوغ الشهرة بأي ثمن !!

العظمة قتل للأب
أما بخصوص علاقته بوالده، أراد ليوناردو أن ينتصر على أبيه ليصبح أكثر شهرة منه، أبوه الذي اشتغل كاتب عدل. الأمر الذي قاده ليكون رساما، ويا لها من مصادفة حينما يكون تفسير النسر في الحلم، كما يذهب ابن سيرين باعتباره رمزا للعظمة! إذ يخبرنا هذا المفسر أنه «من أخذ شيئاً من ريش النسر فإنه يصيب مالا من سلطان، والنسر يدل على طول العمر». وبفعل الرسم غدا العبقري دافنشي عظيما. ومن ثمة سيتخصص في مجالات علمية كثيرة برع فيها كل، وأنجز فيها أبحاثا سابقة لأوانها. لذا أصبح أول فيلسوف طبيعي حديث، على حد قول فرويد، وكوفئت شجاعته بوفرة في المعرفة والاقتراحات، منذ الفترة الإغريقية يعدّ (ليوناردو) أول من بحث في أسرار الطبيعة، وهو يعتمد كلية على مشاهداته وحصافته (18). وأما غرامه بكل شيء فقد قاده إلى رسم تحف فنية تنقل الأفكار العلمية إلى تجربة فردية واقعية، فهو كما يقول عن نفسه، لا يمارس العلم في الرسم لكنه يمارس العلم في العلم، فالرسم عنده يعدّ وسيلة علمية.
ويا لها من مفارقة حينما ندرك ــ كما يذهب صاحب «الأنا والهو» ــ أن فراقه الأب في عمر الطفولة المبكرة هو الأمر الذي ساقه إلى كل هذه العظمة والعبقرية. بل إنه الأمر الذي أثر حتى في أفكاره الدينية. إذ كما يقول صاحب هذا الكتاب، فـ «التحليل النفسي [...] يوضح لنا كيف أن الشباب يفقدون إيمانهم الديني بمجرد أن تتحطم سلطة الأب» (19). لهذا سيتم اتهامه بالزندقة التي تساوت آنذاك بإنكار المسيحية، وألصقت به في حياته، وتم وصفها في أول سيرة حياة كُتبت عنه بواسطة فاساري. وإن لا يبدو أن حياة ليوناردو دحضت فكرة الإيمان الديني20. حيث أنه اعتنى كثيرا بلوحات تمجد المسيح ومريم العذراء والحواريين والقديسين والرسل المسيحيين. لكن من المؤكد من فن ليوناردو أنه نحَّى جانبا آخر أثار الارتباط الديني عن الشخصيات المقدسة ووضعهم في إطار إنساني ليصوِّر فيهم الإنسانية العظيمة والجميلة (21). إذ إنه انتقد تصورات عديدة للكنيسة التاريخية والمستقبلية، كنوع من تمرد على البطريرك (الأبوية المسيحية) يتساوى مع تمرده على أبيه. بل إن ليوناردو لم يرغب في تقديس صور لأناس لم ير فيهم سوى كونهم ليسوا إلا كباقي البشر، فقد كان مسعاه هو هزم التشدد العقائدي، وإحلال الإنسانية.

ختاما؛
إن كتاب «دافنشي، دراسة تحليلية لذكريات طفل»، يعد كتابا مثيرا للجدل وأحد الكتب المؤسسة لعلم التحليل النفسي للأعمال الإبداعية، من حيث أنه طرح نظرية كون الأعمال الفنية هي نتاج للماضي الدفين لصاحبها، والمترس خ في اللاشعور، دارسا الأبعاد الجنسانية للمبدع وآثارها على العمل الفني. فهذا المؤلف غني جدا إلى حد يلزمنا قراءته أكثر من مرة حتى نفكك خباياه وما ينطوي عليه من أبعاد تحليلية تفكك شفرات آثار دافنشي الجمالية، التي تعد مؤسسة وهامة في التاريخ الفني والجمالي.
ومهما اختلفنا حول هذه الدراسة الفرويدية لعمل دافنشي، فالعمل الفني ما أن يتم انتاجه لا يغدو ملكا لصاحبه، ويصير مفتوحا على قراءات متعددة، لهذا تظل قراءة فرويد لسيرة ليوناردو وانعكاسها على لوحاته مجرد قراءة من بين القراءات المتاحة والممكنة، وإن سعى هذا العالم إلى الامساك بالمستحيل، منطلقا من حكاية عابرة في مخطوطات العبقري دافنشي.

اقرأ أيضا

معادلة سرية عالمية للحضارات