الاتحاد

ثقافة

السينما في الإمارات.. يتيمة

لقطة من فيلم كيمره

لقطة من فيلم كيمره

تحقيق: محمد عبد السميع

السينما صناعة ثقافية ممنهجة قد تتفوق في آثارها على فعل الجيوش والأسلحة، من شأنها السماح بإعادة تشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية وكذلك الاقتصادية. فآثارها جلية في تشكيل الأبعاد الفكرية والنفسية والوجدانية والمزاجية والدينية والقيمية لدى قطاع كبير من الأفراد على امتداد عالمنا العربي.
وقد استطاعت السينما الإماراتية خلال الأعوام الماضية أن تتقدم بخطوات واثقة وأكبر من المتوقع، على صعيد عدد الأفلام المنتجة ومضامينها ومستواها الفني في التعبير عن العديد من الأمور والقضايا التي شغلت الرأي العام، وأن تحقق عدداً من الجوائز سواء المحلية أو العالمية، خلال العام الماضي، حيث تمكن صناع السينما الإماراتية من إنتاج 13 فيلماً بين روائي قصير وروائي طويل، منها ما حقق إيرادات كبيرة في شباك التذاكر، مثل فيلم «عاشق عموري» للمخرج عامر سالمين المري، ولكن هل بالفعل استطاعت السينما الإماراتية أن تحقق الانتشار المطلوب في الساحة المحلية والخليجية والعربية؟
السينما الإماراتية بين المصطلح وواقع الإنتاج، سؤال طرحته «الاتحاد» على كوكبة من الفنانين والمخرجين الإماراتيين، وعادت بهذه الإجابات:
يؤكد المشاركون في هذا الاستطلاع أن السينما الإماراتية حققت قفزة واضحة في السنوات الأخيرة، وأن هناك تجارب مهمة على المستوى الفردي، وذلك بفضل جهود صناع السينما الإماراتيين والجهات والمؤسسات الثقافية المعنية بهذا الفن الرفيع، ويتفقون على أنها ليست صناعة لأنها تحتاج الى سوق، وهم يرون في السوق السعودية فرصة مواتية لكي تمارس السينما الإماراتية حضورها وأثرها على المستوى الخليجي والعربي، لكن هذا لكي يحدث فإنها تحتاج إلى استراتيجية (رسمية أو غير رسمية)، إضافة إلى توفير الدعم المناسب الذي يمكنها من خلق قاعدة جماهيرية عريضة، وحصد الجوائز الإقليمية والعالمية، والتنافس في الساحة السينمائية العربية.

شحّ النصوص
يرى الممثل بلال عبدالله أنه لا توجد سينما إماراتية أو حتى سينما خليجية بالمعنى الحقيقي، لأن السينما تحتاج إلى دعم وإنتاج، كما أنها تحتاج إلى جمهور للمشاهدة لأنها في الأول والآخر «تجارة وبيزنس»، مضيفاً أن السينما الإماراتية تقترب من أن تصبح سينما بالمعنى الحقيقي خاصة بعد فتح السوق السعودي، لأن السوق السعودي مهم جداً من أجل فتح آفاق جديدة للسينما، خاصة أن الإنتاج السينمائي يحتاج إلى جمهور لكي يستطيع أن يحقق مردوداً فنيا ًومردوداً مادياً، فالسوق السعودي كبير جداً ويستطيع أن يحقق ذلك.
ويتابع عبد الله: إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه صناع السينما الإماراتية، هو عدم توافر كُتاب النصوص، وهو الأمر الذي يضطرهم للاعتماد على أنفسهم في هذا الجانب، وعلى الرغم من الإنجازات التي حققتها السينما الإماراتية، إلا أنني أعتقد أنه لا يزال أمامها مشوار طويل في هذا الجانب، فنحن لا نزال نفتقر إلى الأكاديميات والمعاهد وجامعات السينما، الأمر الذي يجعل المجال الأكاديمي للعمل السينمائي عشوائياً وغير معمق والكثير منه يركز على العملي فقط، وكأن الإخراج والكتابة السينمائية والفنيين المختصين مجرد حرف مكتسبة وليست رؤى وقناعات فنية. كما أن مهرجان دبي السينمائي كان له دور كبير وفعال في إظهار الهوية الوطنية والآن أصبح المهرجان كل عامين بدلا من كل عام، وكلها معوقات يواجهها الإنتاج والعمل في مجال السينما.

أقل من المطلوب
ويرى الفنان هزاع الظانجي أن السينما الإماراتية في تطور ملحوظ بناءً على تجارب بعض المواهب والمخرجين في الساحة الخليجية الإماراتية بصفة خاصة، ولكن لم تصل إلى الشكل المطلوب أو المستوى العالمي والأجنبي الذي نشاهده، لأن هناك بعض المعوقات التي تعوق الأعمال السينمائية الإماراتية، ومنها قلة الدعم الإنتاجي، فمن الضرورة وجود الدعم الفني للسينما، خصوصاً أن هذا هو المتعارف عليه في البلاد المهتمة بعالم الفن السابع، والتي تضع السينما ضمن أولوياتها كمصدر دخل قوي، لذلك يرصد لها ميزانيات عالية للتنفيذ، من أجل تحقيق المكاسب وتحويل الإنفاق إلى دخل، منوهاً أن ما يقدم في السينما الإماراتية حتى الآن هي تجارب، وليست صناعة، رغم أن هذه التجارب أغلبها تكللت بالنجاح، وهذا يؤثر سلباً على تقدم السينما الإماراتية. ولكن هناك مهرجانات محلية، كمهرجان دبي السينمائي، وهي التي تدعم الحركة السينمائية في المنطقة. نحن نعيش في بيئة خصبة، ودولة متطورة في جميع المجالات، فلماذا السينما غائبة عن ذلك؟، فالمسرح في الإمارات، على سبيل المثال، لا يزال متوهجاً ومستمراً ومزدهراً إلى أبعد الحدود بفضل الدعم لكل مسارح الدولة، لكن وبكل أسف السينما «يتيمة الدعم والاهتمام».
ويواصل الظانجي: شاهدنا تجارب بعض الزملاء كالمخرج أحمد زين والمخرج عامر سالمين وبعض الزملاء الآخرين، وكانت موفقة، ومواضيعها جيدة، لكن هناك فرقا بين الدراما والسينما وهو الخبرة في الأمور الفنية؛ كالتعامل مع الكاميرا والعدسات المطلوبة وخلق مشاهد أشبه إلى الواقع، وما زالت التجارب في تقدم. ونتمنى أن يكون للسينما الإماراتية دور في الساحة العربية، ويأتي ذلك بتعاون المؤسسات والداعمين لها.. وهنا أخص بالشكر شركة طيران الإمارات لأنها خصصت بعض الأفلام الإماراتية من ضمن الأفلام التي تعرض في مقصورات الطائرات التابعة لها.
وأضاف الفنان عبدالله بوعابد أن السينما الإماراتية استطاعت خلال الـ10 سنوات الأخيرة أن تقطع شوطًا جيدًا في مجال الصناعة، وذلك بفضل الجهد الذي بذله صناع الأفلام الإماراتية، وكذلك بفضل المهرجانات السينمائية التي أقيمت في الإمارات مثل مهرجان دبي السينمائي، الذي يلعب دوراً كبيراً في تشجيع شباب الفنانين والمخرجين الإماراتيين على الإبداع. كما ساهم بطريقة أو بأخرى في إرساء قواعد هذه الصناعة، بحيث أصبح المخرج الإماراتي قادرًا على إنتاج أفلام مفصلة على مقاس صالات العرض التجارية.
وأضاف: بلا شك أن المتابع لمسيرة السينما الإماراتية يدرك حجم القفزة التي حققتها، إذ أصبح صناعها أكثر جرأة وإقبالًا على إنتاج أفلام طويلة، بعد أن ظلوا لسنوات طوال يقتصرون على إنتاج الأفلام القصيرة فقط، وهذا التحول أدى إلى إحداث نقلة في طبيعة العمل نفسه، وطرق الإخراج، والتصوير، حتى القصص والقضايا التي يعالجونها في أفلامهم، التي استطاعت التحرر من عباءة المهرجانات، وأصبحت أكثر قربًا من العرض التجاري، وهو ما يمكن القول بأنه يمهد لصناعة سينما.
وبسؤاله عن معوقات السينما الإماراتية يرى أبو عابد أنه لا يوجد دعم مناسب ودائم للسينما كما هو الأمر مع المسرح الإماراتي، خاصة أن هناك شركات إنتاج لا تعطي سوى 30% من قيمة العقد مع الممثل فقط لا غير، كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج جعل من الصعوبة تواجد أفلام إماراتية كثيرة، فعندما نذكر الاستثمار، فمن المتوقع أن يكون هناك ربح مادي أو معنوي. ولا تجد مستثمرًا يضع أمواله دون أن ينتظر عائدًا ما، ولن يقوم بهذه الخطوة إن لم تكن هناك دراسة واضحة ودقيقة للمشروع السينمائي، كما أن صناعة السينما تحتاج إلى نشر هذه الثقافة من خلال الدعم المادي وتعزيز قيمة العمل السينمائي، وأهمية صناعة الأفلام، وتشجيع المؤسسات الثقافية.

قادرة على المنافسة
وباستطلاع رأي الممثل والمخرج إبراهيم القحومي يرى إن السينما الإماراتية خلال الخمس سنوات الأخيرة قطعت شوطًا جيدًا، وتمكنت من الدخول في إنتاج الأفلام الطويلة القادرة على المنافسة في صالات العرض التجارية، بدليل كميات الأفلام التي عرضت خلال الأعوام الماضية، في كل عام نجد فيلماً أو فيلمين إماراتيين في صالات العرض السينمائية، وجميعها كانت تجارب جيدة بشكل عام، ولكن المشكلة أن الفيلم الإماراتي يستقطب الاهتمام خلال فترة العرض، لكن بعد انتهاء فترة العرض نجد أن الناس لا تتحدث عن الفيلم ولا يثبت في عقول المشاهدين، لذلك نطالب بأن تكون قصة الفيلم في الفترة القادمة قصة تستطيع أن تعيش في عقول المشاهدين حتى يستطيع الفيلم أن يحقق المردود المعنوي والمادي. إن صناعة السينما تتطلب وعيًا تاماً بمراحل صناعة الفيلم وإعداد النص وتنفيذه، واختيار الفنانين القادرين على إقناع المشاهد وتأدية الأدوار بكل احترافية وفن، ومرحلة ما بعد الإنتاج من تسويق وتوزيع، حتى يستطيع الفيلم الحصول على جوائز سينمائية عالمية وعربية وخليجية.

لا يثقون بنا
تقول الفنانة أشجان: الحركة السينمائية وصناعة الأفلام في الإمارات لا تزال حديثة نسبياً، نظراً لأن أغلب صناعها من فئة الشباب، إضافة إلى ندرة السيناريوهات التي تحتوي على الحبكة الدرامية، وهذا لا يمنع أن السينما الإماراتية استطاعت خلال السنوات الخمس الأخيرة، أن تحقق قفزات نوعية، وأن تدخل أروقة صالات العرض التجارية ولكن مازال لديها الكثير حتى تستطيع أن تصل إلى العالمية أو أن تنافس وتحقق جوائز عربية وعالمية، مضيفة أن اغلب المخرجين الشباب الإماراتيين يتعاملون بطريقة الموهبة والتجارب الفردية من دون دراسة فن الإخراج، وذلك سبب رئيسي وراء عدم ثقة الجهات المختصة بنا، وغياب الدعم يؤكد أن لا ثقة بالمنتج المحلي، حتى إننا لم نستطع إلى اللحظة تصدير نجم تذاكر، يجذب الجمهور إليه.
وتضيف أشجان: لابد أن يكون لدينا سيناريو قوي، ومخرج قوي، ومجموعة من الفنانين الذين يستطيعون أن يقدموا عملاً قوياً بحيث يجبروا المنتجين وشركات الإنتاج على أن تقوم بإنتاج الأفلام الإماراتية، فالعمل السينمائي صناعة ولا بد لشركات الإنتاج أن تحقق مكاسب مادية حتى تستطيع أن تستمر في إنتاج الأفلام.

مطلوب استراتيجية
ويقول الفنان علي خميس (ابو شلاخ): المتأمل في مسيرة السينما الإماراتية، يدرك دون مبالغة دور وجهود الفنانين والمؤسسات المتعددة بالدولة ذات الاهتمام في صناعة السينما، حيث قدمت إسهامات بارزة في هذا الشأن، ولا أدل على ذلك من رصد جهود رواد العمل السينمائي من المخرجات: نايلة الخاجة ونجوم الغانم، ومن المخرجين: ناصر الظاهري، سعيد سالمين، راكان، وناصر التميمي. وهؤلاء جميعاً لم يقتصر دورهم على تقديم نوعية معينة من الأفلام ولكن قدموا أعمالاً متنوعة، عاكسين ملامح الثقافة المحلية، الأمر الذي مكنهم من الوصول إلى مكانة متميزة. إضافة إلى ما حققه مهرجان أبوظبي السينمائي، ومهرجان دبي السينمائي، ومسابقة أفلام من الإمارات، وبرنامج استوديو الفيلم العربي للأفلام الروائية في رعاية الشباب الموهوبين في صناعة السينما وتطوير مهاراتهم، وإيمج نيشن أبوظبي التي ساهمت أيضاً في تقوية عضد صناعة السينما الإماراتية، من خلال مساهمتها في إنتاج عدد من الأفلام الروائية.
ورغم تلك الجهود، يمكننا القول إن صناعة السينما الإماراتية تفتقد وجود استراتيجية رسمية أو غير رسمية من أجل النهوض والاستمرارية في تقديم أعمال سينمائية، تشكل مشهداً وليس أعمالاً متفرقة ناتجة عن مؤسسات أو أفراد. الاختبار الحقيقي للسينما الإماراتية ليس فقط أن تعبر عن هويتها على أرض الواقع، في كل فيلم تصنعه، بل إن تكون، أيضاً، نقطة انطلاق إلى الاحتراف والانسجام والإبداع في أي فيلم تصنعه.

فاطمة الجلاف: «دبي للثقافة» توفر كل وسائل الدعم للفيلم الإماراتي
قالت فاطمة الجلاف، مدير قسم المسرح ومدير إدارة الفنون الأدائية بالإنابة في هيئة الثقافة والفنون في دبي، إن الهيئة تدعم جميع الفعاليات السينمائية التي تقام في إمارة دبي، وخاصة مهرجان دبي السينمائي، وأكدت حرص قسم السينما في إدارة الفنون الأدائية على توفير كل وسائل الدعم سواء المادية أو المعنوية للأفلام السينمائية الإماراتية، كما أن المخرج أو كاتب السيناريو الإماراتي متاح له تقديم مقترح تتم دراسته لتقديم الدعم بشكل مادي أو معنوي أو تقديم التسهيلات أثناء عملية التصوير والمونتاج.
وتابعت: في عام 2015 سجل أعلى رقم من الأفلام الإماراتية الروائية الطويلة، إذ تم إنتاج أكثر من 4 أفلام روائية طويلة، إضافة إلى عدد من الأفلام الوثائقية، سجلت بمجملها قفزة ملحوظة. وفي عام 2017 تم إنتاج 7 أفلام منها: «كيمره» لعبد الله الجنيبي، و«ضحى في تايلاند» لراكان، و«كارت أحمر» لناصر التميمي، و«عوار قلب» لجمال سالم، و«كبريت» لعبيد الحمودي. وخلال العام 2018 قدمت السينما الإماراتية ما يقارب من 13 فيلماً بين روائي قصير وروائي طويل، بعضها حقق إيرادات كبيرة في شباك التذاكر، مثل فيلم «عاشق عموري» للمخرج عامر سالمين المري، الذي حصل - أيضا - على جائزة أفضل إخراج لفيلم طويل في مهرجان دلهي السينمائي الدولي عام 2018.
وفاز فيلم «كيمره» بجائزة المهر الإماراتي لأفضل مخرج في مهرجان دبي السينمائي عام 2017، وفاز «في سيرة الماء والنخل والأهل» للمخرج ناصر الظاهري بجوائز عدة، منها جائزة المهر الإماراتي عام 2015 وجائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان كوبنهاجن، و3 جوائز استحقاق من أميركا في 3 مهرجانات بـ 3 ولايات وغيرها، وحصد فيلم «ساير الجنة» للمخرج سعيد سالمين 9 جوائز، كما حصد الفيلم القصير «أبوظبي العاصمة» إحدى جوائز مهرجان «كان» عام 2014.

اقرأ أيضا

معادلة سرية عالمية للحضارات