الاتحاد

الملحق الثقافي

المسرح تفكير جماعي

لعل السؤال عن أسباب غياب المسرح عن ثقافتنا القديمة أن يكون ضربا من الرجم بالغيب لا جدوى منه ولا خير فيه، وأفضل منه أن نستحضر حالة الولع الشديد به منذ عصر النهضة العربية فى القرن التاسع عشر، فالذى يتتبع تفتح وردة الحياة الحديثة فى مصر والشام والعراق لابد له أن يرقب اختلاجها بنبض المسرح بقوة.
وعندما يتم التأريخ لتطور العمران فى المدن العربية سنجد أن تخصيص أماكن محددة فيها لنصب خشبة المسرح عليها قد أصبح ضرورة لازمة بالتدريج. بدأ ذلك فى كبريات المدن مثل القاهرة وتليها دمشق وبغداد وبيروت، إذ لم تكن تعرف من قبل سوى دور العبادة ودور اللهو والطرب، وكان على الممثلين الموهوبين بالفطرة من أراجوزات ومنشدين ومداحين وحواه وقصاصين أن يظلوا هائمين فى الشوارع بين الصبية والأتربة قبل أن يجدوا خانات يسكنون إليها أو مقاهي يسمرون فيها.
لكن لمسة سحرية من الوعي بالواقع الحديث لم تلبث أن أصابت بعض هؤلاء الفنانين بفعل الاحتكاك بالثقافات الوافدة خاصة الفرنسية والإيطالية، فأشعلت خيال بعض من جذبتهم صناعة الفرجة، فاتخذوا مسارح فى الأزبكية وملاهي روض الفرج ونقلوا عن الفرنجة تقاليد الفن الجديد وعربوا بعض نماذجه، فوضعوا مقاعد فى الصالونات ونصبوا المسارح وكونوا الفرق، وامتزج الفن الجديد بحياة اللهو والجد، وإذا بهم يعثرون فى هذه الفرجة على ما لم يتعودوا عليه من قبل، أن يتأهبوا للذهاب إلى مكان مغلق، ويشتروا له بطاقات الدخول، ليشاهدوا بشكل جماعي عروضا لأحداث وشخصيات، محاكية لما فى الحياة التى يعرفونها فى بعض تفاصيلها الدقيقة، مبرزة لأول مرة أمام عيونهم معنى هذه الشريحة المصغرة من الحياة، وما توحى به من مشاعر الفرح والحزن، وما تشف عنه من أفكار مختلفة. وإذا بما كانوا يمارسونه بشكل آلي في حياتهم كل يوم يكتسب معنى جديد لم يلتفتوا إليه من قبل بعد أن أحكمت صناعته وعرض أمامهم على خشبة المسرح منظما، فى بداية يلمسونها ونهاية يصلون إليها ودلالة واضحة لما جرى تتراءى أمام عيونهم عند إغلاق الستارة واضحة قوية لا ريب فيها.
وربما كان بعضهم ممن يمتلكون ثقافة تمكنهم من التأمل فى أحداث الحياة عند لحظات الميلاد أو الزواج أو الوفاة قد خطر لهم مثل هذه المعانى من قبل، لكنهم إن فعلوا ذلك فعلوه بمفردهم، أما الآن فالأسئلة مطروحة عليهم من فوق خشبة المسرح، والجمهور على اختلاف أعمارهم ومشاربهم مدعوون ضمنا للتفكير الجماعي فى معنى ما يشاهدونه، والممثلون لا يفتأون يحرضونهم على هذا التفكير الممتع الجديد بما يوحون به من أقوال وحركات. عندئذ يتفاعل هذا الجمهور مع ما يعرض أمامه، وتتخلق حالة جديدة من شراكة التفكير وطرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة الجديدة غير المعهودة، مع ما يصحب كل ذلك من لذات جمالية فى محاكاة الأصوات والأقوال والألوان والموسيقى والحركات، واعتصار ما يقضي به كل ذلك من معلومات إخبارية أو جمالية، وتلك متعة لا تعدلها أية متعة أخرى جربها هذا المشاهد فيما عرفه من فنون قولية.


drsalahfadl@gmail.com

اقرأ أيضا