الاتحاد

الملحق الثقافي

«وِرد الحب».. عن موت بلا قبر

من خلال أشعاره المنشورة، وقصائده المجموعة في كتيّبات، ليس آخرها (وِرد الحب)، يبدو إبراهيم الجريفاني، مسرع الخطى، غزير الإنتاج، متطور الأسلوب والمفاهيم.
فبين قوله في إحدى بواكير قصائده: (رأيت بريقك ساطعاً يحمل أحلامي)، وبين قوله في نتاجه الحديث من قصيدة وِرد الحب من ديوانه هذا: (تلبسيني يا أجمل النساء / كم أشتاق أن أتدثر بشعرك/ يا امرأة/ رأيتها حلماً/ تمنيت معها/ أن لا أفيق)، تشغله المرأة، ينسحب جمالها في قصائده على روابض القصائد. خضابها ألوان مشعشعة، وعطرها أنفاس الشعر، وضوع المناغاة.
أما الرغبة وشوق الوصال، فهاجس مقيم، وتواصل لا ينقطع، في نفس يصطرع داخلها الماء والنار ومشتقاتهما، من ندى وبوح وبخار/.
ففي قصيدته نشوة الأرق يقول:
(إليَّ/ إلي بأقداحٍ/ من نشوة الأرق المعتق/ إلي به/ فقد ألفت روحاً/ هي لليل نديم/ مذ حضرت/ صار سهاد الليل بدري/ أتتبع/ أتتبع نثيت أنفاسك/ يلثمني/ يلثمني/ يلثمني عطرك يا امرأة/ نثت أريجها عبر الحرف/ أبعديني/ أبعديني/ أبعديني بذراعيك/ لـ ألتصق بك/ أتحد بك ومعك/ تعالي/ تعالي/ نجسد إئتلاف الأرواح/ لنثمل بالكتابة/ بأقداح وأقداح/ فقد ألفت/ وألفت روحي/ أرقكِ / المعتق/ المعتق/ المعتق).
في كلامه المرأة عنده تضاريس غواية. وفي شعره قصائد ودواوين لا تنتهي، ومنابع أشعار لا تنضب. وهو العطشان الهائم، وبحر الرمل الغابب. يهرب الشاعر من عالم يعيشه جسماً ويقبله فكراً. يدفع بهذا العالم إلى مستودع الكبت الأبدي، ويطلق لأشعاره أعنة البحث، لأجل عالم يرضيه.
يستبيح لنفسه رسم الأشياء بأشكال تغاير الواقع والمألوف. فإما يرى الأمور متمايزة حقاً، أو يشاهدها بمنظار يكبّرها. لعلّه يريد الإيحاء بعلم أسرار يخشى البوح بها، لقوم من غير أهل السر والحافظين له.
يقول إبراهيم الجريفاني ما يحلو له، دون موانع أو ضوابط أو قواعد. يغوص في بحر الحروف لينسج منها كلمات تعنيه. ثم ينظم الكلمات في جمل تحاكي اللا مفهوم واللا محكي واللامعقول.
في قصيدته “أعدني أنثى شرقية” يقول: بأصابعي أتحسس نبضي/ لأتعثر بك/ متى تسارع أعرف أنك حضرت/ كل ما بي تبدل/ تغير/ ذات مساء/ شعرت بنشوة حضورك/ وقفت أمام مرآتي/ رأيتك أنت.
ثم يقول في “ولي بك لقاء”: لن أودعك/ لأن بك لقاء/ أيها الراحل/ الساكن بي/ ارجوك/ اسمعني بعدك ضاق بي الفضاء/ وأوقفت العبرة/ أنفاسي/ لا تكفكف دموعي/ وإن اغتسلت بها/ أتعثر بك/ أتعثر بك/ أتعثر بك.. بـ زوايا كنت بها/ أتعلم/ أمضي حيث كنا وكنت/ تدعوني اليك/ نعم تدعوني اليك/ هو صوتك/ هنا وهناك/ بقاياك/ رائحتك/ أشتمها لترتد لي الذكرى/ أتعلم/ لا مذاق لـ شفاهي ما لم تنطق باسمك.
وفي قصيدته “نوارة الحرف” تبدو تلك النزعة التساؤلية التي تسكن أسئلته عن سر الحياة وسر الوجود: أقدارنا/ نسير لها/ إليها/ مسيَّرين/ مخيَّرين/ نتساءل: لم نحن هنا؟/ ما الذي أتى بنا؟/ فكرت ملياً أردت أم هو أراد؟!/ طمأنت نفسي/ مؤمنة روحي/ هائمة/ متعبدة/ أتيت بشوقٍ/ لـ أسمع بوجدٍ/ زفرة الحرف/ هاجس سكنني/ رحلت في تيهٍ/ أسير إليك قدري/ أنشد فرحي/. أقدارنا. نسير لها/ إليها/ مسيَّرين/ مخيَّرين.
وترافقه النزعة مع قصائده الأخيرة. ها هو في “بلا قبر ادفنوني” يدخل في طقس من التيه الداخلي والرغبة في عناق الذات ومعرفة ماهيتها، وفي بحثه عن ذاته يتصل بذوات الآخرين ليصبح متحدثاً باسم المواطن العربي التائه في الحياة بلا هوية، والذي يفتقد الهوية حتى في الموت:
من أنا؟ أنا من؟ تيه الفكر/ شخوص عدة في شخص/ أضعنا الاتجاهات/ افتقدنا الإنسانية/ تيه نعيش بلا هوية/ تيه/ قبوراً لا تحمل على نواصيها هوية/ تيه أوصيكم/ أوصيكم/ بعد وفاتي/ بلا قبر ادفنوني/ تيه لذا سأوقع/ أنا المواطن العربي/ مجهول الهوية/ حتى بعد وفاتي لا استحق هوية/ ففي أعرافنا/ لا نكتب الأسماء على نواص القبور فتلك بدعة/ أنا المواطن العربي/ أقول/ أوقع/ أعترف/ أني جربت ما تدعون أنه العقل/ وجدت أن لا متعة حقيقية فيه/ أنا الموقع أدناه/ سأعتنق الجنون/ لعلي أكون فيه من المهتدين.
يرى الشاعر في دفنه بلا قبر، أي بلا أثقال الدنيا، بلا قيود للجسد البشري، بلا كتل الاسمنت ولا سيل التراب. هي حالة مختلفة عن مألوف الحياة، يحيلها قضية.
إبراهيم الجريفاني، شاعر، يقول الشعر، وشاعر عميق الشعور، بزهو الشعر ومراقي الإبداع. شخصية خاصة جداً. قد تكون خارج التصانيف المعتمدة، متطلبة، نرجسية، حالمة. يكتب كلاماً جميلاً واضحاً، لا تكثيف فيه ولا غموض، بل سجية منطلقة وأفق مفتوح.
نصوصه منوعة: منها القصيدة، ومنها المنثورة، ومنها المنمنمة ذات اللمعة الواحدة. بياض الصفحة تملأه بضع كلمات. ليته يزيدنا ويزيد أعداد القصائد.

اقرأ أيضا