الاتحاد

دنيا

مكتبة الأرشيف الوطني.. حافظة الموروث

أشرف جمعة (أبوظبي)

عبر سنوات طويلة يرسخ الأرشيف الوطني بوزارة شؤون الرئاسة لمكانته التاريخية، متدثراً بالأحكام التقنية، والإيقاع الزمني المنضبط بما يعبر عن تجارب خصبة في أرشفة الموروث الشعبي الإماراتي، فهو يحتفظ بمخطوطات قديمة ووثائق قيمة وبيانات وفيرة تحمل في طياتها أصداء الزمن الماضي بكل تفاصيله المدهشة المتوارية في صفحات الأيام.
ومكتبة الأرشيف الوطني ملاذ الباحثين الأكاديميين وطلاب الجامعات بما تكتنز من مؤلفات جامعة ومخطوطات موغلة في القدم، فأرشيفات الدولة كلها تصب في أنهار هذا الأرشيف الوطني الذي يغمر حركة البحث بضوء مشع، ويشكل ذائقة الموروث بدرر تسهم في تعميق الفكر، ومن ثم الحفاظ على تراث الآباء والأجداد.

خدمات وتسهيلات
حول دور الأرشيف الوطني في تعميق حركة البحث العلمي وأهمية مكتبته الثرية يقول ماجد المهيري المدير التنفيذي في الأرشيف الوطني، إن مكتبة الإمارات بحثية جداً ومتخصصة، وهي جزء من البرنامج العلمي والبحثي للأرشيف الوطني، فهي تتيح للباحثين والدارسين وطلاّب المعرفة خدمات الاستفادة من مجموعاتها الغنية والمتخصصة التي تغطي مجالات اهتمامات الأرشيف بمختلف أوعيتها الورقية والإلكترونية، وقد أسست المكتبة مع تأسيس الأرشيف الوطني بوزارة شؤون الرئاسة عام 1968، وتنبثق أهدافها من أهداف الأرشيف، فهي تقتني المصادر والمراجع العلميّة النّفيسة للحضارة العربية والإسلامية، وتركّز في الموضوعات الخاصة بدولة الإمارات ومنطقة الخليج، لتيسير سبل الانتفاع للمستفيدين.
ولفت إلى أن مكتبة الإمارات تسعى لتقديم الدعم لنشاط البحث والمساهمة في تحقيق مهام الأرشيف الوطني، وذلك من خلال اقتناء مصادر المعلومات وتنظيمها بمختلف أشكالها لاستخدام المستفيدين -من داخل الأرشيف الوطني وخارجه- والمهتمين بتاريخ دولة الإمارات وثقافتها وتراثها، ومنطقة الخليج العربي، والعالمين العربي والإسلامي، وتاريخ العالم بوجه عام، حيث تحتوي المكتبة على مجموعات شاملة مطبوعة، ومتعددة الوسائط، والإلكترونية، ومن ثم توفير الخدمات والتسهيلات، ومصادر المعلومات بمستوى راقٍ لأغراض التعلم والبحث وترقية فرص التعلّم مدى الحياة للجميع.

البحث العلمي
وتضم المكتبة عشرات الآلاف من المصادر المطبوعة والإلكترونية المميّزة، وهي تُطوِّر مجموعاتها باستمرار، وأرست أيضاً برنامجاً للإهداء والتّبادل مع كبريات المكتبات ومؤسسات المعلومات داخل الدولة وخارجها.. حيث أوضح المهيري أن المكتبة ربطت علاقات تعاون مع كثير من مؤسسات المعلومات وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا، وأنها تقدّم خدماتها للمستفيدين من متخذي القرار والباحثين، وطلبة الدراسات، إذ إن الأرشيف الوطني يدعم حركة البحث العلمي المتخصص بالتاريخ والتراث الوطني والخليجي، مشيراً إلى أن الأرشيف الوطني في الإمارات هو المؤسسة الرائدة التي تشجع على حركة البحث العلمي ودعم الباحثين والمؤلفين.
ويؤكد أن الأرشيف الوطني يؤدي دوراً لافتاً في تبني الكتب والبحوث والسير والمذكرات وأدب الرحلات، كما يعمل الأرشيف على توثيق وقائع المؤتمرات التي ينظمها، ويعنى بإصدار الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، ومن واقع إيمانه برسالته في الحفاظ على التراث الوثائقي وتعزيز روح الانتماء والهوية الوطنية.

واحة ظليلة
ومن ضمن الأكاديميين الذين حرصوا على زيارة الأرشيف الوطني، الدكتور جون لوب من سويسرا المتخصص في التاريخ القديم، بيّن أن الأرشيف الوطني في الإمارات يمثل الوعاء الذي يحفظ التاريخ الشفاهي من الضياع، لافتاً إلى أنه انتهز فرصة زيارته للأرشيف له في الاطلاع على الكتب القيمة التي تحويها مكتبة «الإمارات» إذ لم يكن يتصور أنها تحتوي على الكثير من الكتب القيمة التي تسهم في إنضاج حركة البحث العلمي لطلاب الماجستير والدكتوراه.

تاريخ بحري
إلى ذلك، يبين البرفسور إيدنسيسوس أجينوس- من جزيرة مالطة- أستاذ التاريخ المادي في معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستير، والذي درس تاريخ منطقة الخليج في إحدى جامعات لبنان أنه تعلم اللغة العربية خلال وجوده بها، وظل خمس سنوات يوثق دراساته عن هذه المنطقة، خاصة الإمارات، وله مؤلفات كثيرة في هذا الصدد. ويشير إلى تتبع التاريخ البحري في منطقة الخليج، وأثر دراساته وبخاصة السفن الإسلامية القديمة وأنه زار من قبل الأرشيف الوطني واعتمد على الكثير من الوثائق الموجودة بحوزته، وأنه شعر بالانبهار عندما زار مكتبة «الإمارات»، إذ وجدها مكتظة بكتب تاريخية كثيرة وعناوين مهمة.
ويرى أن مكتبة الأرشيف الوطني عامرة بألوان شتى من الكتب القيمة، وأنها تستحق أن تكون مركزاً مهماً للبحث التاريخي، ويوضح أنها مهمة جداً بالنسبة له على المستوى البحثي، خصوصاً أنه قادر على القراءة باللغة العربية وأنه من المتحمسين دائماً للاطلاع مفردات الموروث الشعبي الإماراتي.

انطباعات جيدة
الدكتورة جيمتس كروزي، المتخصصة في التاريخ القديم لمنطقة الخليج العربي، جاءت من فرنسا إلى الإمارات منذ خمس سنوات، وشاهدت الاحتفاء الكبير بالموروث الشعبي الإماراتي، ومدى اهتمام المسؤولين في الدولة به، مشيرة إلى أنها تحمل انطباعات جيدة عن الأرشيف الوطني وعن مكتبته الضخمة التي أضحت في غمرة من الزمن الملاذ الحيوي للدارسين.
ولفتت إلى أنها شعرت بإعجاب شديد تجاه ما آلت إليه هذه المكتبة، إذ إنها وجدتها في هذه الزيارة عامرة بمجموعة متنوعة من الكتب التاريخية والوثائق المهمة التي تظهر مدى تطور حركة البحث العلمي، ومدى إسهام الباحثين في إغناء رفوفها.

مفردات الموروث
الدكتورة الفرنسية كلريس روشيه-التي تدرس التاريخ الحديث والألماني في جامعة السربون أبوظبي مهتمة جداً بالتاريخ الشفاهي للإمارات، وتحرص على حضور المهرجانات والفعاليات التراثية التي تبرز مفردات الموروث الشعبي الإماراتي بصورة حية وتجعله قريباً من الناس، مشيرة إلى أنها زارت من قبل مكتبة الأرشيف الوطني، واستعانت بالكثير من أبحاثه ووثائقه ومخطوطاته، وتنصح طلابها بزيارتها.

دعم البحث العلمي
حول ما يحظي به الأرشيف الوطني من ثقة الجامعات داخل الدولة وخارجها تقول مستشارة البحوث في الأرشيف الوطني الدكتورة عائشة بالخير: الأرشيف الوطني يتيح مصادر متعددة تدعم البحث العلمي، إذ يجد الباحث تحت سقف واحد الوثائق والمواد الأرشيفية بأنواعها، والمراسيم والقواميس، والصور والرسائل، والدوريات والخرائط وأمهات الكتب، وهذا حلمٌ من أحلام الباحثين الذي أصبح حقيقة وتحدياً بات واقعاً في الأرشيف الوطني الذي لا يعرف المستحيل.
وأوضحت أن الباحث أن قصد الأرشيف الوطني يعقد المختصون معه جلسة «تبادل وتشارك المعرفة»، فيتم مناقشة بحثه وإرشاده إلى المصادر التي تثري طرحه وتسند فرضياته، والباحثون الذين يراسلون الأرشيف الوطني من الخارج يحاورهم المعنيون عبر البريد الإلكتروني، مشيرة إلى أن الأرشيف الوطني قد أسهم أسعاد هذه الفئة، بما يعزز ثقتها واعتمادها على الأرشيف كمحطة للبحث العلمي.

تراجم ومؤلفات
تأتي ترجمة 23 مجلداً من سجلات الإمارات كأبرز إنجازات الأرشيف الوطني التي توثق الوقائع والأحداث الواقعة بين 1820-1971، ولا يقتصر دور الأرشيف الوطني على التوثيق المدون أو المكتوب، إنما يتخطى ذلك إلى توثيق المرويات الشفهية من ذاكرة الوطن المستقاة من شفاه كبار السن والمعمرين والمعاصرين لتاريخ الدولة والمؤسسين، لتسجيل الوقائع والأحداث التاريخية، وأنماط الحياة الاجتماعية وأساليب العيش، لتبقى ذخراً للأجيال المتعاقبة، لما تتضمنه من رصد للممارسات الاجتماعية المتمثلة في العادات والتقاليد وآثار الآباء ومآثر الأجداد، لإغناء التنمية الثقافية وتعزيز الهوية الوطنية.
وذلك بإجراء مئات الحوارات الصوتية والمرئية، والتي يتم تصنيفها من أعضاء فريق العمل في القسم المختص في الأرشيف، وحفظها ضمن مقتنيات الأرشيف الوطني.

اقرأ أيضا