الاتحاد

الملحق الثقافي

عبد القادر الحسيني... شاعراً

إنها حكاية حب مبرح يتجسد في وجهين؛ الأول يتراءى في قصة عشق طفولي تبرعم في مرحلة الصبا وربيع العمر وعاد لينبثق مع ذبول الخريف، فيما الثاني وطني يتنافس فيه العشاق على الفداء والبطولة واختراق المحال.
هذا تعريف ربما يكون مبسطاً برواية “حبي الأول” للروائية سحر خليفة التي أهدتها للشهيد عبدالقادر الحسيني: “لذكراه شاعرا ومناضلا .. مع كل ربيع .. وكل المواسم”.
من الوهلة الأولى يعتقد المتصفح أنها رواية عاطفية مائة في المائة لكنها في الحقيقة تسرد حكايات وتعيد في الدرجة الأولى لأذهاننا أبطالا عشقناهم، يقفزون لذاكرتنا ونحن نستذكر نماذجنا الوطنية التي ربما نكون نسيناهم في زحمة الأحداث والخطايا.
كنا الأبطال والعشاق والثورة .. حتى الحب في ذلك الزمن كان بطولة .. كان أحلاماً ونكراناً للذات مثل خالك أمين “أمين القحطان”، الذي أحب ليزا حب عبادة دون أن يلمسها ولو لمسة .. كان يعشقها ويتألم ورغم ألمه ظل يقدسها حتى الموت.

إضاءة المعتم
سحر خليفة تفتح في روايتها صفحات جديدة، بمزيج من اللهجتين العامية والفصحى، ربما تكون في منأى عن عيوننا وعن التاريخ الذي تعلمناه أو فرضوه علينا لكي تبقى صفحات مضيئة من مشوارنا الوطني مجهولة، وها هي تضيء لنا شعاباً ومناطق كانت مغيبة في حياة من أطلقت عليهم العشاق.
أزعم أنني درست وسمعت من شهود عيان الكثير من المعلومات عن الشهيد عبدالقادر الحسيني وأعرف أبناءه غازي وموسى والراحل فيصل الحسيني الذي انتقل إلى رحمته تعالى في الكويت بجلطة قلبية مفاجئة، وهم وطنيون عشقوا تراب فلسطين وحافظوا على العهد والوعد، وساروا على درب والدهم شهيد القسطل قرب القدس... لكن الروائية سحر خليفة تكشف في روايتها مناطق خارج ذاكرتنا عن رجل يعرف عنه أنه كان متمرداً على واقعه ومحارباً قاد معارك في القدس فانتصر وخذل من أشقائه خارج الحدود. الجديد في “حبي الأول” أن عبد القادر الحسيني كان ثائراً وشاعراً حماسياً وناصحاً أميناً يندرج شعره بين الوطنية والحكمة. شعره يداعب أوتار القلب مباشرة دون استخدام فذلكات اللغة وتعقيدات المعاني. وقد فضلت الروائية خليفة أن تستهل روايتها بواحدة من قصائده نقتطف منها:
سلاح الفتى طيب الخصال وعزّه
عفاف وبأس في الشدائد يرهب
وخير سلاح للمصائب سمعة
تفوح جليل الذكر أيان يذهب
بنيّ أقيلوا ما استطعتم عثاركم
فرب عثار للمكارم يسلب
ولا ترجعوا صفر اليدين مؤملا
صنيع الفتى يبقى إذا المال ينضب

وعقب خروجه من اجتماع اللجنة العربية في دمشق مخذولاً بلا سلاح ولا أموال لدعم المقاتلين خاصة بالقدس، لم يجد إلا الشعر متنفساً عن ألمه وحزنه وغضبه من أشخاص يحتلون موقع القيادة والقرار، وهم لا يستطيعون تحديد موقع قرية أو مدينة فلسطينية على الخارطة، ففي هذا الموقف المؤلم أنشد يقول وهو يغادر منطقة درعا السورية ليدخل سهل الأردن:
حدثيني عن بلادي حدثيني خبريني كيف سادتها عِداها

وعلى لسان واحد من شخصياتها تروي سحر خليفة: “التفت إليّ برقة ولم يجب، فتوقعت أن يكون الشعر لعبد الرحيم محمود لأنيّ أعرف كم كان مغرماً به لكنّه واصل الإنشاد بأبيات لا تشي بعبدالرحيم وأسلوبه.. كانت أبسط وأوضح وتشير إليه هو بأسلوب دقيق ومباشر في مسعى لتعزية النفس وحثها على عدم السقوط في اليأس:
إني الصَّبور على البلى وكأنني الطود الأشم
هوج الرياح تحطمتْ والطود ثابت لم يُضَمْ
تزداد نفسي منعة ما حلَّ خطب وادْلَهَمّْ

ولما أعدت البيت الأخير - والحديث للشخصية ذاتها - فإذا بالحسيني ينشد مرة أخرى:
بنيّ خذوا منيّ نصيحة والد
عركت نواصي الدهر والدهر قلّب
كما الدهر عبد للجلود وإن
جمع الويلات بالحزم يغلب

خفايا الطفولة
وعلى لسانه تكشف الروائية خفايا طفولته: “عشت يتيماً من صغري لكن جدي وجدتي لم يشعراني بغياب الأم ..كنت محاطاً بدفء الجدين وربما من كثرة الدلال أفسداني. حصلت على كل شيء بلا تعب وبشكل سخي. كانا يريدان تعويضي عن حنان الأم فنشأت مدللاً نزقاً أتيه دلالاً وفخاراً .. مال وجاه وفتوة. كنت متباهياً مزدهياً لأبعد حد. وشبابي ساهم بالتغرير بي .. كنت جميلاً تلك الأيام”.
وتنقل في مقطع آخر: “ابحث عن حزب يقنعني يملأ قلبي .. يجيب على أسئلتي وظنوني .. أريد أن أجد ما يملأني كالحب العظيم كحنان الأم ثابتاً واضحاً لا يتغير”.
وتكشف الوحشية التي رآها بأم عينه وأثرت في تكوينه: “رأيت أبي الجليل المتنفذ يضرب بالعصا مثل العبيد؛ فقلت لنفسي: إن كان هذا الرجل وهو الأبرز والأهم والأغنى يضرب بالعصا كما لو كان عبداً أو دابة... فكيف يعاملون من هو أضعف منه؟. كنا في المظاهرة نعبر بطريقة سلمية فداسونا بالخيل وضربونا بكعوب البنادق والسنجات، وأبي وقع على الأرض بعد ضربه فلم يحترموا شيخوخته وضعفه، وأنا صغير ومراهق فبدأت أتمرد وأتنمر”.
وتواصل في سرد مشوق: “تعلمت من أبي الجليل أيضا ما نفع المال والوجاهة؟ ما نفع الأملاك والعقارات؟ مات أبي بعد الضربة بأيام وأنا أتحدى وأتمرد وخرجت على العرف والمألوف فاتهموني بالرعونة والتهور”.
ومن الصفحات الغامضة التي تكشفها الروائية سحر خليفة كيف طردت الجامعة الأميركية في بيروت عبدالقادر الحسيني بسبب أنشطته الوطنية، وكيف حاولت الجامعة الأميركية بالقاهرة سحب شهادته بعد تخرجه لأنه وقف على المنصة في الحفل الكبير، أمام الوجهاء والسفراء والصحافيين، وكشف خلفية رئيس الجامعة وإداراته التبشيرية وما لها من أهداف سياسية، فكانت كلمته كالانفجار وفرَّ هاربا وشهادته تحت إبطه. حاولت الجامعة سحب شهادته ولم يقدروا لكنهم استطاعوا استصدار تعليمات من رئاسة الوزراء بإبعاده عن القاهرة، فخرج مطروداً باعتباره ضيفاً مشاغباً غير مرغوب فيه.

اقرأ أيضا