الاتحاد

الملحق الثقافي

العيش بأقل متعة ممكنة...

بعد مرور 100 عام عن وفاة عملاق الأدب الروسي ليون تولستوي (1828 - 1910)، فإنّ الاعتقاد السّائد أنّ كلّ شيء قد قيل عن هذا الرّوائيّ الكبير، فالكتب والدراسات والبحوث التي تم تأليفها عنه عددها لا يحصى ولا يعد، ولكن صدور كتاب “حياتي” لزوجته صوفيا تضمّن معلومات وحقائق تنشر لأوّل مرّة عنه حتى ان النقاد اعتبروه شهادة ووثيقة هامة لمزيد من فهم شخصية تولستوي وأدبه.
لقد تمّ الاحتفاظ بمخطوط هذا الكتاب الذي الفته زوجة تولستوي ضمن أرشيف متحف الروائي الروسي بموسكو، وقد مثل نشره هذه الأيام في روسيا وفي طبعة ثانية فرنسية في نفس الوقت حدثاً أدبياً هاماً. وجاءت هذه المذكرات (1062 صفحة) ثريّة بالتّفاصيل الكثيرة عن حياة امرأة أرستقراطيّة في القرن التاسع عشر، كما كشفت هذه اليوميّات للقارئ وللباحث عن طقوس الرّوائيّ عند الكتابة وعاداته في حياته اليومية الكثير من التفاصيل الشيقة.
تروي صوفيا تولستوي في كتابها أيام السعادة والبهجة والوئام مع قرينها، كما تسرد أيضا تفاصيل كثيرة عن أيام الشقاء والمعاناة، كما يحدث في كل الزيجات. دام الزّواج بين تولستوي وقرينته صوفيا 48 عاما، وهي مدة طويلة تخللها الكثير من الملل والخصام. وفي هذا السياق يقول تولستوي نفسه: “الادعاء بأنك يمكن أن تحب شخصاً طول حياتك هو اشبه بالادعاء ان شمعة يمكن ان تواصل احتراقها كامل حياتك”.

مزاج متقلب
تضمّنت المذكرات فصولاً عن أسلوب عيش الكاتب مع زوجته؛ ففي العام 1880 وفيما يشبه الانقلاب اختار تولستوي أن يقيم في الريف الروسي، وأدار ظهره لأصوله الأرستقراطيّة، واقترب من الفلاّحين وأصبح يحيا حياتهم. وكان يرغب من زوجته - الأرستقراطية - أن تتحول هي الأخرى الى فلاحة. بيد أن الزوجة وهي مؤلفة الكتاب نشأت وتربّت في رهافة المدينة، فهي ابنة طبيب لقيصر روسيا في الكرملين، وبعد زواجها وجدت نفسها مضطرّة لمرافقة قرينها إلى العيش معه في ضيعته بالرّيف والّتي تبعد 305 كلم عن موسكو، وفجأة غيّر تولستوي رأيه مرة أخرى وبدأ يأخذها معه في سفراته ويشتري لها ملابس أنيقة وباهظة الثّمن، ثم انقلب مزاجه من جديد، وأصبح أميل إلى الصوفيّة وذهب إلى حدّ التّخلّي عن حقوق التّأليف وهو ما لم توافق عليه زوجته. ورغم هذا التّحوّل في شخصيّة الرّوائي فإنّ قرينته- وفق ما جاء في كتابها- تبدو متفهّمة ومتعاونة ومحبّة، وهي تعترف انها لم تكن تعرف شيئا عن الجنس قبل زواجها، وتروي في احتشام وحياء الهزّة الّتي أصابتها والصّدمة الّتي حصلت لها وهي تكتشف الجنس لأوّل مرّة.

طقوس غريبة
تزوّج تولستوي صوفيا وهي في الثامنة عشرة من عمرها وكان عمره 32 عاما، وعندما اقترن بها كان كاتبا شهيرا. وممّا تذكره المرأة في يومياتها أنه دهشت في بداية زواجها لنزهات تولستوي الطّويلة، فقد كان يأخذها معه في جولات على امتداد عشرين كيلومتر أحيانا. تقول: “كنت لشدّة تعبي أكاد أبكي، ولم أكن أفهم أنّ رجلا يحبّني وأنا أحبه يقبل أن يعذبني إلى هذه الدّرجة”، وهي تعترف أنّه كان من العسير التّأقلم مع مزاج الرّوائي الشّهير المتقلب.
وتتحدّث في مذكراتها عن الأجواء التي ألف فيها تولستوي في تلك الفترة رواياته الشّهيرة :”انّا كريستينا” و”الحرب والسّلام” وتصف بدقة الطقوس التي كانت ترافق الروائي الكبير اثناء تأليفه، وكانت تعيد كتابة ما يخطّ هو بيده وتلفّ له السّجائر. ويكتشف القارئ اثناء مطالعته لهذا الكتاب ان صوفيا تولستوي امرأة ترفض أن تكون مسحوقة أمام زوجها الشّهير. كانت تريد أن يكون لها كيانها وشخصيتها لكن الحياة اليومية كانت تلتهمها، وعندما أرادت بعد إنجابها الإبن الخامس التوجه إلى تنظيم ولاداتها رفض تولستوي ذلك بشدة، وواصلت الحمل كل عام وأنجبت له 13 طفلاً.
وبأسلوب سلس جمع بين البساطة والجمال، تصف المؤلفة حياة مرفّهة لأسرة أرستقراطيّة روسية في القرن التاسع عشر بحلوها ومرّها، كما تصف الطّبيعة الخلابة والجولات الجميلة مع زوجها وأبنائها، ولم تكتف المرأة بالوصف بل أنّها تنصرف أحيانا إلى التّحليل والتأمل ومحاولة فهم النّاس والحياة، مع تأكيدها بأنها اكتفت في أغلب الأحيان بدور الزّوجة والأمّ. ويتجلى من سردها للاحداث ووصفها وتحليلها لشخصية زوجها انها امرأة ذكيّة، رقيقة، ولكنّها سخّرت كلّ حياتها لخدمة قرينها لوي تولستوي وإرضائه، وهو كما يبدو في هذه اليوميات رجل ممزق ومتناقض ويعيش في صراع داخلي دائم.

خيانة
ومما تكشفه المؤلفة في كتابها مدى الألم والغيرة التي شعرت بها عندما اكتشفت خيانة زوجها لها، فقد عرفت عندما كانت تعيش معه في ضيعته أنّ له أبناء من عاملة في الضّيعة.
يقول تولستوي: “ان العائلات السعيدة هي متشابهة في نمط سعادتها، اما العائلات الشقية البائسة فكل عائلة تعيش - للأسف - شقاءها وتعاستها بشكل مختلف الواحدة عن الاخرى”.
ويظهر في الكتاب ان لوي تولستوي وبعد أن شبع من متع الحياة وملاذها، وبعد أن استفاد من وضعه كأرستقراطي إقطاعي أراد في آخر عمره أن يطوي هذه الصّفحة، ودعا زوجته إلى التّقوى و حياة الكفاف والتخلي عن متع الحياة ومباهجها تقربا الى الله. وقد رفضت زوجته صوفيا هذا التّوجّه نظراً لحاجتها إلى المال لتربية أبنائها الـ 13، وشيئا فشيئا اتّسعت الهوّة بين تولستوي وزوجته إلى درجة أنّها فكّرت في الهروب أو الانتحار، والقارئ بقدر ما يعجب بالرّوائيّ الكبير، بقدر ما يتعاطف مع هذه المرأة الّتي تحمّلت تقلّب مزاج زوجها وصبرها عليه.
في أكتوبر عام 1910 قرّر تولستوي وكان في الثانية والثمانين من عمره ترك زوجته بعد 48 عاما من الزّواج ليعيش حياة الناسك المسيحي. ومن أقواله الشهيرة: “عندما يصبح ثلاثة ارباع جسدي في القبر فإني سأقول آنذاك ما أفكر به حول النساء ثم أسرع بوضع اللحد”. وها هم الناشرون وبعد مرور قرن بأكمله على استراحته في قبره يكشفون بالمقابل ما كانت تفكر فيه أقرب امرأة إليه.

اقرأ أيضا