الاتحاد

دنيا

كثير من خالد يوسف ·· قليل من يوسف شاهين !

هل تقاس قيمة العمل الفني بالجرأة أم بقدرته على التعبير؟! الإجابة هي بالطبع بالتعبير الفني باستخدام كل العناصر التي يملكها المخرج· وفي الفيلم السينمائي تبدو التفاصيل الإبداعية هي التي تلعب دور البطولة· وعندما نتحدث عن مخرج كبير مثل ''يوسف شاهين'' فإننا هنا لا يمكن أن نغفل قيمة الإبداع بتفاصيله إلا أننا مع فيلم ''هي فوضى؟'' الذي أصرت الرقابة المصرية على أن تضع حوله علامة استفهام ليتحول من صيغة إخبارية مباشرة تؤكد الفوضى إلى صيغة سؤال يحتمل الفوضى أو النظام·
هذه المرة لن تقرأ اسم ''يوسف شاهين'' منفرداً كمخرج على ''الأفيش'' وفي ''التترات''·· هناك أيضاً ''خالد يوسف''·· إنها من الحالات النادرة التي نرى فيها اسم مخرجان على فيلم سينمائي واحد· أقول حالة نادرة وليست مستحيلة الحدوث، مثلاً، الإخوة ''كوهين'' وهما من أشهر المخرجين الأميركيين جمع بينهما أكثر من 15 فيلماً ودائماً ما يشتركان في أهم المهرجانات ويحصلان على الجائزة· أيضاً الإخوة ''داردين'' وهما من أشهر المخرجين البلجيكيين·· بل إن السينما اخترعها الشقيقان ''لوميير'' الفرنسيان وهما ''أوجست'' و ''لويس'' وبالطبع في كل الحالات السابقة هم أشقاء·
فارق التجربة
في التاريخ السينمائي المصري تجد مثلاً كلاً من المخرجين ''كمال الشيخ'' و ''فطين عبد الوهاب'' قدما معاً فيلم ''الغريب''، كما أن هناك فيلم ''سنة أولى حب'' أخرجه خمسة مخرجين ''حسن الإمام'' ''صلاح أبو سيف'' ''نيازي مصطفى'' ''عاطف سالم'' ''حلمي رفلة''·· تستطيع أن تلمح في هذه الأفلام تقارب العمر الزمني والتجربة الفنية بين المخرجين ولكن مع كل من ''يوسف شاهين'' و ''خالد يوسف'' فأنت تتحدث عن فارق في العمر يتجاوز 35 عاماً وفارق في التجربة، ثم أيضاً هناك العلاقة بينهما هي علاقة التلميذ والأستاذ· ومنذ 13 عاماً و ''خالد يوسف'' هو أقرب التلاميذ إلى ''يوسف شاهين'' واسمه سوف تلمحه كمخرج منفذ على آخر أفلام ''يوسف شاهين'' الأخيرة: ''سكوت ح نصور'' ''الآخر'' ''إسكندرية نيويورك''·· ولكنك هذه المرة سوف تراه مخرجاً مشاركاً·
التلميذ والأستاذ
في الأفلام الثلاثة السابقة كان ''خالد'' ينفذ ما يريده الأستاذ حرفياً أما في فيلم ''هي فوضى؟'' (أنا ملتزم بقرار الرقابة ولهذا أضفت علامة الاستفام) فالحقيقة هي أن ''خالد يوسف'' وذلك كما يبدو على الشريط السينمائي كان هو صاحب الرأي والرؤية في هذا الفيلم· الفيلم كتبه ''ناصر عبد الرحمن'' ولكن تفاصيل الفيلم حركة الممثلين، أداء الممثلين، التعبير بدرجاته المختلفة، زاوية الكاميرا، حجم اللقطة، التتابع·· كل ذلك أستطيع أن أؤكد لكم أنه بنسبة 90% يعبر عن وجهة نظر ''خالد يوسف''· الفارق بين ''يوسف شاهين'' و ''خالد يوسف'' هو أن ''يوسف'' أكثر بلاغة وإيحاء·· الكادر عند ''يوسف شاهين'' أكثر غنى وثراء بينما ''خالد'' مباشر وصارم في اختياراته·
فيلم ''هي فوضى؟'' يبدو مثل صرخة احتجاج صاخبة ضد كل ما يجري من فساد في المجتمع المصري، حيث أن أحداث الفيلم تروي حكاية أمين الشرطة الذي أدى دوره ''خالد صالح'' الذي يحيل قسم الشرطة الذي يعمل به إلى موقع خاص يحكم ويتحكم من خلاله في مقدرات الناس رغم أنف القانون، لا أحد يستطيع إيقافه، وفي نفس الوقت يشعر بانجذاب إلى جارته الجميلة ''منة شلبي'' لكنها تحب وكيل النيابة ''يوسف الشريف''، ونرى الصراع الصاخب بين السلطتين: القضائية ممثلة في وكيل النيابة والتنفيذية ممثلة في أمين الشرطة، وتنتهي الأحداث بعد أن ينتحر أمين الشرطة ولكن ثورة الغضب لا تهدأ حيث يحاصر الأهالي قسم الشرطة· إنه فيلم بالفعل تحريضي يدعو المواطن لكي يصرخ ويقول: لا·· ولكن يظل السؤال الذي بدأنا به في المقدمة: هل تقاس قيمة العمل الفني بالجرأة أم بقدرته على التعبير؟ وهل نجح الفيلم في التعبير؟
الحقيقة أن الصرخة التي قدمها الفيلم كانت في أمس الحاجة إلى نبض وروح وإحساس ''يوسف شاهين'' حتى نرى الإيحاء الفني الذي يتسلل بنعومة إلى مشاعرنا·· أما فيلم ''هي فوضى؟'' فلقد كان بنائه الفني أكثر صخباً في مفرداته·· ولهذا فإنه ينتمي أكثر إلى عالم ''خالد يوسف'' تلميذ ''يوسف شاهين''·· إن الشاشة تؤكد أننا بصدد فيلم به كثير من ''خالد يوسف''·· قليل من ''يوسف شاهين''!!

طارق الشناوي
tarekelshinnawi@yahoo.com

اقرأ أيضا