الاتحاد

تقارير

مسجد كريتاي ··· اعتراف مدينة بسكانها

مسجد  كريتاي ··· اعتراف مدينة بسكانها

مسجد كريتاي ··· اعتراف مدينة بسكانها

في صلاة الجمعة مؤخرا في مدينة ''كريتاي'' الفرنسية، ضاقت ورشة سابقة للنجارة بنحو 200 من المصلين، صلى الرجال على سجادات حمراء في الطابق الأرضي، في حين اكتظت المكاتب الإدارية الضيقة في الطابق العلوي بالنساء المصليات، وخارج هذا المسجد المؤقت، كان ''كريم بنعيسى'' يشاهد مصلين آخرين يضعون سجاداتهم على الرصيف؛ يقول ''بنعيسى'' -جزائري تعلو وجهه لحية خفيفة ويرأس ''اتحاد مسلمي كريتاي: ''حتى عندما يكون الجو باردا، فإن عدد المصلين الذين في الخارج أكبر من عدد من هم في الداخل''، مضيفا ''إن ذلك يجعلني أشعر بالخجل''·
ولكن بحلول يونيو المقبل، من المرتقب أن ينتقل مسلمو ''كريتاي'' إلى مسجد جديد تبلغ كلفة بنائه 7,4 مليون دولار، ويتسع لأزيد من 2500 مصل؛ المبنى الذي شارف على الانتهاء يقع بصومعته التي يبلغ ارتفاعها 81 قدما على هضبة تطل على بحيرة المدينة، على مرأى بلدية المدينة ومركز الشرطة· ومن المرتقب أن يجعل هذا المسجد من ''كريتاي'' شيئا استثنائيا في أوروبا؛ فمن لندن إلى كولونيا إلى مارسيليا، تخوض الحكومات والسكان معركة حول الظهور المتزايد للصوامع في سماء مدنهم في حملات تبرز الانقسامات الثقافية والدينية والعرقية داخل قارة تشهد أكبر تغير ديمغرافي منذ نصف قرن؛ إذ يعد الإسلام اليوم ثاني أكبر ديانة بعد المسيحية·
غير أن حكومة مدينة ''كريتاي'' تنتهج طريقة مختلفة، حيث ساعدت المسلمين على بناء وتمويل ما سيصبح واحدا من أكبر المساجد الجديدة في فرنسا· وفي هذا الإطار، يقول العمدة ''لوران كاثالا'' -الذي يستطيع مشاهدة أعمال البناء من مكتبه الواقع في الطابق الحادي عشر بمبنى البلدية-: ''نريد أن يبنى المسجد في مكان حيث يمكن للجميع رؤيته''، مضيفا: ''لم نرد أن نخفيه، فوضعه تحت مرأى العمدة والشرطة هو أفضل طريقة للقضاء على الأماكن السرية والطرق المتطرفة''·
ومع ذلك، فالمسجد لم يصل إلى هذه المرحلة من دون صراع· فالسلطات الفرنسية تحاول ترحيل إمامه؛ وأعضاء مجلس المدينة يحتجون على استعمال المال العمومي لبناء المركز الثقافي الملحق به؛ وبعض سكان المدينة يقولون إنهم يخشون أن لا يعود بإمكان النساء ارتداء ملابس السباحة في البحيرة، خشية المس بشعور المصلين·
بالنسبة للمسلمين الأوروبيين -والعديد منهم ولد في فرنسا كمواطني الجيل الثاني- تؤشر المساجد الجديدة إلى الاعتراف والقبول بأعدادهم المتزايدة، ورقي وضعهم بعد عقود من الصلاة في الأقبية والمبانى المهجورة؛ أما خصومهم، فالمطالبة بمزيد من المساجد تعمل على تغذية المخاوف بخصوص الهجرة والأمن وتآكل الهوية الوطنية·
ففي لندن، أثار اقتراح بناء مسجد ضخم يتسع لـ12000 مصل بالقرب من الحديقة الرئيسية لألعاب 2012 الأولمبية مقاومة قوية؛ وفي مدينة ''كولي دي فال ديلسا'' الإيطالية، رشق المحتجون المسلمين هذا العام بالنقانق ورموا رأس خنزير أمام موقع بناء مسجد كبير؛ وفي ألمانيا، أثارت المستشارة ''أنجيلا ميركل'' حفيظة المنظمات الإسلامية الأسبوع الماضي عندما قالت أمام مؤتمر لحزبها ''الحزب الديمقراطي المسيحي'': ''علينا أن نحرص على ألا تبنى قباب المساجد بحيث تكون أعلى من أبراج الكنائس''، والواقع أن المعارك حول بناء مساجد جديدة تطال جميع المدن الكبيرة تقريبا في ألمانيا، ومن ذلك مدينة ''كولونيا'' حيث يقول المناوئون: إن الصوامع ستتشابك مع أبراج الكاتدرائيات المشهورة للمدينة· وفي هذا السياق، يقول ''ريم سبيلهاوس'' -الخبير في الشؤون الإسلامية الأوروبية في جامعة هامبوت في برلين-: ''إن المبادرات المناوئة لبناء المساجد هي الوسائل الجديدة لتعبئة الجناح اليميني''، مضيفا ''المساجد ترمز إلى الوجود الدائم للمسلمين، إنهم يستثمرون في الآجر، إنهم باقون''· أما ''كاثالا'' -عضو الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يشرف على تدبير شؤون مدينة كريتاي منذ ثلاثة عقود-، فينظر إلى المسجد الجديد باعتباره ''جزءا من التطور الديمغرافي لمدينتنا، فإذا كنت من المؤمنين بالعدالة الاجتماعية، فلا يمكنك أن تعترف بجزء من السكان ولا تعترف بالجزء الآخر -ولاسيما في ما يخص دينهم''·
وتتوفر فرنسا على أكبر عدد من المسلمين مقارنة مع أي بلد أوروبي آخر، إذ تضم حوالي 5 ملايين شخص -ما يعادل نحو 8 في المائة من السكان، أما في البلدات الصغيرة المحيطة بالمدن الكبيرة مثل كريتاي، التي تضم نحو 88000 نسمة، فإن النسبة عادة ما تكون أعلى من 20 في المائة في كريتاي حسب رئيس المنظمة الإسلامية ''بنعيسى''· طُرحت فكرة بناء مسجد ''كريتاي'' قبل 15 عاما ولكنها ظلت ضحية خصومات داخلية بين المسلمين لنحو عشر سنوات، غير أن المسلمين الجزائريين والمغاربة والتونسيين كانوا مقتنعين بحقيقة أن المدينة في حاجة إلى نقل المصلين من الأماكن المؤقتة الثلاثة حيث تؤدى الصلاة -والتي لم تكن تتعد الطاقة الاستيعابية لأي منها 200 مصل- إلى دار عبادة حقيقية·وبالرغم من التحديات، تتواصل أشغال بناء المسجد، ويقول ''بنعيسى'' -الذي كان يمشي عبر جنبات المسجد الذي يتوفر على قبة مرتفعة ونوافذ مهيبة-: إن مسلمي المدينة يحاولون إنشاء مسجد فرنسي الطراز، بدلا من استنساخ التصميمات العثمانية أو الشرق الأوسطية· يقول: ''المسجد هو أكثر من مجرد اعتراف بديننا··· إنه اعتراف من مدينة تجاه سكانها·

مولي مور- فرنسا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست''

اقرأ أيضا