الاتحاد

الملحق الثقافي

الكاتبة في مدار النقد

يشكل مصطلح الأدب النسوي إشكالاً نقدياً ومعرفياً شغل وما يزال يشغل النقاد والكثير من المهتمين في ساحة المشهد النقدي، لما ينطوي عليه من لبسٍ في تحديد الموضوع الذي تقف عليه حدود المصطلح التي كثيراً ما وجدها القارئ غائمة وقابلة للتغيير والتأويل.
ويجيء كتاب الأديبة الناقدة والشاعرة الأكاديمية العراقية الدكتورة سهام جبار المقيمة حالياً في السويد، لترسم صورة واضحة الدلالات عبر عدّة موضوعات وبحوث حددت من خلالها موقع الكتابة النقدية النسوية من عموم النقد وموقف النقاد منها.
وجاء في الغلاف الأخير للكتاب الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة بوزارة الثقافة العراقية، سلسلة الموسوعة الثقافية “54” بأن هذا الكتاب لسهام جبار “يعدّ تأسيساً لنظرية تلغي التوصيف المسبق للنوع الذي تكتبه المرأة وتزاوج بين الأدب الرجولي والآخر النسوي اعتماداً على ثنائية الطبيعة البشرية عند الإنسان رجلاً أم امرأة، ما يجعل التوقف عند المصطلح أمراً مُلحاً ما دمنا نقرأ الأدب، الذي تنتجه المرأة بغزارة إبداعية لا سبيل إلاّ إلى الاعتراف بدرجة قيمتها، موازياً للأدب الذي ينتجه الرجل دونما تحديدات”.
ونلحظ أن المؤلفة لم تخصص لموضوعات كتابها فصولاً أو مباحث إنما وزعت موضوعاته على النحو الآتي: “المقدمة، بعيداً عن قفص النسوية قريباً من حرية الاختلاف، التنافذ بين المناهج النقدية، التحليل النفسي والبنيوية التكوينية، نقد “أنثى ضد الأنوثة” لجورج طرابيشي، الأدب السريري، الجسد في القصيدة أو الشعر رمزياً في مواجهة الموت، دراسة في ديوان الشاعرة سنية صالح “ذكر الورد”، عندما تكون الرحالة أنثى، دراسة في رحلة رضوى عاشور، مقتطفات، وشفرة دافنشي والحكم الأمومي” ثم قائمة الهوامش والمراجع التي اعتمدتها مؤلفة الكتاب.
كما أوردت في مقدمة كتابها المقتضبة قولها: “استدعى قراءة منهجية للأسس والإجراءات المعتمدة وفحصها ومناقشة الموقف المُعاكس إيديولوجياً الذي يبديه بعض النقاد إزاء النقد النسوي وما إلى ذلك،...”.

قراءة مسبقة
تشجب الكاتبة فكرة حصر كل كتابة تأتي بها الكاتبة على أنها من الأدب النسوي، وهذا الشجب قائم عندها على الضيق من الدأب الذي يعمد إليه النقد في تحديد حرية الكتابة، ومن ثم التلقي بسلطة قراءة مسبقة للأثر الأدبي تترك طابعاً من التوصيف الجاهز الذي يخضع لجاهزيته كلّ ما يرد من الكاتبة مهما سعت للابتعاد عن أن يحجر عليه في قفص نسوية ضيق.
وتوضح جبار أنها لا تريد في هذا الموضوع أن تستعرض تاريخ ظهور مفهوم الأدب النسوي أو الحركة بحدّ ذاتها ألـ Feminism في الغرب، وتشير إلى أنّ بعض أشكال التراث فرضت خطابها على التفكير المعاصر بحيث أعيد للترتيب السلطوي الذكوري قدرات هيمنته وتأثيره في الصيغة الاجتماعية الصغرى “الأُسرة” وصولاً إلى الصيغة الكبرى “المجتمع” بمؤسساته ونظامه الاجتماعي والأبوي عامة. وتضيف في هذا الصدد: “وفي مثل هذه النكوصية والارتداد إلى الخلف أصبح ترديد مفهوم “الأدب النسوي” فخاً للحطّ من التجارب الأدبية المتميزة لحشرها مع تجارب غير متميزة وخلط الغث بالسمين على أساس –النوع- وهو معيار عنصري آخر يُزاد على المعايير التي يعمد إليها النقد أو الوسائل للتصنيف والتبويب مثل مفهوم “الجيل” المستخدم باستسهال فجّ وتعميم هو الآخر. كما استشهدت بآراء عدد من الدراسين والنقاد العرب الذين تناولوا مصطلح الأدب النسوي بصورة عامة.
وترى جبار من خلال النماذج التي بثتها في هذا المقام لآراء عدد من النقاد والأدباء ومنهم ميسلون هادي، لطفية الدليمي، د. حاتم الصكر، سعيد عبدالهادي، عبدالجبار البصري، ومحمّد الجزائري، إلى أن استعمال مصطلح الأدب النسوي وتقديمه يتمّان عبر آلية احتواء فوقية تقدم حُكماً مُسبقاً سواء من كتابات نسوية أو رجالية... وأن هذه المقارنات والمفاضلات تعبر عن عقلية قد اختارت واعتادت إصدار الأحكام الفوقية القاطعة غير القابلة للتفسير في مجال لا يحتمل مثل هذا الجزم السطحي بين وجود إنساني وثقافي وإبداعي غاية في الحساسية ووجود آخر.

أنثى... طرابيشي
وترى الكاتبة في نقدها لجورج طرابيشي أن طرابيشي، من منطلق التحليل النفسي، قدم دراسة نقدية لرواية “مذكرات طبيبة” لنوال السعداوي أراد من خلالها تقرير واقعة أن الكاتبة تتبنّى في نتاجها الأدبي أيديولوجياً لا شعورية مُعادية للمرأة، وذلك عبر إثبات أن رؤيتها للعالم “ليست نتاج ذاتيتها الأصيلة بل هي على العكس نتاج تماهيها مع مستعمرها واستبطانها لأيديولوجيتها المعادية لها”.
وتجد من خلال قراءتها لنقد طرابيشي لرواية السعداوي بأنه قد صنفها كرواية أنثى، أو رواية نسوية، أو رواية أنثوية، وقد وضعت ذلك التحليل عبر مشرط النقد التحليلي في الفكرة الأساسية في البنيوية التكوينية “التوليدية”، مشيرة إلى آراء غولدمان، ومنهج التحليل النفسي، وجورج لوكاش، كما حصرت المحاور الرئيسة في نقد جورج طرابيشي بثلاثة، مهدت لنقض أحكامها من منهج غولدمان، وحددتها كالآتي: “الصراع في الرواية على مستوى بيولوجي، تناوب غريزة الموت وغريزة الحياة، ومعادلة الريف - المدينة”.
تشير المؤلفة في دراستها لديوان الشاعرة سنية صالح الموسوم بـ “ذكر الورد”، إلى أن الأدب العربي يمكنه التمثل باهتمام النقد الحديث بموضوعة الموت أو تجربة الموت عند الشابي، السياب، وأمل دنقل. أما الحديث عن الأدب السريري فلم نجد اهتماماً به في النقد العربي على نحو يميزه بمواصفات خاصة، فضلاً عن أن يكون له هذا الظهور في الأدب الحديث كما في ديوان “ذكر الورد” للشاعرة سنية صالح، حيث الخوض في التأمل الفلسفي، والشعري، والأمومي الذي يطبع تجربة صالح بالطابع الأنثوي الخاص، وبالملمح الرمزي حيث كتبته في مكان واحد هو مستشفى (بول بروس) قرب باريس وفي مدة محددة بين حزيران “يونيو” 1984م وتموز “يوليو” 1985م، ولعلّ مقدمة ديوان “ذكر الورد” الذي ذكرت مقاطع منه، تشهد على الرؤية الشعرية التي تحرك قصيدة الشاعرة، وعياً، وكتابة، نحو الرمزية، فهي تربط بين الولادة والشعر في تقرير معادلة القصيدة - الجسد من جهة، ومن جهة ثانية التقاء ذات القارئ بالذات البشرية الكبرى كما كانت تسميها في نزوع صوفي إلى الاتحاد... حيث عرجت سهام جبار للوقوف على مظاهر الأدب السريري عند سنية صالح من خلال مناقشتها لثلاث دلالات هي: “الوعي بالنقص، الكشف عن النقص، وإكمال النقص وهو واضح في فاعلية الفلسفة، وفاعلية الشعرية، وفاعلية الحبّ “الأمومة”.
كما تناولت بالتحليل النقدي موضوع آخر “عندما تكون الرحالة أنثى، دراسة في رحلة رضوى عاشور”، الذي توقفت فيه عند كتابها “الرحلة أيام طالبة مصرية في أمريكا”. وعلقت على الفيلم الشهير “شفرة دافينشي” محللة الأسباب الحقيقية - في رأيها - الكامنة وراء هذه الضجة التي أثارها، والتي لا علاقة لها بالمقدس او المحرمات الدينية بل بحضور الأنثى وشكل هذا الحضور في الفيلم.

اقرأ أيضا