الاتحاد

الملحق الثقافي

بيدرو كوستا.. صموئيل بيكيت السينما

يكشف المخرج السينمائي البرتغالي بيدرو كوستا (1959)، في مجمل أعماله السينمائية، عن استعادة شاملة لعوالم الكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت، صاحب في انتظار جودو، إنما في عالم السينما: حتى إنْ لم تَنْقُل المقارنةُ، تماما، القسوة والصعوبة اللتين تطبعان أفلامه الأخيرة. إن صانع الأفلام البرتغالي، هذا الفنّان والأستاذ والرمز، غالبا نُظِرَ إليه بوصفه واحدا من المخرجين الأتباع، بل والمتشددين لما هو غامض ومعقّد ونخبوي في السينما الأوروبية.

ذلك أنّ صناعة الفيلم بالنسبة لبيدرو كوستا ليست سعيا إلى نَيْل إذن بالنشر أو صكّ غفران، كما أنها ليست من قبيل المتاجرة، ربما لذلك يُحْجِم عنها النقّاد والكتّاب، وتسكن عيونهم نظرة الأشباح عندما يشاهدون أعماله.
لكنّ متابعة عدد من الأعمال الرئيسية والأساسية في تجربة بيدرو كوستا مثل “دم” 1989 و”هياكل عظمية” 1997 أو “في غرفة فاندا” 2000 و”شابّا، إلى الأمام” 2007، التي تمثِّل قوس تجربة كوستا تجعله الأكثر جاذبية في السينما الحديثة. هي التالية على تجربة، ليست بتجربة سهلة والتي لم يصنعها كوستا بسهولة في أية حال، سلّط فيها الضوء في أفلامه على الأنقاض المتراكمة على نحو متزايد في الأحياء الفقيرة في العاصمة لشبونة إلى حدّ أن ذلك قد أزعجها.

الصمت الطويل
إنه يميل إلى اللقطة السينمائية الطويلة، والصمت المديد، وما يكاد يكون مسموعا من الجدل بين مدمني مخدرات في شِبهِ غيبوبتهم: مثل مشاهدة الأخٍ الأكبر المبتلى بجوعه فيما يعتاش من بعض الخدمة المباشرة لبعض المنكوبين بجوعهم مثلما في أغلب الأماكن من أوروبا. عندما جرى عرْض “شابا، إلى الأمام”، بدا أنّه أدنى لجهة سويّته الفنية من “ضَجَر هائل” إلى حدّ أن العديد من الكتّاب والنقّاد قد كتبوا عنه ببصيرة نافذة عظيمة.
لقد رسم هذا المخرج مشاهِدَ في غرفة ضيقة شِبْهِ معتمة؛ لقطة من الأسفل، مع مصدر ما للضوء، ربما من النافذة في أعلى الركن الأيمن من الصورة السينمائية، بحيث كما لو أن الصورةَ تتوهج دون إنارة المشهد. في أغلب أفلامه الحديثة “لا شيء يتغير”، الذي استخدم فيه هذا التكنيك، بطريقة غريبة، وحتى الفيلم الذي يتناول فيه حياة نجم الأفلام الغنائية الفرنسية جان باليبار، الذي عُرِضَ على نحو متكرر، قد جرى تمثيل مشاهِدها وتسجيلها - أي تلك الأفلام - في عتمة غَسَقيّة عجيبة.
إن عرض عمل لبيدرو كوستا، بأثر رجعي، يُظهِر للمتفرج أن الفيلم مُصنّع دراميا على نحو مألوف، إنما داخل إطار تجريبي من التركيبي الوثائقي (docu-installation)، الذي يجمع في بعض الأحيان بين التقرير السينمائي من جهة وبين معرض يضم صورا لبورتريهات متحركة من جهة أخرى. غير أن القسوة والتعب في أفلامه تتأّتيان من الولع بها، إلى حدّ أن المرء قد يستغرب من نفسه. إنها أفلام جديرة بأن تسمع عنها من أولئك الذين هم من ذوي العقلية المنفتحة فيما يتصل بالسينما بوصفها فنّ الشكل، وبوصفها فنّ التجريب في الشكل تحديدا. إنّ جدولة سلسلة أعمال بيدرو كوستا تمثّل تحديا فعّالا للنقاد السينمائيين كي يعيدوا اختبار المعايير التي يناقشون السينما من خلالها.
كان “دم” 1989 هو الفيلم الأول لبيدرو كوستا، وقد صُنع بالأبيض والأسود ويتناول علاقة أخوين بأبيهما. بدا الفيلم جميلا، ومتأثرا بالمخرج السينمائي الفرنسي تروفو في فيلمه “الكارثة 400” وكذلك بعض الشيء بـ “النسيانات” (جمع نسيان) للإسباني لويس بونويل. وأغلب الظن أن بيدرو كوستا قبل بلوغه الأربعين أو الخمسين، كان يخطط لأفلام متأثرة بمخرجي الموجة الجديدة في السينما الفرنسية وبمرجعية هوليوودية أخرى تتحدد بنيكولاس راي وربما، بعض الشيء بفيلم “ليلة الصياد” لشارلز لافتون.
وربما يكون فيلم “هياكل عظمية” هو الأفضل من بين أعمال بيدرو كوستا، بل ربما يكون واحد من سلسلة روائع الأعمال السينمائية المميزة: فيلم معتم وغامض وفاتن، التُقطَتْ مشاهده وجرى إخراجه وتلوينه في لشبونة، بين فقراء المدينة المتحضرة. إن الأوجه التي التقطها كوستا هي من نوع يوحي بالقهر ويبعث على القلق؛ من ذلك النوع الذي يواجهه المرء عندما يرى حُلما كابوسيا: خاصة المرأة الشابة في اللحظات الأولى، ثم وجه “تينا” أيضا، إحدى شخصيات الفيلم، التي لديها طفل يلعب دور والده الممثل نونو باث الذي يحاول أن يبعده عنها تخليصا له منها، فيسعى إلى منحه لممرضة في مستشفى ثم إلى عاهرة. إنّ لهم وجوه كأنها وجوه الأشباح، أو وجوه الموتى. كما أنّ البيئة والمجال، وحتى الشعور العام، الذي تتحرّك فيه شخوص “هياكل عظمية” استثنائية جدا، إلى حدّ أنّه يشبه فيلم رُعبٍ لكن دون رعب، أو مثل الطبعة الواقعية – الاجتماعية لديفيد لينش في فيلمه Eraserhead 1977 الذي يوصف بأنه ذو طابع يمزج بين ما هو سوريالي وما ينتمي إلى أفلام الرعب.
ومثل أغلب أفلام بيدرو كوستا، فإنه قد يثير السأم، أو بلطف أكثر، يشتت المتفرج بوصفه مُرعبا، لكنه فيلم يبعث على “شقاء” من نوع آخر – وفوق ذلك هو لا يعبأ بالكيفية التي أستجيب بها إليه كمتفرج. من الصحيح أن الفيلم يتناول الجوع، هذ الموضوع الذي يجري تناوله من قبل الأفلام التجارية أو صحافة المقاولات بذوق سيّء، حتى لكأن الجوع غير موجود ثم ليتم التأكيد على أنه وضع قاس أو أنه فيه مبالغة شديدة على الشكل والأسلوب. يتناول فيلم كوستا الفقراء على نحو جاد، مثلما هم عليه، وليس بدافع أخلاقي أو حتى بجدية روحانية لسؤال من نوع: ماذا يفعلون. ثمة شيء ما يذكّر برواية شارلز ديكينز “بيت بارد، Bleak House” هو خيط من صدى من الرواية يتردد رَجْعُه في الفيلم: الفقراء بالنسبة للفقراء معروفون لبعضهم البعض وللإله بأنهم كذلك.

مخيلة الموتى
ومع “في غرفة فاندا” 2000 و”شابا، إلى الأمام” 2007 يتحرك عمل كوستا بصيغة متقشفة إلى حدّ أنه قد يثبّط من الهمّة؛ صيغة تجعل المتفرجين من ذوي المرجعيات التقليدية القيِّمة والمفعمة بحماسة السينما أقلّ فائدة بكثير. وكي يواصل المرء قراءة بيكيت على نحو شَبيهٍ جزئيا، يعيد فيلم “الدم” إنتاج مرحلة “Molloy/Watt” تلك المرحلة المبكرة من مراحل “غودو” في أعمال بيكيت، والتي هي مرحلة أكثر تقليدية وسهولة. و”هياكل عظمية” هي مرحلة “جودو” بهويته التي أصبح فيها أكثر قوة وتميُّزا، وفوق ذلك يبقى الفيلم ممكن الفهم وفقا للشرط السينمائي، لكن “في غرفة فاندا” و”شابا إلى الأمام” هما الأكثر صعوبة وإبهاما، إنهما “غودو” في مرحلته المتأخرة، مرحلة “مخيلة الموتى التي تتخيّل”.
نرى شخصيتين تعودا إلى “في غرفة فاندا” من “هياكل عظمية”، إنهما الشقيقتان زيتا وفاندا دويرت، وهما هنا تلعبان دورهما بوضوح، وفي الحقيقة، الفيلم الآن، يلقي الضوء على الصيغة الروائية غير الواضحة في “هياكل عظمية”، والآن أصبح الفيلم “بورتريه وثائقيا” أكثر بكثير من قبل. زيتا – التي تظهر في لقطة مقرّبة في اللحظات الأولى من بداية “هياكل عظمية – وفاندا، هما الآن، مدمنتا هيروين تماما ومروّجتان تكسبان.
وطويلةٌ؛ طويلةٌ تلك المشاهد التي تُظهِرهُما في غرفتهما المعتمة والضيقة والقذرة، في حيّ فقير في الحاضرة لشبونة. تصفعان بعضهما وتتحدثان دون اهتمام عن لا شيء. الفيلم نفسه، بهذه السلسلة من الأوضاع الثابتة للكاميرا، كأنما هو يطبق على روحِ تخصُّ معرضا لصور فوتوغرافية؛ وتعاقبٍ للوحات السينمائية الواحدة منها في إثر الأخرى. إن اللقطات المقرَّبة والمفعمة بالحيوية والطيفية ل”هياكل عظمية” لا تظهر هنا.
يعيش الناس حياة مجزّأة ومُحاصرة في تلك المساكن التي هي نشاز إلى حدّ بعيد حتى عن أسفل الوجود الممزق كله. وعلاوة على ذلك، ما من روح إيجابية ملازمة لهذه الحالة، ولا ذلك الإدراك لدى الدولة البرتغالية بحيث يتم نقلهم إلى أحياء أفضل: فقط إحساس مروِّع بأن هذه المساكن بغيضة حتى لو كانت وجودا مردوما على بعضه البعض وعلى مَنْ فيه. في أحد المشاهد، التي تحدث في العتمة الغسقي، يشكو شخص من الخوف من الموت، فيقول آخر له: “السيئ أبدا لا يموت” – إنه خيط بيكيت إلى حدّ بعيد، تحديدا عندما يدرك الخائف أنّ ذلك يعني أنْ يكون مطمئنا، ويعني أن الشخص الذي تحدث إليه يتأمل في ذاته وفي رفيقه، استجابةً لكونه واحدا من “السيّء”.
ليست مشاهدة بيدرو كوستا، بأثر رجعي، متاحة لكل شخص، لكن إذا أردت أن ترى فنّا يتحدّى على الشاشة، فذلك ضرورة. اذهب وشاهد “هياكل عظمية” - أحد أكثر الأفلام الأوربية الحديثة إبهاما وإثارة للقلق.

اقرأ أيضا