الاتحاد

دنيا

الزوج الجاسوس

تخرج ''محسن'' في كلية الهندسة قسم الالكترونيات وأصبح مهندسا يشار إليه بالبنان والتحق بإحدى الشركات الكبرى للالكترونيات والاتصالات وتدر عليه وظيفته دخلا يحسده عليه الكثيرون واستطاع في سنوات قليلة أن يشتري شقة في منطقة راقية ومتميزة وقد تخطى الثلاثين من عمره ولم يتزوج بعد رغم إمكاناته المادية· وتحدثت معه أمه كثيرا في شأن زواجه لكنه يتهرب من الموضوع ولا يريد الخوض فيه لدرجة أن أسرته خشيت من ان يكون لديه موانع لا يستطيع البوح بها· واستبدت الهواجس بأمه واخواته وهن غير قادرات على الخوض في الموضوع، لأنهن يئسن من تكرار إجاباته وردوده عليهن بان الوقت لم يحن بعد أو ان قلبه لم يجد من تحركه وتهز مشاعره أو انه مشغول بعمله وليس لديه وقت للتفكير في الزواج·
وقررت الأم والأخوات الوقوف على السبب الحقيقي وراء عزوفه عن الزواج لعدم قناعتهن بما يبديه واستجمعن شجاعتهن حتى لو كان الأمر محرجا وبه ما يخجل فلابد من معرفته ومحاولة علاجه أو تفادي العراقيل إن وجدت· وجلسن معه وضيقن عليه الخناق حتى ان احداهن ألمحت له عن قلقهن ومخاوفهن ولابد أن يعرفن السبب· لم يكن صعبا عليه ان يفهم ما تشير اليه ودون ان يخوض في التفاصيل ضحك ضحكة مدوية زادتهن غيظا وهن يتلهفن لمعرفة هذا البرود الذي هو فيه وعدم اهتمامه خاصة أنه وهو في المرحلة الثانوية وفي الجامعة كان كثير الكلام عن الفتيات والزميلات ويمزح كثيرا ويدعي أنه يريد أن يتزوج هذه أو تلك وقبل ان تخرج دموع الأم الحبيسة في عينيها أقسم لهن على انه لا صحة للأسباب التي دارت في رؤسهن وأن السبب الوحيد أنه لم يجد من تناسبه وزيادة في الطمأنينة طلب مساعدتهن في ترشيح فتاة له وانه عندما يعثر عليها سيرتبط بها فورا·
تنفست الام وبناتها الصعداء بينما اختلى ''محسن'' بنفسه في غرفته واغلق الباب واستلقى على سريره وفي ركنها ينبعث ضوء خافت وراح يراجع نفسه فهو لم يذكر لهن الحقيقة الكاملة· كان صادقا فيما قال لكنه لم يستطع ان يبوح بكل شيء انه منذ صباه ومنذ بداية المراهقة قبل اكثر من خمسة عشر عاما يعيش حياته بالطول والعرض وعلاقاته النسائية لا يستطيع تذكرها كلها لأنها اكثر من ان تحصى وعرف صنوفا مختلفة من النساء والفتيات·
وراح يتذكر بعضا ممن عرف وبعضا من قصص الحب التي عاشها لكنه لم يكن وهو في هذا العمر قبل أن ينهي دراسته الجامعية مهيأ للزواج وتذكر القصص والخطابات والمغامرات التي عاشها زملاؤه وأصدقاؤه وكلها جعلته يصاب بمرض الشك فقد اصبح يشك في كل النساء والفتيات ويراهن خائنات أو على الاقل كن أو مازلن على علاقات مع الرجال ويؤكد لنفسه ان المرأة لا تعرف الاخلاص ولا توجد فتاة تزوجت الرجل الاول الذي عرفته أو احبته بل انها دائما ما تحب شخصا ثم تتزوج غيره أو تقيم علاقة مع شاب ايا كان نوعها ثم تتركه أو يتركها وتكون من نصيب زوج مخدوع لا يعرف علاقات زوجته السابقة بل يرى ان كل الرجال مخدوعون في زوجاتهم ولا يعرفون ماضيهن المشين وهذه هي الحقيقة التي لم يستطع ان يذكرها لأمه واخواته لأنها مُرة ولا يمكنه ان يقولها لانه يشعر احيانا بأنه يتجاوز في احكامه واوهامه وهو غير قادر على التخلص منها فهي تسيطر عليه وتتمكن منه·
وجدت الأم والأخوات أول الخيط فأمسكن به وبدأن طرق الحديد وهو ساخن وانهالت ترشيحاتهن له وقدمن العديد من الفتيات من العائلة والزميلات والاقارب لكنه كان يتصيد الاخطاء ويبحث عن امرأة خالية من اي عيوب كما هي في خياله واحلامه واخيرا وقع الاختيار على ''تهاني'' خريجة الجامعة المعروف عنها الالتزام والجدية وتتمتع بأخلاق طيبة ومن عائلة محافظة ومازالت تتمسك بالعادات والتقاليد وتمت الموافقة عليها بالإجماع، فليس فيها ما يعيب ولا مبرر للرفض وهو نفسه لم يستطع ان يجد حجة يبديها فتمت الخطبة التي حاول ان يجعلها فترة طويلة كي يطبق على مخطوبته نظرياته ويتأكد من انها خالية من العيوب وعندما تأكد انها سليمة وافق على تحديد موعد للزفاف·
وفي حفل كبير كانت العروس في أبهى صورة بالفستان الابيض واصطحبها الى عشهما الهادئ الذي قاما باختيار كل قطعة فيه معا ومن اول يوم كان التقارب والاتفاق بينهما اكثر من التباعد والخلاف إلا ما تتعرض له الحياة الزوجية واستطاعت ان تقوم بدورها كزوجة على افضل وجه فهي لا تعمل وكل وقتها لزوجها وبيتها وتكللت علاقتهما وازدادت قوتها عندما رزقا بطفل جميل جعل لحياتهما معنى أكثر جمالا وبهاء وكانت على عكس الكثير من الزوجات اللاتي يهملن ازواجهن بمجرد قدوم المولود الاول فقد استمر نشاطها في بيتها واهتمامها بزوجها· بل وبأسرته التي كانت تبدي ارتياحا لقدومهم وترحب بزياراتهم·
''تهاني'' لا يعجبها العجب ولا تستريح لأعمال الشغالات والخادمات وتحب ان ترعى بيتها بنفسها وتعيد ترتيب الاشياء حسب مزاجها ولا تكل ولا تمل من اعمال المنزل· ترى فيها نفسها وراحتها واليوم ارادت تنظيف ثريات الشقة واحضرت سٌلما صغيرا ارتقته لتتمكن من تنظيف الثريا الاولى وراحت تلامسها برفق حتى لا تسقط شيئا منها· كانت تتعامل معها بلطف ووقعت عينها على تلك القطعة الصغيرة المكونة من المعدن بخلاف كل القطع التي تتكون منها الثريا وفي نفس الوقت لا علاقة لها بها غير انها مدسوسة في قلبها وموصولة بسلك بخلاف اسلاك الكهرباء إلا انه يسير معها في نفس الماسورة البلاستيكية التي تخترق السقف· وحيرها الامر كثيرا فلم تكن هذه القطعة موجودة عند شراء الثريا ولم ترها من قبل في اي مكان ونقلت السلم الى الثريا الثانية في الصالة ووجدت في قلبها قطعة مماثلة وانتقلت لاستكشاف الامر في جميع الثريات في الشقة فإذا كل واحدة تحتوي على هذه القطعة المعدنية ودارت الشكوك برأسها ولعبت بأفكارها لكنها لم تصل الى تفسير منطقي وقلبت الامر على كل وجه وزادت حيرتها والسؤال الذي يبحث عن اجابة حول هذه القطع·
في الصباح وبعد مغادرة زوجها الى عمله اتصلت هاتفيا بشقيقها المهندس واكدت له انها تريده في امر مهم ورفضت ان تخبره وخشي ان يكون قد أصابها مكروه فأسرع اليها واصطحبته الى الثريات وعندما شاهد هذه القطع الغريبة ضرب كفا بكف وهو يردد لا حول ولا قوة إلا بالله·· هذه القطع عبارة عن كاميرات تصوير متناهية الصغر ترصد كل ما يدور في جميع جنبات واركان الشقة حتى الحمام لم يسلم من احداها·· وهذه الكاميرات بعد ان تتبعها وجدها تقوم بتخزين الصور في جهاز صغير يحتفظ به الزوج في مكتبه·
اصيبت ''تهاني'' بصدمة كبيرة وتوجهت مع شقيقها لإبلاغ النيابة عن فعلة زوجها الشنعاء وتمت معاينة الشقة والتأكد بمعرفة الفنيين المتخصصين من ان هذه الكاميرات للمراقبة يستغلها الزوج المهندس في تصوير كل تحركات زوجته من لحظة خروجه وحتى عودته· وتم استدعاؤه والتحقيق معه· واعترف ولم ينكر ان شكوكه هي التي دفعته الى هذا التصرف وان كانت زوجته في قمة الاستقامة ولم يجد منها ما يبرر ذلك لكن مرضه القديم مازال يعاني اعراضه فخرجت الزوجة بولدها الى محكمة الاسرة تطلب الطلاق للضرر وتخشى ان يستخدم الصور التي تم التقاطها بشكل غير لائق فالمعروف ان المرأة لا تكون في منزلها وهي وحدها بكامل ملابسها· وتم استدعاؤه وابدى ندمه وقدم الاعتذارات واكد انه يحب زوجته وابنه وان ما فعله كان من قبيل الحب ايضا ولم يقصد الاساءة اليها أو التشكيك في سلوكها وانما ليطمئن قلبه·
ورفضت ''تهاني'' كل توسلاته وأسفه لأنها شعرت بأن الجرح أصاب شرفها وكرامتها فقضت المحكمة بطلاقها ومنحتها حق الحضانة لولدهما والإقامة في شقة الزوجية وحدهما ليخرج منها مطلقا وقد خسر كل شيء وتم تخليص الشقة من شبكة التجسس التي زرعها الزوج الغيور·

اقرأ أيضا