الاتحاد

الملحق الثقافي

الموسوعات العربية... منذورة للموت

ظهرت في السنوات الأخيرة مجموعة من الموسوعات، في مختلف المجالات، ومعظم هذه الموسوعات تجد اقبالاً من القراء وطبعت أكثر من مرة. والملاحظ ان الموسوعات في الثقافة الغربية تقوم عليها لجان علمية ومؤسسات رسمية وأهلية، فلا يقدر عليها كاتب أو باحث بمفرده، بعكس الحال في ثقافتنا، حيث أن معظم الموسوعات يقوم عليها افراد يتصدون لهذا الجهد ويسدون فراغاً مهماً في المكتبة العربية، لكنهم ما إن يغيبوا حتى تتوقف موسوعاتهم عند اليوم الذي غابوا فيه، وكأنها تعلن بموتهم موتها هي أيضاً.

الكاتب محمود قاسم اصدر وحده 12 موسوعة. والدكتور عبد الرحمن بدوي اصدر موسوعتين: الأولى موسوعة الفلاسفة في عدة طبعات وكل طبعة كان يضيف إليها موادا جديدة، والثانية موسوعة المستشرقين وقدم فيها عددا ضخما من المستشرقين ينتمون إلى مختلف الجنسيات. والدكتور عبد الوهاب المسيري اصدر ثلاث موسوعات، الأولى في منتصف السبعينيات حول المصطلحات الصهيونية، والثانية موسوعة “اليهود واليهودية والصهيونية وإسرائيل” في ثمانية مجلدات، والثالثة عن العلمانية بعنوان “العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية”.
استعان د. المسيري في موسوعته عن اليهود والصهيونية واسرائيل بمجموعة من الباحثين أعدوا بعض المواد، وظهرت اسماؤهم في الموسوعة، ولكن كان هو الذي يكلف الباحث ويحدد له المادة التي يعدها وبعد ان تصل إليه يراجعها ويتدخل في صياغتها.

عدم الموثوقية
يقول محمود قاسم إنه لا يستعين بالباحثين، ففي موسوعته عن الافلام السينمائية المصرية اكتشف ان بعض الباحثين جاءوا بمعلومات خاطئة، لانهم اعتمدوا على مصادر غير موثقة، وفي حالات كثيرة كانوا ينقلون من بعض الكتب.
ويرى المحقق د. أيمن فؤاد السيد ان هناك فرقا بين الموسوعات القديمة والحديثة، القديمة كان يمكن ان يقوم بها فرد واحد، وعرف التراث العربي الكثير من الحالات، خاصة في العصر المملوكي، والقلقشندي وحده قدم “صبح الأعشى” ومن قبله هناك الاصفهاني صاحب الأغاني وغيره. ومن يقوم بالموسوعة يحتاج الى التخصص والتعمق في احد جوانب المعرفة الانسانية، وأن يكون ملما بثقافة عصره اي يكون “موسوعيا”، وان تكون لديه القدرة على جمع المعلومات من مصادرها الاولى، وهذا تحقق للكثيرين في ثقافتنا الإسلامية والعربية.
أما الموسوعات الحديثة، في رأى د. ايمن، فهي التي تضعها لجان علمية ومجموعات من الباحثين، ولابد ان يكون هناك عقل مفكر وراء هذا العمل، يشرف عليه، ويوجه هؤلاء الباحثين. وهناك بعض افراد في زماننا يضعون وحدهم موسوعات، لكن هؤلاء تكون لديهم قدرات استثنائية، ويقومون بجهد غير عادي، ود.المسيري في موسوعته عن الصهيونية واسرائيل ظل يعمل اكثر من عقدين، وكانت هي كل ما يبذله من جهد وبحث، لذا لا غرابة في ان يقدم موسوعة بهذه الضخامة، وذلك التعمق، والامر عينه ينطبق على د. عبدالرحمن بدوي، الذي جاءت موسوعته عن الفلاسفة تتويجا لنصف قرن من البحث والتخصص الفلسفي، حيث ألم بكل عصور الفلسفة ومراحلها، واجاد عدة لغات من اليونانية القديمة الى الالمانية والفرنسية والإيطالية والانجليزية والإسبانية، فرجع إلى المصادر الاولى. لذا حققت موسوعته نجاحا ووجدت اقبالا من الدارسين، والموسوعة في طبعتها الاولى كانت في مجلدين وفيما بعد اضاف لها مجلدا ثالثا.
وينبه د. أيمن إلى أن هناك كُتاب يجمعون مقالاتهم في عدد من الكتب ويطلقون عليها اسم “موسوعة” ومثل هذه الموسوعات لا يجب ان يعتد بها، فليس كل من “هب ودب” يقدم موسوعة. وإذا كان د. ايمن يرى ان الموسوعات الآن يجب ان تقوم بها المؤسسات والفرق البحثية فإن محمود قاسم صاحب الرقم القياسي في اصدار الموسوعات يرى ان الموسوعات سوف يقوم بها الافراد، لانه ليست لدينا مؤسسات رصد وجمع المعلومات. لدينا كلام كثير عن الفائزين بجائزة نوبل وعن الجائزة، لكن ليس لدينا مرجع إحصائي يذكر كل فائز سنويا ويقدم مادة علمية عنه. لذا عكف هو على إعداد موسوعة الفائزين بجائزة نوبل حتى تكون المعلومات متاحة امام الباحثين وفي الموسوعة لا يقدم رأيا شخصيا بل يرصد المادة.
ليس هناك حجم محدد للموسوعة، و”موسوعة مجلات الاطفال” في العالم العربي التي اعدها محمود قاسم تقع في اقل من 300 صفحة، وربما تصل الى حجم مادة واحدة أو مادتين داخل موسوعة المسيري.

مجالات نادرة
ومن المجالات التي نادرا ما تظهر فيها موسوعات، علم التاريخ، فنحن لا نعرف غير موسوعة “تاريخ الحضارة الإسلامية” التي اصدرها د. احمد شلبي وتقع في عشرين جزءا. ويفسر استاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة د. محمد عفيفي ذلك “بأن الموسوعة تحتاج الى جهد جماعي وتقوم على فريق متكامل ومن الصعب ان نجد هذا الفريق، فالعمل الجماعي تجاربه ليست ناجحة، والانانية هي التي تسود، والموسوعة بحاجة الى هيئة أو جهة تنفق على اعدادها وتدفع للباحثين، وهذا ليس متوفرا في مصر وربما في العالم العربي كله. لذا نجد الموسوعات من إعداد افراد ويحتاج الامر الى استاذ أو باحث يهتم بموضوع معين ويخلص له سنوات عمره وينفق عليه من مدخراته ثم يجد ناشرا يتحمس لإصدار الموسوعة.
ويذكر محمود قاسم انه في فرنسا يصدر كتاب في شهر اكتوبر من كل سنة، يضم الجديد الذي ظهر خلال السنة في مختلف فروع المعرفة من مصطلحات وافكار واحداث، ويتمنى ان يصدر كتاب مماثل لهذا الكتاب في الثقافة العربية. ويعترف قاسم أنه وقع في اخطاء في موسوعته عن الافلام لأن المادة ليست متوفرة والمراجع غير دقيقة وانه صحح تلك الاخطاء بعد الطبعة الاولى. وقد اعتمد في التصحيح على الهواة من عشاق السينما والافلام العربية، وهناك بعض التواريخ ستظل بحاجة الى التصحيح نظرا لغياب المعلومات الموثقة مثل مئوية السينما في مصر. فقد تم الاحتفال بها في العام 2010 ورأى البعض انها مرت من عشر سنوات بينما يرى فريق ثالث انها سوف تأتي بعد عشرين سنة، والسبب غياب المعلومة.
ومن ابرز المشكلات التي تترتب على قيام فرد باعداد موسوعة، أن الموسوعة في هذه الحالة تظل حية طوال حياته فقط ولكن بعد الوفاة يكون من الصعب على اخر تحديثها أو تجديدها، وهذا ما حدث بالنسبة لموسوعة “جغرافية مصر”، وهي موسوعة خاصة ومهمة جدا، ومن اعدها لم يكن باحثا متخصصا ولا كاتبا أو اكاديميا، لكنه كان موظفا ولما احيل إلى التقاعد لم يجد ما يشغله سوى اعداد موسوعة جاءت في خمسة مجلدات تضم اسماء مدن وقرى مصر ونجوعها، واعيدت طباعة هذه الموسوعة قبل خمس سنوات، ولكن لأن المؤلف في ذمة الله، لم يتم تحديثها ولا تجديدها، فقد ظهرت قرى جديدة وانشئت مجتمعات عمرانية وسكانية جديدة في مصر، وهي تلك التي ظهرت بعد ثورة 1952 مع عهد الاصلاح الزراعي ثم في عهد الانفتاح الاقتصادي وكذلك ما جرى في العهد الحالي. ولو ان هناك هيئة أو مؤسسة تقوم على الموسوعة لأمكن تدارك ذلك الأمر.

اقرأ أيضا