الاتحاد

الملحق الثقافي

رحلة إلى أعماق التناقض الإنساني

كتاب الدكتور علي الوردي ''دراسة في طبيعة المجتمع العراقي''، عاد إلى الظهور في وقته تماماً من خلال طبعة جديدة صدرت عن دار الورّاق للنشر· فما يشهده المجتمع العراقي في مطلع القرن الواحد والعشرين وبعد سلسلة من الانقلابات الجذرية في تكويناته وبناه السياسية والتي أوصلته إلى احتلال خارجي مدمر، وصراعات أهلية محرقة، يحتاج إلى إعادة قراءة لما كتبه الباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي لفهم ما يجري اليوم·
يتناول كتاب الوردي التكوين التاريخي والسوسيولوجي والسياسي للعراق انطلاقاً من ملاحظات شخصية مارسها وعاشها في هذا المجتمع، واستناداً إلى قراءات علمية قام بها مدى سنين بحثه· لم يتبع الكاتب نظام الإحصاءات في بحثه هذا، ولا يستعمله كما يبدو في أي من دراساته، ويقولها من دون مواربة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيواجه كل منتقديه في هذا المجال، معلّلاً خياره باستحالة القيام بعمل إحصائي في البلاد العربية، وخصوصاً في العراق، جراء فقدان الثقة لدى المواطنين في ما بينهم، والافتقار إلى هكذا عادات وتقاليد، وصعوبة التوجه إلى بيت حيث المرأة تكون وحدها خلال النهار وإلى ما هنالك·
انحياز عاطفي
لكن المسألة بالنسبة للقارئ لا تكمن نواتها هنا، إنما في ما يتجاوز الأرقام والحسابات إلى ما هو أهم، وأعني بذلك الملاحظة الموضوعية التي يجب أن يتحلّى بها الباحث السوسيولوجي· فعلم الاجتماع هو في الكشف عن تفاصيل حياة الجماعة، أكثر مما هو إبراز لوائح أرقام تستطيع الآلة القيام بها·
وإذا كان علي الوردي في أماكن كثيرة من مؤلَّفه (المسهب والممتد على طول 13 فصلاً) يتعمق في دراسة ظاهرة اجتماعية ما في مرحلة زمنية وجغرافية وسوسيولوجية وسياسية في العراق، فهو في بعض الأحيان يقع في فخّ الانحياز العفوي إزاء ما يحبّه، وهكذا تصرّف يضرّ بالبحث· فمثلاً أسهب في التغنّي بالبدو والبداوة، الأمر الذي جعل الكتاب ينحرف في بعض المقاطع عن مبدأ الدراسة، ليقع في نوع من الأدب الرومانسي حيث الذاتية تتصرّف بحرية على حساب الموضوعية·
لا أقول إن البداوة ليست جميلة، ولا أقول إنه على الباحث علي الوردي ألا يحبّها، لكن كان عليه أن يترك هذا الحماس لذاته، وأن يلجأ إلى الشك والسؤال والتساؤل والمقارنة القاسية لإنجاح مسعاه السوسيولوجي الصرف·
تجاذب حضاري
في ماعدا ذلك، نحن نتعلم الكثير من هذا الكتاب الضخم والقيّم، حول عمق التكوين الاجتماعي العراقي، بدءاً من كونه، كما يصفه الباحث، متجاذبا بين اتجاهين أو عاطفتين: ''هنا نجد الشعب العراقي واقعاً بين نظامين متناقضين من القيم الاجتماعية، أي قيم البداوة الآتية إليه من الصحراء المجاورة، وقيم الحضارة المنبعثة من تراثه الحضاري القديم''·
إلا أن القارئ، من خلال غوصه في صفحات هذا الكتاب يجد في النهاية أن غالبية الشعب العراقي قادم من الفئة الأولى، أي من جذور بدوية، وثمة جزء كبير من الكتاب كرّسه الوردي لدراسة الظاهرة البدوية، وللتأكيد على دور الأكثرية في هذا المجال، وفي الاحصاء الوحيد الذي تضمنه الكتاب نخلص، حسب الأرقام المعطاة، إلى تفوّق البدو (وما أنتجته من قبائل) عددياً على مَن ليس من البدو·
مهانة المهنة
في هذا المجال يقول علي الوردي: ''إن عدد سكان العراق كان في 1867 لا يتجاوز المليون والربع· ونسبة السكان هي: القبائل البدوية 35 بالمئة، القبائل الريفية 41 في المئة، أهل المدن 24 في المئة· وفي ذلك دلالة واضحة على ما كان المجتمع العراقي عليه من مدّ بدوي وجزر حضاري· فالبداوة تتمثل في القبائل البدوية والريفية معاً''·
وفي وصفه لتلك الجماعات يقول الكاتب: ''مما يلفت النظر في أمر الحضارة والبداوة أنهما متعاكستان في كثير من قيمهما الاجتماعية· من ناحية الدولة والاحتراف، ومن ناحية ثانية النفور منهما· إن العصبية القبلية في البداوة تحلّ محل الدولة· فالفرد البدوي يعتزّ بقبيلته وهي سبب بقائه وموئل كرامته· أما الدولة فليست سوى نظام للذل ومن العار على البدوي أن يخضع لها· وهذا أيضاً ينطبق على الاحتراف، أي اتخاذ حرفة أو مهنة يكسب الإنسان منها رزقه· البدوي يعتبر الاحتراف ذلاً ومهانة، والظاهر أن لفظة مهنة في اللغة العربية مشتقة من المهانة (···)''·
مد وجزر
يتحدث الكاتب عن ظاهرة المدّ والجزر، أي ظاهرة تجاذب العراق بين فترات قوة الدولة فتتقلص القيم البدوية في هذا المجتمع، وفترات انحسار لسلطة الدولة ما يشجّع هذه العصبيات القبلية مجدداً، وذلك أمر طبيعي كما يلاحظ، إذ يلجأ الشعب، ولا سبيل له غير ذلك، إلى قبيلته طلباً للحماية في غياب حماية الدولة· ويبدو أن غالباً ما حدث ذلك في العهد العثماني، وصولاً حتى أيامنا هذه·
يقول الوردي في هذا المضمار: ''لا نستطيع أن نفهم المجتمع العراقي في وضعه الراهن ما لم نرجع في دراستنا إلى الوضع الذي كان عليه هذا المجتمع في العهد العثماني· ظل العهد العثماني مسيطراً في العراق زهاء أربعة قرون، ولم ينقشع عنه إلا خلال الحرب العالمية الأولى· إن تركيب شخصيتنا في الوقت الحاضر ليس سوى نتاج التفاعل بين ما كان عليه الناس في العهد العثماني، وما جاءت به الحضارة الحديثة من عادات وقيم وأفكار''·
موطن الصراع المتجدد
ثم يتطرق الكاتب إلى موضوع شائك آخر، موضوع قديم وجديد وكأن فصوله لا تنتهي على مرّ العصور والقرون، هو موضوع الصراع الإيراني التركي، أو العثماني سابقاً، على أرض العراق: ''مما زاد في الطين بلّة حدوث الصراع الطويل على العراق بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية· فهذه تدعو إلى مذهب السنة وتلك تدعو إلى مذهب الشيعة· ومما يجدر ذكره أن سكان العراق أنفسهم منقسمون إلى هذين المذهبين، وقد اشتدّ النزاع الطائفي بينهما منذ صدر الإسلام· فجاء الصراع العثماني الإيراني ليزيد في النار اشتعالاً''·
كتابة التاريخ

كما يقرأ الكاتب في جذور بعض الفئات العراقية في المجتمع العراقي· فثمة جاليات أجنبية، جاءت إلى بعض المدن العراقية من مختلف الأقطار الإسلامية، أمثال إيران وأفغانستان وأذربيجان والهند· وهي تقيم في المدن الشيعية، بشكل خاص في الكاظمية وفي كربلاء· حيث الجالية الإيرانية هي أكبرها· وإذا تكلّم علي الوردي عن ''الصراع الثقافي'' (Clash of Cultures) كما أوردها، وذلك بين القبائل البدوية والقبائل المقيمة والقديمة العهد في العراق، ألا يجوز لنا أيضاً أن نتساءل حول إمكانية انتشار هذا الصراع ليبلغ أيضاً الأعراق المختلفة والمذكورة أعلاه؟ هذا من دون أن ننسى ما أخبرنا إياه الباحث عن الصراع بين العرب والموالي· ''فتاريخ العراق كما تاريخ كل المنطقة المحيطة به تقريباً، مليء بهكذا نزاعات، ويجب ألا ننسى أيضاً أن كثيراً من المؤرخين في العهد العباسي كانوا من الموالي، ونحن لا نتوقع منهم أن يكونوا حياديين في روايتهم (···)''·
هنا تكمن النقطة الأساسية في كل بحث تاريخي، وهو أن نعرف قبل كل شيء مَن كتب التاريخ!

اقرأ أيضا