صحيفة الاتحاد

ثقافة

«فنسنت» يواصل سيره مبتعداً

في شهادته لـ«جسور» يلقي الشاعر والمترجم المصري ياسر عبد اللطيف بعضاً من الضوء الكاشف على تجربة ترجمته لكتاب «المخلص دوما فنسنت، الجواهر من رسائل فان جوخ»، عن الإنجليزية بمشاركة محمد مجدي، والصادر مؤخراً عن «الكتب خان للنشر والتوزيع»، القاهرة 2017. يقول عبد اللطيف:
« عندما شرعت في ترجمة «المخلص، دوما فنسنت، الجواهر من رسائل فان جوخ»* لم يكن الاهتمام العالمي بالفنان المنتحر في 1890 قد استيقظ من جديد. كنت أعرف بالطبع قيمة الرسائل كعمل أدبي كبير، ولكن لم أعرف أن الرجل نفسه سيعاد ترميم أيقونته ك «شهيد» للفن والشغف، وهو ما سيساهم فيه فيلم «محبة فنسنت» الذي أُطلق العام الماضي فقط كأول فيلم رسوم متحركة ينبني على اللوحات الزيتية للفنان نفسه.
يضم الكتاب مائتين وخمسة وستين رسالة، عدّها المحررون الهولنديون الأقوى بين أرشيف رسائله الضخم الذي يضم 903 رسالة هي ما تبقى من مجمل مكاتباته الذي كان يُمارسها بشكل محموم وشبه يومي. وترسم هذه المجموعة بوضوح مسار حياته وخط سيرته من عمر التاسعة عشرة وحتى لحظة انتحاره في السابعة والثلاثين من عمره. وهي ترصد تطور أفكاره حول نفسه وموقعها في العالم والمجتمع وحول الفن بالطبع، وأيضًا حول العقيدة. فقد نشأ فنسنت في وسط بروتستانتي مُتزمت في عائلة يعمل رجالها في سلك الكهنوت أو في التجارة. لم يكن تلميذًا جيدًا في المدارس، وانضم عن طريق أقاربه رجال الأعمال كموظف إلى شركة «جوبيل وسي» لتجارة الأعمال الفنية والمستنسخات، والتي كان لها فروع بأكثر من مدينة أوروبية، وتنقل معها من مكتبها في لاهاي إلى فروعها في لندن وباريس. وعلى الرغم من عدم شغفه بالدراسة الأكاديمية، فقد ثقف نفسه بنفسه واستطاع أن يتقن الانجليزية والفرنسية بجانب لغته الأم، عن طريق القراءة والممارسة، وفي الأغلب كان يعرف الألمانية أيضًا. تدرجت اهتماماته في القراءة من الأدب الروحي والديني حتى تخلّص من الإرث الكنسي لعائلته، فوقع في هوى الأدب الواقعي بشقيه الفرنسي والإنجليزي، ومع ذلك فقد طوّر مفهومًا ميتفيزيقيًا يرى الله في الطبيعة وفي مظاهر الحياة الفقيرة والخشنة، لدى عمال المناجم في بلجيكا والنساجين والمزارعين في قرى إقليم البرابانت الهولندي حيث ولٍدَ، أو في ريف فرنسا حيث قضى شهور عمره الأخيرة، وهي الموضوعات التي شكّلت المتن الأساسي لأعماله في التصوير والرسم. شَغَفُ فنسنت بالطبيعة، وإفلاسه الدائم كانا يدفعانه كثيرًا للسفر سيرا على الأقدام بين البلدات والقرى في الريف الانجليزي حيث عمل كمُساعد معلم نظير طعامه وسكنه فقط في مدارس داخلية، أو حتى في وطنه الأم هولندا، وفي ريف فرنسا أيضًا. وخلال فترة تدينه والتي بلغت حد الهوس في الشطر الأول من حياته، كان يرى أن رحلته في الحياة هي تقدم على طريق للحج نحو «مدينة الأبدية» التي تبدو من بعيد متألقةً تحت ضوء المساء. كان أيضًا مشاءً عظيمًا شغلته الفروق بين أنماط الطبيعة في أرياف البلدان الأوروبية المختلفة التي طاف بها. شغفٌ بفروق الألوان ودرجة إشعاعها وتشبعها وفقًا للمناخ تأرجحا بين دفء المتوسط وبرودة الشمال، وبين سطوع الشمس هنا وخفوتها هناك.
وتشغل صورة «الفنان المجنون» المعزول اجتماعيًا والعبقري الفاشل مهنيًا الهالة التي تُصاحب شهرة فان جوخ حتى لدى أناس لا يعنيهم كثيرًا الوقوف أمام اختلاف لوحاته، ناهيك عن قراءة مكاتباته المرهقة. وتزداد الهالة توهجًا بحكاية أذنه التي قطعها ليهديها لفتاة ليل في أحد مباغي مدينة آرل الفرنسية، ثم واقعة إطلاقه للرصاص على نفسه وموته ببلدة أوفير شمالي باريس. الفنان المنتحر وجبةٌ شهية على مائدة مستهلكي الأفكار. أما أنتونان آرتو الشاعر والمسرحي الفرنسي فيرى أن ما يزعم الناس أنه شذوذ وخُبال كان عاصفةً رجت أركان المجتمع البرجوازي لنهايات القرن التاسع عشر، فيقول: «لم يكن فان جوخ مجنونًا، لكنّ لوحاته كانت نارًا إغريقية، وقنابل ذرية، كانت وجهات نظرها هي وكل أعمال التصوير في ذلك العصر قادرةً على إزعاج النزعة الامتثالية الخام لبرجوازية الإمبراطورية الثانية (...) وحتى الطبيعة الخارجية بمناخاتها، ومدها وجزرها، وزوابع الاعتدالين لم تعد بعد مرور فان جوخ على هذه الأرض قادرةً على الاحتفاظ بجاذبيتها السابقة نفسها». وذلك في كتابه الصغير عن فنسنت، والذي أعطاه عنوانًا شديد الدلالة «فان جوخ أو أضحية المجتمع»! استخدم آرتو صيغة اسم المفعول من فعلsucider الفرنسي بمعنى انتحر وجذره العربي نحر، فتكون الترجمة الحرفية للعنوان هي «منحور المجتمع»، كبش فدائه أو أضحيته. ما يتم إعدامه أو استبعاده على الأقل للحفاظ على تماسك البنى الهشة، التي يحرك وجود مثل هذه الكيانات خطر تداعيها. أي تأثير يمكن أن تحدثه مثل تلك الرسائل لدى هؤلاء الملتفين حول المائدة نفسها، هذا ما لن يتسنى لي معرفته أبدًا، أما فنسنت فسيواصل سيره مبتعداً».