الاتحاد

الملحق الثقافي

عبد الناصر مجلي: لي بحري...!

يحمل “كتب العشق والرجاء والخوف والتضرعات” الصادر حديثاً للشاعر والروائي اليمني عبد الناصر مجلي منحى تجريبياً لافتاً سواء لجهة المضمون النصي أو جماليات الشكل الكتابي، حيث تتداخل نصوصه مع أشكال هندسية كوّنت متن الكتاب وفضاءه. ويأتي الكتاب في سياق بحث الشاعر عما يرفد قدرته الشعرية بطاقات متوهجة وجديدة بعد أن خشي على تجربته من التكرار أو النضوب.
ومجلي الذي سبق أن أصدر ثلاثة عشر كتاباً ما بين القصة والشعر والرواية، ويقيم في أميركا، يحكي في هذا الحوار عن تجربته الجديدة ومناخاتها وعلاقتها بالنص الصوفي وغير ذلك.

? كتابك الشعري الجديد مفاجأة أدبية تشكيلية للقارئ، هل يمكن معرفة بداية الفكرة وتشكلها؟
? يبدو أن المفاجأة هنا لم تكن حصرية أو خاصة بالقارئ فحسب، فقد كانت كذلك بالنسبة لي، أنا أيضاً، من نواحٍ عديدة أهمهما اكتشافي أثناء الاشتغال على نصوص الكتاب أنها كانت نصوصاً متشرطة، أتت إليّ تحمل في ثناياها فكرة لم تخطر لي على بال، وهي الذهاب بالنص بطاقته القصوى إلى أقصى مدى ممكن، وذلك من خلال شحن النصوص بطاقة جديدة أتت مناسبة ومتوافقة مع ما أشتغل عليه في الأساس. كذلك خوض غمار تجربة قد لا تعتبر غير مسبوقة بالنسبة لي تاريخياً كوني كاتباً متشبعاً بروح التجريب على أنساق عدة: لغة وشكلاً ومعنى ودلالات.. إلخ. وقد أتى ذلك التوافق موائماً مع ما أفكر به وأطمح إلى تحقيقه، لهذا فعند كل نص من نصوص “كتب العشق والرجاء والخوف والتضرعات” كنت أجدني على مشارف عتبات لم أطرقها من قبل بهذه الكثافة، فأواصل الإيغال سعياً وراء فتوحات جديدة أخرى في هذه التجربة حتى نهايتها. أما البداية لفكرة الكتاب فقد لازمتني طويلاً منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، عندما اكتشفت بأنني في كتابتي للشعر قد كتبت بأشكال وطرق مختلفة حتى ظننت أنني استنفدت قدرتي الشعرية، فكان لا بد من التغيير إذا أردت مواصلة مشروعي الشعري على نحو مختلف أقتنع به ويرضيني، وعليه أستطيع القول إن تشكلها في وعيي قد بدأ في العام 2004م وانتهت في أوائل يوليو 2010 في هذا المجلد الذي بين يديك.

بياض الروح
? نصك الشعري بدأ متداخلاً في نص تشكيلي موازٍ، اتخذ من الأشكال الهندسية المختلفة فضاءه كمتن للكتاب، من أي زاوية تعاملت مع هذه الأشكال؟
? كان تعاملي مع الأشكال الهندسية نابعاً من ضرورة شعوري بالامتلاء الروحي قبل التقني بما أشتغل عليه، لذلك قمت بعمل تقسيم تخيلي ليس للصفحة، بل لبياضها، وكيف يمكنني استغلال ذلك البياض السحري لمصلحة وخدمة النص بكل ما يملكه من خفايا وأسرار قد لا تبدو واضحة أو مرئية للشخص العادي، ولعلك ستستغرب لو قلت لك ان مساحة البياض تبدو فارغة في أي صفحة من صفحات “كتب العشق والرجاء والخوف والتضرعات” لكنها في الحقيقة ليست كذلك على الإطلاق، إنه بياض مكمل لروح لنص ومملوء به ودال عليه ولأن هذا الكتاب في حقيقته أتى كنشيد أطلقته في مديح الله “سبحانه وتعالى” وتقرباً إليه، من حيث المبدأ أو كخطوة أولى ورئيسية في هذا الاتجاه، إلا أنني كذلك أقول إن هذا النشيد وإن كان يمثلني في المقام الأول إلا أنه أيضا تحول في اعتقادي تالياً إلى صوت أو نشيد جماعي لجميع الناس أينما كانوا. وعليه فقد استعنت بنصوص متنوعة سواء كانت دينية أو غيرها من أغلب الكتب المقدسة والديانات في العالم وأشهرها، مستغلاً مخلوق البياض الموجود معي وأمامي لتحميله أصواتنا جميعا، فما دام الله “جل جلاله” هو الإله الواحد الذي لا شريك له رب وخالق كل شيء فما الضير من الدعوة إلى صنع سيمفونية بشرية واحدة في حب ومديح الرب الواحد؟.

? إلى أي مدى تشّكل النص في انفراداته ووصله مع النص الصوفي الإسلامي القديم؟
? أعتقد جازماً بأن نصوص الكتاب أتت وكُتبت في فضاء بعيد كل البعد عن النص الإسلامي القديم ومختلفة عنه في كل شيء، اللهم إلا في كونه ينهل من منبع المسمى الواحد وليس البناء الواحد. فهناك فرق شاسع بين المسمى المجرد والفكرة وطبوغرافيتها منذ أول التاريخ إلى نهايته، من شغل وبناء وخلق مداميك جديدة لإبداع جديد ومغاير ومختلف لا يلغي السابق القديم ولا يعلن الحرب عليه، بل يمثله بطرق جديدة لم يقترب أحد من قبل من تخومها ومضاربها بهذه الجرأة والحشد الشعري والبصري الضخم. فكاتب الرواية الأولى على سبيل المثال لا يتشابه مع الكاتب الأخير إلا من حيث المسمى فقط، أما فكرتها وخلقها فمختلفان تماماً.

بحر خاص
? لكن هناك ما يمكن أن يُسمى التناص مع نصوص صوفية قديمة وعبارات وأدعية روحانية صافية، هل تراها برأيك ضرورة من ضرورات تكوين المتن؟
? كلا، على الإطلاق وإلا ما الجديد هنا إذا كنا مجرد رواة وحفاظ؟ لقد كان أول هم بالنسبة لي عندما شرعت في كتابة كتابي الشعري الأخير هذا هو ضرورة الحذر من الوقوع في فخ النمطية والتكرار حتى على مستوى الكلمة أو المفردة الواحدة، نظراً لأنني سعيت إلى حفر بحري الخاص بي الذي يشبهني وأشبهه، ولا أريد من احد أن يتطوع لتعليمي كيفية السباحة فيه لأنني مقتنع على أن هذا البحر لن يكون جزءاً مني إذا لم أبادر من دون خوف أو رهبة إلى اقتحامه واستكشافه كما يليق به ويليق بي.
والتناص من وجهة نظري يدل على ضعف المبدع عموماً، وعدم قدرته على خلق كونه الإبداعي الخاص به الذي لم يُطرق من قبل، في الوقت نفسه الذي أقول فيه أن لا بأس من الاستعانة بأي نصوص أخرى، إذا كانت الفكرة من وراء ذلك زيادة الشغف الروحاني كما يحدث معنا نحن المسلمين عندما نقوم بالاستعانة بالنصوص القرآنية والأحاديث القدسية والأحاديث الشريفة لتعضيد منطوقنا ورؤانا الروحية والحياتية نظراً لقوة وفرادة تلك النصوص واستحالة تقليدها، خصوصاً فيما يتعلق بالنص القرآني الكريم.
صحيح أن أجدادنا العظام قد سبقونا في شق وتعبيد دروب فضاءات الإبداع الصوفي، وإذ نفتخر بمنجزهم العظيم وغير المسبوق، إلا أننا وفي الوقت نفسه يجب أن نكون على حذر كافٍ وواعٍ من خطورة استسهال التقليد كونه يقود إلى التكرار، والتكرار بدوره يؤدي إلى الجفاف الإبداعي وموته تالياً.. لهذا أقول ان “كتب العشق ...” لا يمت بصلة ولا تنتمي إلى ما سبق لا من قريب ولا من بعيد على المستويات كافة. أنا متأكد من ذلك. إنها حالة كتابية خاصة جداً جدا.

اقرأ أيضا