الاتحاد

الملحق الثقافي

المجلات الثقافية في الإمارات·· البحث عن دور أم برستيج ؟

قبل أن نتحدث عن فاعلية الدوريات والمجلات الثقافية ودورها في انماء الوعي الثقافي في حقبة معينة داخل مجتمع معين لا بد لنا أن نطرق المحاور التي تتحدث عن مشروع النهضة العربية الثقافية الذي لا يزال من وجهة نظرنا مؤجلا· وعن طبيعة التشابه في بنية المجلات الثقافية او ما نعده بالتكرار التنويعي على نظام واحد غير متغير، ثم عن واقع مجلاتنا الثقافية في الامارات وأسباب العزوف عنها اجتماعيا وهل يمكن قراءة هذا الافتراض سوسيولوجيا ثم ما اسباب الازمة، وهل نجدها في الخطاب الثقافي أم حولها في موجهات هذا الخطاب·
تلك محاور حاولنا ان نستقرئ آراء المشتغلين في الحقل الاعلامي الثقافي وبخاصة في مجلتين أدبيتين مهمتين تصدران في الامارات وهما ''الرافد'' و''دبي الثقافية''·
مضمون الرسالة
يقول الناقد والاعلامي عبدالفتاح صبري عضو هيئة تحرير مجلة ''الرافد'' التي تصدر عن دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة حول موضوعة الدورية الثقافية ومشروع النهضة العربية: مثل كل مفردات ومكونات المشهد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي تعاني الدورية الثقافية العربية من انهيار في مواصلة الأداء ومصاعب في مضمون الرسالة الموجهة سواء للنخبة أو للجمهور المستهدف بشكل عام· حيث أن الطيف العام المحرك للحياة مرتبك ومتهالك لانهيار المشروع النهضوي العربي، ولأنه بالفعل هناك أزمة ما بالإضافة إلى الاندهاش الحادث بفعل التبدلات الحادة والتغيرات المتسارعة بفعل سرعة التغيرات التقنية في تكنولوجيا الاتصال وتداعيات الشبكة العنكبوتية، وسطوة الصورة وثقافتها، وكذلك انتشار الفضائيات وأثرها الفادح على ذوق وسلوك المتلقى وبالتالي فإن هناك أزمة في التلقي للمفردة وللكلمة ولأداتها التقليدية ومن هنا مكمن ارتباك المجلات الثقافية وتوقفها لاعادة صياغة رسالتها·
ويضيف صبري: ولكن قد نتساءل هل هناك أزمة في خطاب المجلة الثقافية للجمهور؟ من هذا المدخل السابق سنرى أن المجلة الثقافية باتت تعاني عدة اشكاليات تبدأ أولاً من التمويل الذي انصرف إلى ما هو مجدي مادياً نظراً لتبدل القيم في السنوات الأخيرة نحو موضوعة رأسمال المال ودوره الجديد في إشهار قيمه وسلوكياته·· كما أنه على الصعيد المضموني حدثت تحولات في الخطاب الفكري فلم يعد للمجلة دور في تشكيل وصياغة الوجدان أو حتى اثارة قضايا مهمة أدبية أو فكرية للأسباب التالية:
أولاً: تحول الجمهور بفعل سطوة ثقافة الإعلام والصورة عن المتابعة بشكل ما للكلمة المكتوبة بمعنى أن سطوة الصورة سحبت التلقي باتجاه قضايا أخرى تخدم رسالة المال وقيمه·
ثانياً: الخطاب العام الحاكم للرؤى الثقافية الجديدة والمتأثر بقيم الاستهلاك للشرائع الجديدة من التلقين التي كانت تعتبر مستقبل لقراء جدد·
ثالثاً: القضايا الجديدة المثارة في المجتمع باتت مرتبطة بحزمة من التشكلات الموجهة بفعل كل المؤثرات المتاحة للسلطات ولأصحاب رؤوس الأموال بهدف خلق مناخ آخر خادم لأغراض وأهداف جديدة لم تكن في حسبات التلقي الثقافي والأدبي·

ويتابع صبري: وبفضل عوامل أخرى تحول الخطاب الفكري والمضمون بحثاً وراء تلك القيم الجديدة أو خدمة لها وخاصة أن معظم المجلات الثقافية والتي كانت تخدم المشروع النهضوي أو الثقافي في العالم العربي توقفت تقريباً لأن الشكل المادي أو الاقتصادي كان سبباً مباشراً ولم تستمر غير الدوريات الحكومية، وبالتالي سيكون خطابها مرتبط بمرجعية قد لا يمكن أو لا يجوز تجاوزها من حيث البحث والتبشير واثارة الجدل المفضي إلى أسئلة الحرية والنهضة·
وفي ضوء ذلك نقول: هل هناك انتشار لقضايا مثارة أم هو مجرد تكرار ثقافي؟ كما يبدو اليوم أن مشروع النهضة قد تراجع أو توقف إضافة أن هناك تهميش متعمد للثقافة أو محاولة لاحتوائها أو تفريغها من أهدافها الحاملة والخادمة لهذا المشروع ومن هنا عادت النخب لتمضغ الأفكار التي كانت مثارة سابقاً·· وبالتالي احتضنت هذه الدوريات نفس القضايا المكرورة·
الأديب الإماراتي
ويقول صبري: أما لو تساءلنا عن واقع المجلات الثقافية في الامارات لقلنا هل تغطي المجلة حاجة الثقافة الإماراتية؟ مجلة ''الرافد'' نموذج للمجلة العربية التي تقدم الثقافة عبر الكلمة المكتوبة في أطياف الأدب والفنون والابداع·· وحينما تأسست كان الهدف منها أن تكون صوتا للأدب الإماراتي والثقافة الوطنية في العالم العربي وأن تكون جسراً للتواصل بين الثقافة العربية والساحة الوطنية وأن تكون أيضاً مكملاً لأدوات الشارقة في مشروعها الثقافي والتنويري، فعلى مدار 14 سنة منذ التأسيس أصبحت مجلة مرغوبة في الوطن العربي نسبة إلى ما تقدمه من أطياف الأدب وفنون الثقافة إلى القارئ العربي، وفي ظل تراجع الكثير من المجلات العربية في مصر ولبنان والمغرب العربي تعاظم دور ''الرافد'' حتى أنها باتت من أهم المجلات الثقافية العربية ولكن في شق التجسير نحو الداخل الإماراتي لم تتمكن تماماً من أن تكون صوتاً كاملاً لثقافة الوطن، وذلك التقصير يعود في شقه الأكبر إلى الأديب الإماراتي الذي يبتعد لأسبابه عن التعاطي مع مناشط الثقافة وآلياتها في الوطن ومنها الدوريات والمجلات· وما تعانيه ''الرافد'' من هذا الجفاء تعانيه دوريات أخرى مثل مجلة ''شؤون أدبية'' أو ''دراسات'' أو ''دبي الثقافية''، هذه الأزمة في التفاعل لها أسباب كثيرة منها ما هو مرتبط بالمثقف ومنها ما هو عائد إلى المناخ العام ومنها ما هو عائد إلى المؤسسات والمجلات جزء منها·
أزمات الثقافة
من جهته يقول يحيى البطاط الشاعر والمحرر الثقافي في مجلة ''دبي الثقافية'' حول موضوعة هل هناك أزمة في خطاب المجلة الثقافية للجمهور؟ أي هل هناك انتشار للقضايا المثارة أم أنه تكرار ثقافي؟: تبدو صورة الصحافة الثقافية العربية اليوم، وبعد انقضاء أكثر من قرن على صدور أولى المجلات الثقافية العربية في بيروت والقاهرة (المقتطف 1876) و(الهلال 1892) تبدو قلقة وخائفة وحائرة، صورة ورثت أزمات الثقافة والسياسة والفكر والاقتصاد، والحياة برمتها·
وبناء على هذا الميراث الثقيل، حشرت الصحافة الثقافية خطابها في منطقة الخرس، لتتجنب أن تلعب دورا محوريا، لا في عملية البناء، ولا في عمليات الهدم الجارية بعنف في المنطقة العربية·
كلام أخرس، ليس بالضرورة أن يكون مفهوماً أو غير مفهوم، وليس مهماً أن يجد من يصغي إليه أو من لا يصغي إليه، هذه هي صفات الخطاب في الصحافة الثقافية اليوم، خطاب مكبل بالصمت والقهر والمحرمات، ما إن تلفحه شمس الناس، ويمتزج بضجيج الدنيا، حتى يتبخر، ويختفي·
ويتابع البطاط: في البدايات المبكرة لعبت مجلات مثل ''المقتطف'' و''الرسالة'' و''الهلال'' و''الثقافة'' و''الكاتب''، أدواراً إحيائية، وتنويرية مهمة، وشهدت ساحاتها معارك ونزاعات ضرورية، والتفت حولها جماعات واتجاهات وتيارات في الفكر والفن والأدب، بينما خسرت الصحافة الثقافية اليوم هذا الدور· وأصبحت (أكسسواراً) و (بريستيجاً) يعمل لصالح رأس المال، وظهورها واختفائها مرهوناً بمزاج الممول، والمعلن، والرقيب· فوجد الخطاب ملاذه في حيلة الصمت، إنه خطاب فقد الهم والحرارة وأصبح بلا لون ولا رائحة ولا طعم·
نخبة النخبة
ويضيف البطاط قائلا: نتيجة لذلك انسحب من الصحافة الثقافية جمهورها النسبي، الذي تقلص ليصبح جمهورا من النخبة، أو من نخبة النخبة·
في الخارج أيضاً، امتلأ الفضاء بضجيج من نوع آخر، ضجيج يخطف الأبصار، يصدر عن عدد لا حصر له من الفضائيات، والصور المكررة المنزوعة من سياقها الواقعي، ليشيع نمطاً آخر من الاستهلاك الثقافي· نمطاً حسياً يعتمد الصورة وشفراتها في إثارة الغرائز البدائية لدى الناس·
إذا كنا نتحدث الآن عن أزمة، فإني أرى في الأفق كارثة، قد يصعب تفاديها من دون التمسك بخطاب ثقافي جديد، يعتمد منهجاً علمياً في الطرح والمعالجة، خطاب لا يخجل ولا يخاف من الحقيقة، يؤمن بالمستقبل، ويحترم ذكاء القارئ ولا ينافقه ولا يجامل ثوابته·

اقرأ أيضا